8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إمّا تجاوز أوباما لنفسه.. وإمّا تجاوز أوباما نفسه

تتسارع مؤشّرات ما يمكن وصفه بتصدّع التصوّر الذي ابتناه الرئيس الأميركيّ باراك أوباما وإدارته للتعامل حيال مشكلات العالم جملة، وللحفاظ على تفوّق الولايات المتحدة بين الأمم بشكل رئيسيّ، ونجاتها من الأزمة الإقتصاديّة والماليّة العالميّة، وتفاديها لـفيتنام إسلاميّة ممتدّة في طول وعرض العالم الإسلاميّ تضاف اليها الجاليات الإسلاميّة في حواضر الغرب.
مثل هذا التسارع من شأنه أن يترك تأثيراً سريعاً على السياسة الأميركيّة، ولا سيّما حيال قضايا الشرق الأوسط. ذلك ان الدلالة الأولى لـتصدّع الأوباميّة هو أنّه ما عاد من الممكن التمديد عام كامل للجمود الحاصل على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ، وإنّه لو قدّر نظريّاً لهذا الجمود أن يستمرّ فإنّ ذلك سيرتدّ بشكل سلبيّ للغاية على موقع الولايات المتحدّة على رأس المجتمع الدوليّ، وسوف ينعكس ذلك أخطاراً أمنيّة وحيويّة تطاول ليس فقط الولايات المتحدة وإنّما الحضارة الغربية ككل.
بالتالي، يمكن القول إنّه كلّما برزت أدلّة إضافيّة على تصدّع الأوباميّة، فإنّ السبيل إلى تخلّص الإدارة الحاليّة من أزمتها الحاليّة (في حال كان من الممكن إعادة إنتاج الأوباميّة) أو إلى تجاوز هذه الإدارة (تجاوز أوباما نفسه)، هو التأثير حرباً أو سلماً في الشرق الأوسط، أي القطع مع سياسات الجمود في دائرة اللاحرب واللاسلم التي أدّت إلى تعاظم التطرّف الإسرائيليّ من ناحية، وإلى تعاظم التوسّع الإيرانيّ وإطاحة التطرّف في داخل إيران بكل أجنحة التعقّل والدراية، وإلى المزيد من الضعف في صفوف الدول والمجتمعات العربية من ناحية اخرى.
الأشهر المقبلة محكّ إذاً لإمتحان تخوضه الإدارة الحالية: إما أن تزكّي أحد خيارين (حرب إقليميّة ما، أو استئناف جديّ لعملية السلام، أو كليهما) وإمّا أن تسمح للجمود بأن يوسّع دائرة التصدّع الخارجي والداخليّ لها كإدارة، ما يعني حكماً بدء العدّ العكسيّ لتجاوز أوباما نفسه، وربّما في إتجاهات مقابلة لن يكون جورج بوش الإبن مقارنة بها غير شديد الإعتدال.. والتقدميّة!
لقد احتاج الرئيس الأميركي السابق إلى ثماني سنوات كي يستهلك شعبيّته غير أنّه استطاع الحفاظ على ما يلزمه منها كي يخوض حرباً عالميّة على الإرهاب، أدرج في إطارها حملتيه على أفغانستان والعراق، وقد اورث الحملتين إلى خلفه.
في المقابل، تسلك شعبيّة الرئيس الحاليّ باراك أوباما مساراً تراجعيّاً منذ لحظّة تولّيه سدّة الرئاسة وإلى اليوم. لقد عادت الأسباب الموضوعيّة لتفرض نفسها من جديد على العوامل الذاتيّة. والمعادلة بسيطة: إذا ارتفعت شعبية أوباما خارج أميركا ستنخفض داخلها، وإذا انخفضت خارجها ستنخفض أيضاً داخلها. المعادلة أيضاً: أوباما هو أشد الرؤساء في الولايات المتحدة احتياجاً إلى الشعبية. وإذا انخفضت شعبيّته بشكل كبير لا يمكن تعويضه ولا يستطيع البقاء مطولاً في قيادة أميركا والعالم، وقد لا يكمل ولايته.
