8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

5 نيسان 2009: مولد الخط الليبرالي الجماهيري مع تيار المستقبل

أثبت تيّار المستقبل في الخامس من نيسان، أي في اللحظة الانتخابيّة المصيريّة التي أعلن فيها عن تحوّله إلى تنظيم سياسيّ على الصعيد الوطنيّ، أنّه يمثّل قوّة صاعدة في الاجتماع اللبنانيّ، وأنّه يمتلك البرنامج السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ الأشدّ ترابطاً والأكثر تكاملاً.
وحتى الآن، بل وإلى أمد غير منظور، ليس هناك من بدائل برنامجية شاملة تفرزها القوى الأخرى وتقارع بها ما يطرحه المستقبل، خصوصاً في مجال الربط بين السياسة والاقتصاد. وهذا يصحّ بشكل أساسيّ على القوى المخاصمة أو المناكفة لهذا التيّار. فهذه الأخيرة ليس بمقدورها إلا محاولة اقتباس جزئية لبرنامجه، أو انتقادات جزئية توجّهه لهذا البرنامج ويبقى هو الأقدر على الاستفادة منها، أو تخريجات أيديولوجيّة لا صلة لها بالواقع اللبنانيّ ولا راهنيّة لها في عصرنا.
لا يواجه برنامج المستقبل إذن بدائل حقيقية تزاحمه على الصعيد اللبنانيّ. لكنّه يواجه ما هو أخطر من ذلك. يواجه القدرة على التعطيل. وقد تلوّنت هذه القدرة التعطيلية وأتخذت لنفسها أسماء عديدة عبر السنوات، إبان مرحلة الوصاية وفي أعقابها، وتدرّجت ما بين ابتزاز ومحاولة إلغاء وإيداع وتحجيم واستنزاف وتخوين وتنكيل.
فالتيّار الذي أطلقه الرئيس الشهيد رفيق الحريريّ شكّل رأس الحربة في مواجهة شبكة النظام الأمنيّ التي مارست ديكتاتوريّة مباشرة بين العامين 1998 و2000. وبعد انتخابات 2000، المصيريّة هي الأخرى، لم يكن أمام شبكة النظام الأمنيّ غير التسليم بأنّه لا قدرة لها غير قدرة التعطيل، ولما اصطدمت قدرة التعطيل بالحائط الدستوريّ عام 2004 قرّرت التمادي وفرض التمديد القسريّ التعسّفي المشؤوم، حتى إذا وجد حكم التمديد نفسه في عزلة دولية، ووجدت الوصاية الراعية لهذا التمديد نفسها في ورطة حقيقية، كان خيار الأشرار في 14 شباط 2005 الانتقال من دائرة التعطيل إلى دائرة التنكيل.
وإذا كان تيّار المستقبل منذ 14 شباط 2005 وإلى اليوم يواجه ذهنية التنكيل بآباء الاستقلال اللبناني الثاني ورموزه، جنباً إلى جنب مع لفيف 14 آذار، فإنّ هذا التيّار، والظاهرة التي شكّلها الرئيس الحريريّ في التاريخ اللبنانيّ المعاصر، وجدت نفسها في الأساس، ومنذ العام 1992، إن لم يكن قبل ذلك بسنوات، في مواجهة قوى إقليميّة وداخلية تستقوي على لبنان واللبنانيين بسلاح التعطيل حيناً، وبالتعطيل المسلّح حيناً آخر.
والصراع في لبنان قدر ما هو بين استقلاليين وغير استقلاليين، فهو أيضاً ومنذ العام 1992، صراع بين برنامجيين يمثّلهم بشكل أساسيّ تيار المستقبل والنخب التقليدية منها والليبرالية القريبة منه، وبين تعطيليين لا زادَ فكرياً عندهم إلا نظرية المؤامرة، ولا حلمَ لديهم، إلا حلم التنكيل، التنكيل بالاستقلاليين وبالبرنامجيين، وبشكل أساسيّ بالاستقلاليين البرنامجيين.
