8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كلّما تفاءل أوباما علينا بالتشاؤم

ما يكابده الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ حاليّاً ليس إلا نتفة من مناخ عالميّ باعث على التشاؤم. لهذا المناخ عناوين شتّى. كلّها تصبّ في غير صالح الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ، وفي غير صالح الرجاء الديموقراطيّ العربيّ.
فالتوسّع الديموقراطيّ الليبراليّ العالميّ تعثّر في العقد الأخير، بعد أن تعاقبت موجاته من السبعينيات إلى التسعينيات بإتجاه الشرق والجنوب. انتهى عملياً عصر الثورات المخمليّة بعد الحرب الروسية الجيورجية ونتائج الإنتخابات الأوكرانية الأخيرة.
أمّا إقتصاد السوق فأصيب بأزمة عالميّة لا سابق لها. بعض هذه الأزمة راجع إلى ثأر الإقتصاد الحقيقيّ من الإقتصاد الإفتراضيّ. لكن السبب الآخر للأزمة أنّ قسماً أساسيّاً من الإقتصاد العالميّ لم يخضع في الأساس بعد لقوانين التوسّع الرأسماليّ.
وأمام أزمتي التوسّع الديموقراطيّ والتوسّع الرأسماليّ، ثبت عملياً أنّ ما عُرِفَ منذ مونتسكيو وصولاً إلى فيتفوغيل بمنظومة الإستبداد الشرقيّ أو الإستبداد الأسيويّ استطاعت تحديث نفسها، بأشكال مختلفة، بعضها يتحايل على أشكال التوسّع الديموقراطيّ، وبعضها الآخر يطوّع أشكال التوسّع الرأسماليّ نفسها. بكلمة أخرى، كان يحتاج العالم إلى عقدين ليكتشف محدوديّة نتائج الإنتصار الغربيّ في الحرب الباردة. وليس التعثّر الأميركيّ في ما أسمته الإدارة السابقة الحرب العالميّة ضد الإرهاب إلا تظهير، بمفعول رجعيّ، لهذه الحقيقة التي همّت الأيديولوجيا الإنتصاريّة في نهايات الحرب الباردة بإخفائها.
إنّ مقولة نهاية التاريخ كانت صحيحة من جانب واحد فقط: أي أنّ إقتصاد السوق والديموقراطية الليبرالية هما بالفعل أفضل ما يمكن للعقل المستند إلى ميراث عصر التنوير الأوروبيّ إبداعه، وأنّ كل المساعي لإستنباط منظومات إقتصادية وسياسية أخرى بالإستناد إلى ميراث عصر التنوير نفسه قد وصلت، مع سقوط الإشتراكية إلى طريق مسدود، وأنّه لا فكاك من قانون القيمة.
بيد أنّ هذه المقولة اكتفت بوضع حدود للتفاؤل، ولم تتنبّه إلى ما يدعو حقيقة للتشاؤم: وهو أنّه، لئن كان إقتصاد السوق والديموقراطية الليبراليّة أفضل ما يمكن للعقل المستند إلى ميراث عصر التنوير الأوروبيّ إبداعه، وإذا كانت هذه هي بالفعل نهاية التاريخ من زاوية عصر التنوير، فإنّ تاريخ الإستبداد الأسيويّ يبقى من جهته بلا نهاية، وإنّما يمتلك قدرة منقطعة النظير على الإتيان بأشكال من التحديث، معادية للفكرة المركزيّة التي قام عليها عصر التنوير، وهي فكرة الفرد.
يمكن القول حالياً أن الإستبداد الأسيويّ يتقدّم، وأن التوسّعين الديموقراطي والرأسماليّ في وضع لا يحسدان عليهما، وأنّ التاريخ يعطي مصداقية للتشاؤم الذي بلغ بالفيلسوف الألماني اوسفالد شبنغلر منزلة الحديث عن أفول الغرب عام 1918.
وما يزيد هذا التشاؤم هو تفاؤلية باراك أوباما التي تقوم على منطق غورباتشوفي للغاية. فوعود التغيير التي تطرح نفسها من أعلى هرم القيادة السياسية للحضارة الغربية دون أن تمتلك القدرة ولا الرغبة لا في استئناف التوسّع الديموقراطي ولا في إعادة شحن التوسّع الرأسماليّ إنّما تترك مجالات واسعة لأشكال الإستبداد الأسيوي المختلفة في عالم اليوم.
وإذا كان البعض من أهل الممانعة عندنا متحمّسا للغاية لهذا الوضع درجة الدعوة إلى استئصال آثار جون بولتون، فإنّه ربّما كان ينبغي الإنصات إلى بولتون هذه في واحدة فقط، وهي تنبؤه بأنّ أوباما سيكون أوّل رئيس ما بعد أميركيّ للولايات المتحدة.
وطبعاً، لا تعني السياسة الأميركية المنقطعة تماماً عن منطق التوسّعين الديموقراطيّ والرأسماليّ بإتجاه الشرق إلا المزيد من التواطؤ الموضوعيّ مع التطرّف الأرعن لحكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل.
إنّ معادلة أوباما نتنياهو تعطل أحوال العالم، والحراكين الإستقلاليّ اللبنانيّ والديموقراطيّ العربيّ يكابدان ما يكابده العالم أجمع في هذا الإطار. لأجل ذلك ربّما وجب أحياناً الإبتعاد عن الطرح السياسيّ الصرف للأمور، لإعادة الإلتفات إلى طبيعة هذه اللحظة التاريخية التي لا تعطي مجالاً إلا للتشاؤم. وكلّما تفاءل أوباما، كما بعد توقيع المعاهدة الروسية الأميركية الأخيرة، كان هذا سبباً إضافياً للتشاؤم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00