لئن كانت الغاية التشريعيّة من الإنتظام في كتل وتكتّلات نيابيّة غامضة وملتبسة في حال لبنان، وجاءت الصيغ المصطنعة حاليّاً في فريق 8 آذار لتزيدها غموضاً والتباساً، فإنّ مبادرة كتلة تيّار المستقبل ونوّاب 14 آذاريين آخرين ومستقلّين إلى قيام تكتّل عريض يضمّ 42 نائباً، أي أكثريّة الأكثريّة، من شأنه أن يعيد الإعتبار إلى مغزى العمل التكتّلي وأهميّته بالنسبة إلى الوظيفة التشريعيّة للمجلس النيابيّ، كما بالنسبة إلى الدور السياسيّ المركزيّ لهذه المؤسسة الدستوريّة.
فالغاية من الإنتظام في كتل وتكتّلات برلمانيّة لا ترهن بانتزاع مقاعد إضافيّة على طاولة الحوار، أو لأجل التسويق لبدع من قبيل التوزّع النسبي للحقائب الوزاريّة بين الكتل النيابيّة، كما لو أنّ الحكومة هي برلمان البرلمان.
وفي الديموقراطيّات الغربيّة، يكون الغرض من التكتّل البرلمانيّ تحصيل مزايا لا يمكن أن ينالها الأعضاء بالمفرّق، وتتصل بالأوقات الممنوحة لطالبي الكلام وبعمل اللجان، كما أنّ رؤساء الكتل لهم دور أساسيّ في إدارة عمل البرلمانات. كما أنّ للتكتّل البرلمانيّ إطاره الدستوريّ (المادة 19 من الدستور الفرنسيّ مثلاً التي تحدّد الحد الأدنى للإنتظام في كتلة سياسية في الجمعية الوطنيّة بعدد معيّن من النوّاب). وفي بلد مثل ألمانيا، فإن للكتل أو الفراكسيونات تمويلا خاصا في المجلس الإتحاديّ.
ومن المؤسف أنّه في لبنان، التي نشأت حياته البرلمانيّة تكتّلية بإمتياز أيّام الكتلتين الوطنيّة والدستوريّة، لم يستطع استكمال هذا المسار الحداثيّ، وكلّما كان العمل التكتّلي البرلمانيّ يضعف أو يعتوره الزغل كان يجري تحويل المجلس النيابيّ إلى مجلس العصبيّات والأعيان.
وفي المقابل، فإنّ المبادرة إلى إنشاء تكتّل لأكثريّة الأكثريّة، تكتّل لبنان أوّلاً، يمثّل تطوّراً نوعيّاً، وفي الإتجاه التحديثيّ للعمل البرلمانيّ. فإذا كانت بعض أوساط 8 آذار تتباكى لأنّها فشلت بسبب من قانون الستين (التي فرضته هي، وبسلاح 7 أيّار)، فإنّ أهمّ ما يكرّسه تكتّل لبنان أوّلاً وبمجرّد قيامه، التأكيد على أنّ انتصار 14 آذار الإنتخابيّ هو خطوة في الإتجاه التحديثيّ المبتعد عن صيغة مجلس العصبيّات والأعيان، وخصوصاً أنّ هذا التكتّل وإن كان يمثّل بشكل واضح الخيار التاريخيّ اللبنانيّ أولاً التي اتخذته الأكثريّة الساحقة من الطائفة السنيّة، فهو يمثّل وبشكل أوسع فعل الإيمان بمنطق المناصفة المسيحيّة الإسلاميّة التي هي علّة وجود واستمرار لبنان، والدافع الأكبر لبناء دولته التامّة.
يأتي تكتّل لبنان أوّلاً إذاً ليقول إنّه إذا كانت حماسيّة المعركة الإنتخابيّة وراءنا، فإن نتائج الإنتخابات النيابيّة لن تكون وراءنا، وأنّ لبنان محكوم بها طيلة أربع سنوات.. ومردودة كلّ صيغة كلاميّة تتقبّل النتائج بـروح رياضيّة ثم تفرّغ النتائج من أي مضمون، بواسطة النكد الطائفيّ الحادّ أو من طريق التباكيّ على الواقع الطائفيّ.
وإذا كان البعض في المعارضة يفتّش عن مداراة لهزيمته الإنتخابية من خلال إستشراف قيام تكتّلات وسطيّة (بالمناسبة هم نفسهم قبل الإنتخابات كانوا يقولون إن الوسطيّة مستحيلة) تلغي مفاعيل الإنتخابات، فإن الخارطة الحاليّة لكتل وتكتّلات الأكثريّة، فضلاً عن العمود الفقريّ لهذه الأكثريّة من خلال صيغة تكتّل لبنان أوّلاً من شأنّها أن تظهّر حقيقة الجناح البرلمانيّ لثورة الأرز.. فإذا كانت الإنتخابات مصيريّة فإن الحفاظ على وضوح معالم الأكثريّة كحافظة جامعة لمكتسبات ثورة الأرز هو أمرّ ضروريّ ومصيريّ.
وإتخاذ التكتّل إسم لبنان أوّلاً يعني بكل وضوح أنّ ثورة الأرز مستمرّة، بل هي تستعد للخطو بإتجاه بناء دولة الأرز، بزخم مشروع سياسيّ أوّلاً قدر ما هو إقتصاديّ أوّلاً، بل إنّه المشروع الوحيد في البلد الذي يصل السياسة بالإقتصاد بشكل واقعيّ، برنامجيّ، منهجيّ، منفتح على قيام أوسع كتلة تاريخيّة تحديثيّة في البلد.
ويتخذ شعار لبنان أوّلاً المتحوّل إلى اسم لتكتل برلمانيّ أهميّة خاصة في الوقت الذي يخرج فيه أحرار إيران للإصلاح تحت شعار إيران أوّلاً ويتعب فيه العراقيّون من الديكتاتوريّة والحرب الأهلية ومن الإحتلال ويصيغون سويّاً العراق أوّلاً وتبرز آمال جديّة لإحياء القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ أي فلسطين أوّلاً بالنسبة لأبنائها، وفي الوقت الذي واجهت فيه مصر عمليّة إختراق الأمن القوميّ العربيّ على أساس مصر أوّلاً.
فبعد كلّ شيء هذه المنطقة من العالم أمام مفترق طرق: فإمّا لبنان أولاً في لبنان، وسوريا أولاً في سوريا، والعراق أولاً في العراق، وإيران أولاً في إيران، ومصر أولاً في مصر، وفلسطين أولاً في فلسطين، وإمّا الممانعات المبدّدة للثروات، والقاتلة للعمران، والمهدّمة للمجتمعات، تحت ذريعة قضايا لا تخدم إلا قتل الأحرار، على مسمع من العالم الحرّ وصمت منه، كما حدث ويحدث في إيران.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.