وتكمن قوّة الاستقلاليين البرنامجيين، الذين يشكل تيّار المستقبل تعبيرهم الأمضى في هذا البلد، في ربطهم بين المستويين السياسيّ والاقتصاديّ، برؤية تحديثية تنموية ليبراليّة، وبعروبة منتسبة بشكل مزدوج إلى المشروع الديموقراطي التعدّدي وإلى منظومة الاعتدال الإقليميّة. وفي المقابل، يجهد التعطيليّون منذ التسعينيات وإلى اليوم لفرض معادلة يعتقدونها ذهبية، معادلة الفصل بين السياسة والاقتصاد، فتكون السياسة لأهل الوصاية السوريّة أو الحالمين بعودتها، في حين تُحصَر الظاهرة الحريريّة في سجن يدعى الاقتصاد، أي في اقتصاد سجين تفرض عليه منظومة الوصاية أتاواتها وتقطع منه غنائمها وتزجّه في الوقت نفسه في مغامرات حربية وفي حلقة مفرغة من إعادة الإعمار ثم الهدم ثم إعادة الإعمار، وترميه بعد كل ذلك بالتهم الجاهزة، أو تشنّع عليه بشكل هستيريّ.
وعلى هذا الصعيد، فإنّ ما حقّقه تيّار المستقبل في الخامس من نيسان كان مهمّاً للغاية. فقد عمل رئيسه النائب سعد الحريريّ، ومن خلال الكلمة التي ألقاها بمهارة خطابية استثنائية عزّزت من سمته الكاريزمية، على تحصين الأفق البرنامجيّ هذا، من خلال شبكة أمان ميثاقية، عبّر عنها وبشكل أساسيّ، رفعه المناصفة الإسلامية المسيحية إلى قانون فوق العدد، فليست المناصفة تدبيراً موقتاً إلى أن..، وليست شكلية فقط، كما أنّ هذه المناصفة ينبغي أن تتخطى في الوقت نفسه الطابع المقفل والدكاكينيّ للمحاصصة، بل تتحوّل هذه المناصفة إلى مصدر الشرعية في النظام السياسيّ اللبنانيّ، بحيث يصير بالإمكان تطوير عقد اجتماعيّ لها.
لقد أحدث النائب الحريري قفزة نوعية من فهم المناصفة كمحاصصة ليس إلا إلى فهمها كعقد اجتماعي.
وأعطى النائب الحريري بذلك لبرنامج المستقبل بعداً وطنياً شاملاً: إنه مشروع العقد الاجتماعي الضروريّ لمنح الدولة اللبنانية شخصيتها القائمة بذاتها، والمستقلّة داخلياً وخارجياً في آن، فيصير لها حقيقة تتجاوز المجموعات الطائفية التي تكوّنها، ويصير لها قدرة على الوصل بين هذه المجموعات، وعلى رعاية وضبط العلاقة في ما بينها. وهو أيضاً عقد اجتماعيّ يمنح الفرد شخصية قائمة بذاتها، سواء بإزاء المجموعة الأهلية التي ينتمي اليها أو بإزاء الدولة.
ويعني ذلك، وبشكل قاطع، أنّ لا تطوير ممكناً للنظام السياسيّ والاجتماعيّ اللبنانيّ، في الاتجاه الصحيح، إلا إذا كان هذا التطوير على أساس المدرسة الليبراليّة، والأساس في المدرسة الليبرالية وبعكس ما يدّعيه المشنّعون عليها، هو فكرة العقد. الليبرالية هي التعاقدية الشاملة، والمنافسة في إطار التعاقد. ومن الهراء الفصل بين ليبرالية سياسية وليبرالية اقتصادية كما من الهراء الفصل بين سياسة واقتصاد على ما يرتأيه الممانعون التعطيليون. هذا بعض مما يمكن قوله بعد أن قدّم المستقبل وثيقته، وأظهر بها حقيقته كأوّل تيّار ليبراليّ جماهيريّ في العالم العربيّ، ونموذج لكل الليبراليين في المنطقة إن أرادوا فعلاً تحريك الأوضاع.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00