يستقبل لبنان عيد الميلاد المجيد في ظلّ دور خاص تضطلع به البطريركية المارونيّة وسيّدها منذ الإنتخابات النيابية، وهو حمل لواء القضية المركزية على جدول أعمال اللبنانيين، قضية سلاحَي الدولة وغير الدولة، والعلاقة بين مرجعية الدولة ومرجعية ما يخرج عنها أو عليها، وهي القضية المكمّلة والمتمّمة للنضال الإستقلاليّ، وإن كان من طبيعة المرحلة ضرورة أن تكون بكركي مركز ثقل هذه القضية، قبل الأكثرية النيابية نفسها، وبما من شأنه أن يعود ويساعد الأكثرية النيابية على حمل هذه القضية وفقاً لما يمكن أن تتيحه الظروف، وفي ضوء ميزان احتساب للمتغيّرات معقّد على نحو بالغ إن داخلياً أو إقليمياً أو دولياً.
هذا الدور الخاص الذي تضطلع به بكركي اليوم يعيد التذكير بدورها الطليعي بعد انتخابات 2000، يوم ارتكزت على مكتسبات السينودس من أجل لبنان والإرشاد الرسولي من ناحية، والمضامين السيادية وتلك المضادة للنظام الأمني في انتخابات 2000 نفسها من ناحية اخرى، لإطلاق النداء الإستقلاليّ الشهير، الذي مهّد لانتزاع الإستقلال بعد ذلك بخمس سنوات.
وكما أن القوى التي أبرز خوضها لانتخابات 2000 لمضامين سيادية ومضادة للنظام الأمنيّ لم تكن قادرة آنذاك بعد على خوض المعركة السيادية بشكل مباشر في إثر تلك الانتخابات، فكان على بكركي التحول إلى مركز الثقل والقوة الطليعية والمبادرة في هذا الإتجاه، فإن القوى التي كسبت انتخابات 2009 غير قادرة لحمل القضية المركزية بالشكل المباشر اليوم، أي قضية العلاقة بين سلاح الدولة وسلاح المقاومة، فتقوم بكركي بلعب دور القوة الطليعية الوطنية المحرّكة لهذه القضية، والمحصّنة لهذه القضية من كل اتهام عشوائي تخويني يلقى في وجهها، أضف لتحرير هذه القضية نفسها من شبه الانزلاق المذهبيّ، وهو ما من شأنه أن يساعد على إطلاق مسيرة حل هذه القضية.
وإذا كان حلّ القضية الأولى، قضية استرجاع استقلال لبنان، احتاج الى خمس سنوات تالية على النداء الأولى لمجلس المطارنة الموارنة، فإن حلّ القضية الثانية قد يتطلّب تضافر جهود ومساعي جيل بأكمله من اللبنانيين، وحسن التقاط هذا الجيل لكل المعطيات الإقليمية والدولية المساعدة على حل هذه القضية بالشكل الذي لا يخاطر فيه بسلامة الكيان والمجتمع اللبنانيين، وبالشكل الذي لا يكون فيه هذا الحل إسقاطاً لمشروع هيمنة مذهبية بقصد الشروع في إحلال آخر أو ما يعادله.
وكما أن الحركة الإستقلالية ولدت في الأصل من رحم المبادرة السيادية لبكركي في أيلول 2000، فإن الحركة الإستقلالية بعد انتخابات 2009 عليها مواكبة ما تحمله بكركي من قضية مركزية، قضية احتكار الدولة لمنظومة العنف الشرعي، وقضية مرجعية الدولة في تقرير حال السلم وحال الحرب، وقضية انبثاق ديبلوماسيّة لبنانية حرّة مستقلّة، وقضية إنهاء مفاعيل مشروع الهيمنة المذهبي الأخير، وقضية الإقلاع عن التخوين والعودة إلى إنتاج ثقافة سياسية لبنانية حوارية.
بل نقول إن على الحركة الإستقلالية أن تعيد إنتاج عدّتها النظرية والسياسية والتنظيمية في ضوء هذه المواكبة، وعلى أساس منظار استراتيجي يؤمن بأنه يمكن للهدف الواحد أن تُختطّ له طرائق عدّة لبلوغه أو للتعبير عنه بحسب الظرف والمقتضى والجدوى من دون التضحية به كهدف واحد، وعلى أساس أنه لا يمكن طمس القضية المركزية أو حذفها من جدول أعمال اللبنانيين، فهي إن عتمنا عليها هنا تظهر لنا هناك، ولا يمكن بأية حال تطبيع الكيان والمجتمع اللبنانيين مع ظاهرة تضخم المقاومة بعد خمس سنوات من التحرير، وظاهرة تخطي حلفاء هذه المقاومة لمنطق الردع وتوازن الرّعب لصالح منطق الهجوم الاستباقي الشامل والرّعب المباشر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.