ويضاف إلى هاتين المعادلتين عاملان أساسيان، وهو أن من يصل إلى الحكم تحت شعار التغيير ليس بمستطاعه أن يعود فيراهن على سمعته كجالب للاستقرار الفراغيّ بعد سنوات من الفوضى البناءة. ومن قاس وعوده الإقتصادية على مثال بيل كلينتون الذي جلب فعلاً الرخاء والبحبوحة بعد سنوات من الركود الإقتصاديّ في مرحلة جورج بوش الأب، لن يستطيع أن يكتفي بعد ذلك بالنتائج المحدودة التي حققها في التعامل مع الأزمة الإقتصادية العالمية.
العامل الثاني، هو أن المتحدّرين من أصل أوروبي لم يقترعوا بأكثريتهم لأوباما في الإنتخابات الرئاسية، وشعبية الرئيس بينهم هي اليوم أدنى من أي وقت سابق، وخيار الإنزال في هايتي ذات الغالبية السوداء لن يكون شعبياً أبداً هو الآخر بالنسبة إلى الغالبية الأميركية المتحدرة من أصل أوروبي.
لقد كانت الأوبامية حاجة فرضتها ظروف سياسية واقتصادية بالغة التعقيد على الولايات المتحدة. إذ لم يوفق المحافظون الجدد بخاصة، والجمهوريون بعامة، في التوفيق بين السياستين الداخلية والخارجية، وبين السياسة والإقتصاد، وفشلوا في الدفاع عمّا أمّنوه من ردّ للأخطار التي تتهدّد الغرب في عقر داره، لأنّهم استنزفوا في العراق وأفغانستان، كما لم ينجحوا في الصمود أمام الحملة الدعائية الشعبويّة ضد جورج بوش الإبن، وهي حملة نشبت في القارات الخمس، وساهمت في انتفاخ ظاهرة أوباما بطريقة أو بأخرى، على أساس من كون هذه الظاهرة بمثابة النقيض الإعلامي لظاهرة جورج بوش الإبن: عصاميّ، خلاسيّ، مثقّف، تقدميّ، مؤمّن بشكل معتدل ومنفتح، في وجه وريث عائلة وجاه، بعيد عن الثقافة، ومحافظ، ومتزمّت دينياً.
مع ذلك، فإن هذه الحاجة إلى من يناقض صورة بوش بقيت حاجة طارئة.. وقد صارت أميركا تحتاج اليوم إلى كيفية خروجها من تلك الورطة.. ورطة أوباما.. فالأخبار الآتية عبر البحار حول تقدّم حركة طالبان أو عودة حزب البعث في العراق أو توسّع النفوذ الإيرانيّ في المنطقة والتشدّد داخل إيران أو بلوغ الإنعزال الإسرائيليّ حدّه الأقصى في ما يشبه الطلاق مع يهود الولايات المتحدة وأهوائهم ومصالحهم وسياساتهم.. كلّها من علامات التصدّع الخارجيّ للأوبامية.
وفي الداخل، يخسر الحزب الديموقراطيّ انتخابات فرعيّة في معقله: ماساشوستس للمرة الاولى منذ نصف قرن. ويفقد من خلال ذلك الأكثرية الراجحة في مجلس الشيوخ وإن ظلّ يحتفظ بالأكثرية المطلقة.
فهل تستطيع الولايات المتحدة انتظار ثلاث سنوات إضافيّة.. قبل حصول التغيير؟ وما هو هذا التغيير؟ تغيير في سياسة الإدارة الحالية أو تغيير في نسيجها أو تغيير في خطاب رئيسها.. أم يكون تغييراً أكبر.. تداول على السلطة.. بـعملية قيصريّة ما..؟
الإجابة لا يمكن أن تبتدع داخل الولايات المتحدة فقط.. إنّ الشرق الأوسط بكليّته هو مخاض لهذه العمليّة القيصريّة.. إمّا بإتجاه تجاوز أوباما لنفسه.. وإما بإتجاه تجاوز أوباما نفسه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00