8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ثمّة مجموعة شتّامة مرئيّة ومسموعة لكنّها غير محدّدة الرتبة داخل قوى 8 آذار بحيث يمكن لهذه القوى أن تستعين بعناصرها وأن تتنصّل منهم في الوقت نفسه.
تلعب هذه المجموعة منذ سنوات دوراً حيويّاً في تعكير الحياة السياسيّة كلّما بدت الأمور تسير نحو الإستقرار، وفي الدعوة العلنية للإرهاب السياسيّ كلما اتخذت التوتّرات منحى تصاعديّاً. رتبة المجموعة غير محدّدة كما قلنا، لكنّ وظيفتها ثابتة: التأكيد دائماً على أنّه لن يكون من حوار جدّي على طاولة الحوار، والحؤول دون أن تنتشر لغة الحوار بين اللبنانيين خارج طاولة الحوار.
لا يكتفي عناصر هذه المجموعة بـتخوين الآخرين. يعتبرون أنّ كلّ تخوين يبقى ناقصاً ما لم تضفْ إليه الشتيمة. هكذا أضحوا في ما بينهم يتبارون في الإتيان بأعظم شتيمة. الشتيمة في عرفهم فعل سياسيّ بإمتياز. أنا أشتم إذاً أنا موجود، هكذا يحسبها كل عنصر منهم. والبعض يتطرّف أكثر فيدعو إلى نقل الشتيمة من ممارسة سياسية مشروعة إلى نظريّة سياسيّة خالصة. عند هذا البعض أنّ هناك دائماً مؤامرة إستعماريّة تتهدّده، وأنّ الردّ المحكم على هذه المؤامرة تكون بالشتيمة.
والطريف هنا أنّ فرقة الشتّامين هذه تصرّ على أنّ شتيمتها هي في خدمة القضايا النبيلة. فـالقضايا النبيلة لا تحتاج إلى توافق وطنيّ حولها... لكنّها أكثر ما تحتاج إلى لغة الشتيمة. وإذا أوجب الظرف أن تحمل قوى مسيّسة للدين هذه القضايا النبيلة، لا يجدّ الشتّامون، وأكثرهم من العلمانيين، من حرج، لأنّ شتيمتهم هذه تبقى علمانيّة. والأمر هنا يستأهل وقفة شرعيّة: ما هو موقف قوى مسيّسة للدين من عناصر علمانيّة تؤازرها بمعين لا ينضب من الشتيمة وفساد القول؟
ثمّة بالفعل مسألة أخلاقيّة أدبيّة لا بدّ من طرحها والسعي لمعالجتها، ذلك أنّ ظاهرة مناصرة القضايا النبيلة بالشتائم القبيحة هي ظاهرة تمثّل أقصى حالات الإسفاف والإنحلال الذي يمكن أن تتهدّد الحياة السياسيّة في بلد من البلدان. وإذا كانت هذه المجموعة ترى في عنف شتائمها خطّ دفاع عن العنف الخارج عن إمرة الدولة في لبنان، فإنّ السبيل لإستعادة أحرار لبنان الثقّة بنفسهم، وبفعلهم السياسيّ، تبدأ من قدرتهم على تبنّي الحوار كمنطلق لهم، وكهويّة لهم، في مواجهة منطق الشتيمة السياسيّة المنظّمة.
تشنّ مجموعة الشتّامين في الآونة الأخيرة حملات متعدّدة، منها بهدف عزل 14 آذار المسيحيّة عن 14 آذار الإسلاميّة، ومنها بهدف إرهاب المؤسسات الدستوريّة اللبنانيّة. يراوح ردّ الفعل على هذه الحملات في بيئة الحركة الإستقلاليّة بين من يعتبرها مؤّشرات وممهّدات لأمور أعظم، وبين من يعتبرها إنعكاساً للخلل القائم على مستوى إحتكار فريق سياسي بعينه لأسباب العنف ولغته، وبين من يحاول أن يقنع نفسه بوجوب عدم المبالاة حيال مجموعة الشتّامين مستصغراً شأنها.
في الواقع، إنّ مسألة الشتيمة السياسيّة المنظّمة لا بدّ أن تبحث على صعيد العلاقة بين فرقاء الوحدة الوطنيّة الحكوميّة القائمة. لم لا، يمكن أن يكون تهذيب اللسان في الحياة السياسيّة اللبنانيّة موضع إجماع وطنيّ.. ألم تدعُ كل جلسات طاولة الحوار منذ 2006 إلى اليوم إلى استبعاد العنف الكلاميّ؟
ليس هذا فحسب، إن النجاح في تهذيب اللسان بهذا الشكل يمكنه أن يسهم أكثر في ترميم الثقة بين الفرقاء، لأنّ تهذيب اللسان هو الشرط الأوّل لإنهاء لغة التحريض بشكل عام، وليس فقط الخطاب الشتّام ضمن هذه اللغة. بعد خمس سنوات من الأزمة السياسيّة والأهليّة اللبنانيّة آن الأوان لطرح الأمور خارج ذهنية التحريض والتحريض المضاد.. وعلى قاعدة الإقلاع عن المنطق الأعوج.. منطق خدمة القضايا النبيلة بـالشتائم القبيحة.. ومنطق مكافحة الفساد بـفساد القول.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00