8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

استهداف بكركي ينقل الصراع من طائفي إلى.. ديني

لا يمكن الحديث عن أي نوع من أنواع الحملة المنظّمة في الداخل اللبناني ضدّ سلاح حزب الله في هذه الفترة. كل ما هناك أنّ قضية السيادة اللبنانية، بمعناها الفعليّ، وهو سيادة الدولة اللبنانية وقانون الدولة اللبنانية وجيش الدولة اللبنانية فوق جميع أراضي الجمهوريّة، صارت قضية مودَعة لدى الكنيسة المارونية، من حيث صفتها التأسيسية الدائمة للكيان اللبنانيّ. وهذه الكنيسة ممثلة بشخص البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير لا تقوم بـحملة منظّمة ضدّ السلاح المتعارض مع عناوين السيادة اللبنانية لكنها تمارس فعل المثابرة على إحتضان القضية المركزية على جدول أعمال اللبنانيين، وتذكير اللبنانيين من كافة الفرقاء، تذكيرهم ضميرياً وأخلاقياً وسياسياً، بأنّ هذه القضية المركزية لا يمكن طمسها، وأنّها تعكس موضوعاً خلافياً بين مجتمعين في لبنان، مجتمع السيادة من جهة ومجتمع الممانعة من جهة أخرى، وأنّه بقدر ما أنّ الموضوع ينبغي أن يفهم بأبعاده الشقاقية الخطيرة على الجسم اللبناني ككل، فينبغي أن يفهم الموقف منه على أنّه ليس وجهة نظر فقط. أي أن تقوم الدولة اللبنانية بممارسة سيادتها وسيادة قانونها على جميع أراضيها فذلك ليس وجهة نظر. إنّه الوضع الطبيعي، وكل ما هو عدا ذلك أمر واقع إمّا هو زائل بالضرورة وإما يعرّض بالضرورة الكيان اللبناني إلى الزوال.
بكركي لا تقوم بـحملة منظّمة. لكنّها تثبت على الموقف. وهذا الأمر لا يروق أبداً لـالجناح المغالي في معسكر الممانعة. لأجل ذلك نرى هذا الجناح يشنّ حملة منظّمة هذه المرّة للدفاع عن سلاحه، ولكن على أساس المخاطرة، ولأول مرّة في التاريخ اللبناني المعاصر على هذا المستوى، بتحويل الصراع الطائفي إلى صراع ديني بحت، من خلال إستهدافه بهذا الشكل الممّوه، ثم الذي يزداد انكشافاً، لمرجعية الموارنة اللاهوتية والحضارية.
ثمّة مخاطرة حقيقية بتحويل الصراع إلى ديني عندما يتمّ التوجّه إلى المسيحيين بهذه التسمية، والتعامل مع تاريخهم في لبنان والشرق على أساس إسقاط مفهوم الخطيئة الأصلية عليهم، وهو المفهوم المستل من اللاهوت المسيحي.
وهذه المخاطرة تتلبّس تسمية النقاش الهادئ لكنّها تتكلّم عن الإنتحار كما لو كانت لذّة تنتاب مسيحيي لبنان وتراودهم عن نفسهم عند كل منعطف، في حين أنّ سياسات الإنتحار لا تفصل لدى أي أقليّة في التاريخ عن سياسات نحر هذه الجماعة، وأحياناً يكون الإنتحار شكلاً غير موفّقاً لمقاومة سياسات النحر.
وجدلية النحر والإنتحار أولى بأن يتفكّر بها الجناح المغالي في معسكر الممانعة قبل سواه، لأنه أدخل نفسه وأدخلنا فيها منذ ثلاث سنوات، ولم نصل بعد إلى حيث نضع الأسس الميثاقية الصالحة لتجاوز جدلية النحر والإنتحار المتصلين بوجود سلاح متعاظم على الأرض اللبنانية، لا هو سلاح الدولة ولا جيشها ولا هو سلاح مساعد على انتشار الرقعة المشمولة بحكم القانون على الأرض اللبنانية.
أمّا المسيحيون، أمّا الموارنة في هذا البلد، فإنّه ينبغي عدم المكابرة على حقيقة وجودهم على إمتداد الأربعة عشر قرناً الماضية، والطريقة التي حافظوا بها على هذا الوجود، وتميّزوا عن غيرهم من المسيحيين في الشرق، وينبغي الإنطلاق من هذه الحقيقة التاريخية الفوق تاريخية، للتذكير بأنّه ليس صحيحاً أنّ لبنان ولد كـموئل أقليات في التفكير الماروني التأسيسي الأول، وإنّما كـكيان إسلاميّ مسيحيّ من حيث الجوهر، والحوار أو النقاش الهادئ حين يوجّه كدعوة إلى المسيحيين فعليه أن يتمّ من موقع المسلمين ككل، وليس فرقة واحدة منهم، ويوجّه إلى المسيحيين ككل، ولا تستخدم فيه مفردة الإنتحار من باب التعيير والتهديد في آن.
والمشكلة كلّ المشكلة أنّ الغلوّ الممانع يسمّي إنتحاراً ما كان على إمتداد التاريخ الماروني والمسيحي في هذا البلد غريزة بقاء، وما كان على مدى هذا التاريخ مؤسسة حافظة لغريزة البقاء، وهي الكنيسة المارونية وسيّدها.
ولعلّ ذلك مؤشّر إلى أن السنة الجديدة ستشغل إلى حدّ بعيد بهذا الإستقدام الدفين، الطالع من جديد، بين غريزة البقاء من ناحية، وشهوة الهيمنة الأخيرة من ناحية ثانية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00