ثمّة سياق إقليميّ مساند لانتفاضة الشعب الإيرانيّ المظلوم على نظام الملالي:
- ففي العراق عزّزت المرجعية النجفية موقعها، وانطلقت عملية المصالحة الوطنية بين الطوائف والمناطق. وبعد أحداث البصرة تقلّص النفوذ الإيرانيّ إلى حد كبير، ما أفسح المجال لتوقيع المعاهدة الأميركيّة العراقيّة.
- وفي الأراضي المحتلّة، تسبّبت المصادرة الإيرانيّة للقضيّة الفلسطينيّة بالإنقلاب الإنفصاليّ الدمويّ في غزّة، وبتقسيم أبناء الشعب الواحد بين الضفة والقطاع، ثم بنكبة غزّة. وتقلّص النفوذ الإيرانيّ بعد هذه النكبة، في ظلّ الموقف المصريّ في مواجهته، والمبادرة السعوديّة والعربيّة النوعيّة لإعادة إعمار القطاع، فضلاً عن الموقع الواقعيّ لـحماس الداخل مقارنة بالموقف الخطابيّ لـحماس المقيمة في المنفى.
- أمّا سوريا، الحليف الإقليميّ المزمن لنظام الملالي، فقد وجدت نفسها في موقع تبعيّ أكثر مما يلزم ضمن هذا التحالف، وشعرت بوطأته على طريقتها، وصارت تعي بأنّ كل انفتاح عربيّ أو دوليّ عليها رهن تخفّفها من التحالف مع إيران والبحث عن مصادر بديلة لاستمرار واستقرار نظام الحكم فيها.
- وفي لبنان، بلغ النفوذ الإيرانيّ الذروة في أعقاب حرب تمّوز، وبدأ يصرف من رصيده تباعاً بعد أن فرض حصاراً أمنيّاً على وسط العاصمة اللبنانيّة لعام ونصف العام، ثم استباح هذه العاصمة بعملية أمنية دمويّة، إلا أنّ هذا النفوذ اصطدم بتعقيدات الواقع اللبنانيّ فلم يستطع ترجمة الغلبة الأمنيّة انتصاراً انتخابياً، بل فقد غطاءه المسيحيّ بعد الإنتخابات الأخيرة، وصار يحاصر نفسه بنفسه، وعينه على ما يجري في إيران ويتهدّد بحق نظام ولاية الفقيه المطلقة.
وفقاً لهذا السياق الإقليميّ الشامل، لم يستطع النظام الإيرانيّ أن يجني أي تقدّم إستراتيجيّ في العام الأخير، وذلك على الرّغم من التقدّم التقنيّ المفترض في برنامجه النوويّ ومشاريعه التسلّحية الأخرى، وعلى الرّغم من تخبّط الغرب بالأزمة الإقتصاديّة العالميّة والتغيير الحاصل في الولايات المتحدة لغير مصلحة السياسات التدخلية الإستباقيّة. على العكس تماماً، أصيب النفوذ الإيراني بانتكاسات متتالية من أحداث البصرة وحتى الإنتخابات اللبنانية، واكتسبت منظومة الإعتدال العربيّة حيويّة جديدة في مواجهته.
وبدلاً من إمبراطوريّة الممانعة المقترح حلولها في كلّ المنطقة، إذ بالنظام الإيرانيّ يجبر على الإرتداد إلى ساحته الداخليّة ليواجه أكبر انتفاضة شعبيّة يعرفها الشرق الأوسط منذ أيّام الثورة الإيرانيّة نفسها، بل ليواجه في الحقيقة انتفاضتين.. واحدة مشتعلة في المدن الكبرى ويريد هذا النظام أن يسحقها مستعيناً بما جنّدته ميليشياته في الضواحي والأرياف.. وأخرى مستعرة بين الأقليات القومية والدينية من بلوشستان إلى كردستان مروراً بآذاربيجان الإيرانيّة ووصولاً إلى الأحواز العربيّة المحتلّة. والتحدّي في إيران هو التالي: إذا ما تمكّن النظام الحاليّ من قمع المدن الكبرى، فإنّه سيواجه خروج الأقاليم غير الفارسية عليه.
ليس يمكن الآن تقدير آفاق الإنتفاضة الشعبيّة في المدن الكبرى، فكل شيء تقرّره المثابرة: إذا ما ظلّت المشاهد الآتية من طهران وأصفهان على حالها، لشهر أو شهرين أو ثلاثة، فسوف يصير التغيير مطلباً يتبنّاه البازار نفسه، وتبدأ عمليّة تخلّع الباسدران والباسيج، وحينها نكون أمام سيناريو أكبر تغيير في المنطقة.
مع ذلك، فدون هذا السيناريو صعوبات عديدة، أبرزها أزمة قيادة المعسكر الإصلاحيّ الإيرانيّ، وبقاؤه إلى حدّ كبير أسير الأيديولوجيّة الرسميّة لهذا النظام، وحبيس الرواية الرسمية للثورة الإيرانيّة، وعدم تخلّيه هو أيضاً عن الحلم الإمبراطوريّ لصالح بناء دولة أمّة متعدّدة الإثنيات والمذاهب ومتصالحة مع جوارها ومنفتحة على العالم والعصر.
ومن الصعوبات أيضاً، أنّ العالم الحرّ يقف متفرّجاً أمام ما يجري في ساحات إيران من قمع وبطش. لا يريد هذا العالم أن يتحرّك كي لا يضرّ سياسياً بمصالح الشعب الإيرانيّ المظلوم في مواجهة إنكشاريي العصر. لكنها حجّة يمكن أن تخدم لأسبوع وأسبوعين، أمّا بعد ذلك، فإنّ قضية نصرة الشعب الإيرانيّ المظلوم ستصير قضيّة عالميّة.. تستدعي 1559 بحجم إيران! من هنا، يصحّ في إيران ما صحّ في لبنان قبل أربع سنوات: ليست إيران وحدها في العالم، لكن المهم الصمود.
فبعد كلّ شيء، فإن المقارنة بين الإنقسام اللبناني بين 8 و14 وبين الإنقسام الإيرانيّ بين إنكشاريين وإصلاحيين، هي أفضل مقارنة ممكنة، وتنحو إليها الفطرة مباشرة، وإذا ما استمرّت الإنتفاضة وعرفت كيف تنظّم نفسها، والتنظيم يقرّر كل شيء، فإنّها ستسبق 14 آذار في كل الإتجاهات، ذلك أن مشروع إيران أولاً هو مشروع ديموقراطية وسلام في كل الشرق الأوسط، في حين يبقى مشروع لبنان أولاً مشروع ديموقراطية وسلام في بلد واحد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.