ليست المعركة القائمة في لبنان اليوم سياسيّة فقط. إنّها أخلاقيّة قبل أيّ شيء آخر. عندما يكون الصراع بين المطالبين بحقّهم في معرفة من قتل آباء وأبناء وأخوة لهم وبين من ينكرون عليهم هذا الحقّ ويشمتون بالموت فمعنى هذا أنّه صراع بين منظومتين قيميّتين، وأنّ المنظومة الأولى أخلاقيّة لأنّها ترداد للفرض الأعظم بأن لا تقتل في حين أنّ المنظومة الثانية غير أخلاقيّة، ولا تأخذ الـلا تقتل بعين الإعتبار.
المعركة القائمة في لبنان اليوم أخلاقية بالتمام، ولا بأس بالمجازفة والقول أنّها بين خير وشرّ، ولا يقلّل من هذه الحقيقة كون أهل الخير في لبنان يعملون على قراءة العالم ومتغيّراته من خارج ثنائية الخير المحض والشرّ المحض، وعلى أساس احتساب المصالح والمنافع والتوازنات، في حين أنّ أهلّ الشرّ ينفثون حقدهم ضد الكيانية اللبنانية، وضد الشخصية اللبنانية، وضد المقامات الدينية وضد المؤسسات الدستورية، وضد الحريات العامة والخاصة، انطلاقاً من قراءة غيبية ظلامية لمسار العالم وعلى أساس ثنائية الخير والشرّ، وذلك بعد مسخ هذه الثنائية إلى معادلة كل ما أقوم به أنا خير وكل ما يقوم به غيري شرّ!
قبل أن تكون المعركة بين برامج سياسيّة وإقتصاديّة وإجتماعيّة، وقبل أن تكون بين ثقافتين، واحدة للوصل وأخرى للفصل، وواحدة محبّة للحياة وأخرى مفرّطة بها، فإنّها معركة أخلاقيّة، بين الفرض الأعظم بأن لا تقتل والذي منه يستقى كل واجب أخلاقيّ، وبين من يجحد بهذا الفرض الأعظم، ومن بعده بكل واجب أخلاقيّ، فيسلّم نفسه لقوّة خفيّة تأمره حيناً بالقتل فيعتبره أمراً حسناً، وتأمره حيناً بوقف القتل فيعتبر نفسه متسامحاً حليماً فيقعد منتظرا العطايا.
والمعركة أخلاقية لأنها تدور بين من يحترم الإنسان كقيمة، وهو في المقام الأوّل الإنسان الفرد، المواطن في المجتمع الذي لديه حقوق وواجبات، وبين من لا يحترم الإنسان كقيمة، وينكر تحديداً مقام الفرد، ويقسّم المجتمع بين من لديهم حقوق، وهم الصفوة، وبين من عليهم واجبات، وهم المشكّك بأمرهم طول الوقت، بل على هذا الأساس تراهم يقترحون حيناً الشراكة على أساس لنا السياسة.. واحصروا همّكم في الإقتصاد، حتى إذا جرى التسليم معهم بهكذا شراكة طالبوا بأخرى على أساس لنا المغانم المحلّلة.. وعليكم كفّارة الفساد. هكذا، وبعد أن تحوّلت اللاطائفية في لبنان إلى أوقح أشكال الإضطهاد الطائفي من فئة ضد أخرى، صارت مكافحة الفساد أعلى مراحل الفساد الأخلاقيّ، وتحولت إلى عملية منع البيئات الأهلية المتضرّرة مادياً ومعنوياً من التلاقي في مواجهة استكبار فئة واحدة على المجتمع بأسره.
والمعركة أخلاقية لأنها تدور بين من يعتبر أن الوسيلة تخضع للـغاية، وبين من لا يكتفي بأن تبّرر غايته وسيلته، بل ينصّب الوسيلة فوق كل غاية، ولا يقيم وزناً إلا للوسيلة، للآلة، للسلاح. وعندما يكون السلاح خارجاً عن منظومة العنف الشرعيّ المفترض احتكارها من قبل الدولة فإنه يعود إلى موقعه الأوّل كآلة للقتل، أو آلة بانتظار القتل، لا أكثر ولا أقل.
المعركة هي بين الإنسان وآلة يمكنها قتل وتأتمر من قوّة غيبية خلافاً للفرض الأعظم بأن لا تقتل.. أجل هذا هو البعد الجوهريّ للمعركة الحالية.. من جهة استكبار يهوى شخصنة كل المواضيع، ويحرّم أي تعرّض لمظاهر عبادة الشخص عنده، ومن جهة ثانية آلة المنطق في وجه آلة القتل، وأسماء الشهداء في وجه الأسماء الرذيلة، وقبل كل شيء تلك الفطرة الموجودة في كل إنسان، الفطرة التي تدلّه على الواجب الأخلاقيّ.
اليوم هناك مشروع مستحيل.. يحارب الفطرة والمنطق والأخلاق والشهداء.. هذا المشروع سيغلب بقوة الفطرة والمنطق والأخلاق والشهداء.. قبل أن يغلب بحنكة السياسة وبتفاصيل السياسة المحليّة، على أهمية الحنكة هذه، والتفاصيل تلك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.