تعيد هيلاري كلينتون الاعتبار لفكرة الدولتين المتجاورتين، الإسرائيلية والفلسطينية، كأساس لحل النزاع المزمن في المنطقة. هي تلاقي بذلك مبادرة السلام العربيّة، بل تحثّ العرب على لجم الانفعالات الداعية للتراجع عن خيار السلام.
يختلف طرح السيدة كلينتون وإلى حد كبير عن الدولة الفلسطينية التي اعتنقها الرئيس جورج بوش الإبن كشعار بعد 11 أيلول، وظلّ يعد بها العام تلو العام، ولم يوفّق. وجه الاختلاف أن كلينتون تلقي مسؤوليات تقترب من أن تكون محدّدة، على كل من الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ، وهذا لم يحدث في تاريخ التعاطي الأميركيّ مع المسألة منذ عقود.
بطبيعة الحال تنطلق السيدة كلينتون من الثوابت الأميركية في التعاطي مع إسرائيل. فأميركا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف تماماً بحق الدولة العبرية في الوجود كأي دولة أخرى، ومن دون شروط مسبقة على هذا الوجود، ومن دون التباس. أما الدول الغربية الأخرى، فإنّ اعترافها بحقّ إسرائيل في الوجود عادة ما يجيء ملتبساً، أو مشروطاً. طبعاً، ليس هناك أي دولة غربية تعلّق اعترافها بوجود إسرائيل إلى حين قيام دولة فلسطينية، لكن كل الدول الغربية، عدا أميركا، تعترف بحق إسرائيل في الوجود على أن لا يؤدي ذلك إلى اضطهاد شعب آخر، أو على أن لا تحصر الدولة العبرية نفسها بانتماء دينيّ قوميّ محدّد، أو على أن لا تنصّب الدولة العبرية نفسها دولة كونية لجميع اليهود في العالم حيثما وجدوا. ولنتذكّر أن إسرائيل كانت قبلت في الأمم المتحدة على أن تحلّ مسألة اللاجئين، بالعودة أو التعويض.
لن يتعرّض هذا التمايز الأميركيّ عن الدول الغربية في ما يتعلّق بحق إسرائيل في الوجود إلى أي مراجعة أو اهتزاز في المرحلة المقبلة. وحتى لو شكّل أفيغدور ليبرمان الحكومة في إسرائيل فإن هذا الالتزام لن يتراجع. من الهراء إذن المراهنة على تبديل في الموقف الأميركي من إسرائيل إذا ما تصلّب موقف حكومتها اليمينية المنتظرة.
مع ذلك، فثمة متغيّر أساسيّ وجذريّ تعبّر عنه السيدة كلينتون، وهو أنّه ما عاد مقبولاً بعد الآن أن يُعامَل الجانب العربيّ الذي خاض ويخوض الصراع ويسعى بشتّى الوسائل إلى تحقيق تسوية شاملة، وعلى أساس حلّ الدولتين، مثلما تعامَل القوى المتطرّفة التي تريد إخراج هذا الصراع من تاريخه (بالإساءة إلى سجل الحروب النظامية) وتريد إخراجه من عقاله (بفصله عن هدف التسوية).
لكن ما هي حظوظ الاستفادة العربية من هذا المتغيّر؟ فطرح كلينتون حول حلّ الدولتين يصطدم برفض اليمين المتطرّف الإسرائيليّ، الموكل تشكيل الحكومة، كما يصطدم بالمكابرة الإيرانية التي ترفض قيام دولتين، وتصرّ على تدمير إسرائيل وإعادة تشكيل منظمة التحرير. لقد دخل نظام الملالي على الصراع العربيّ الإسرائيلي من آخره، لكنه أراد مصادرته من أوّله، وإعادته إلى نقطة الصفر: دعوات رمي اليهود في البحر التي أطلقت في الأربعينات من القرن الماضي، وكانت نتيجتها كارثية على عرب فلسطين.
تصطدم كلينتون أيضاً بـالمناطق الضبابية الموجودة على طرفي الصراع، والتي تفضّل معادلة اللاحرب واللاسلم على معادلة السلام الدائم أو الحرب الدائمة، والتي تؤثر عقود تهدئة تجدّد كل بضعة أشهر أو كل سنة، على فكرة التسوية الشاملة.
وكلينتون التي تستند في طرحها إلى مبادرة السلام العربية، معنية أيضاً بحثّ المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، أياً كان طاقمها التنفيذيّ، على أخذ هذه المبادرة بجديّة وعمق، وذلك للمرة الأولى منذ إذاعتها في قمّة بيروت 2002. لكن التحدي هنا يكمن في إبقاء الأولوية للملف الفلسطينيّ بالنسبة إلى أي ملف نزاعيّ عربيّ إسرائيليّ آخر، لأن ما يتهدّد هذا الملف اليوم هو هرب اليمين المتطرّف الإسرائيلي منه وإعطاء أولوية وهمية للملف السوريّ.
بمعنى آخر، انتهت عملية السلام في التسعينات إلى إيثار التقدّم على المسار الفلسطينيّ بدلاً من المسار السوريّ. كان لذلك إيجابيّاته: لأنه لو أنجز التقدّم على المسار السوريّ يومها بدلاً من الفلسطينيّ لكانت القضية الفلسطينية وفي ظروف ما بعد عاصفة الصحراء وعزلة منظمة التحرير يومها، مرشّحة إلى ضربة قاصمة. وكان لذلك سلبيّاته أيضاً: هذا التفاوت بين المسارين السوريّ والفلسطينيّ كان اليسار الصهيونيّ الإسرائيليّ أوّل من دفع ثمنه يوم اغتيل اسحق رابين، واغتيلت معه الخيارات الاستراتيجية الجديّة في المؤسسة الحاكمة، كما أدّى ذلك إلى المزيد من الاختراق الإيرانيّ لمنطقة الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وإلى بناء محور سوريّ ايرانيّ انطلاقاً من تجربة حزب الله في جنوب لبنان، ثم تجربة حماس في مرحلة ما بعد هزيمة الانتفاضة الثانية في فلسطين، وصولاً إلى الانقلاب الانفصالي الذي شهده قطاع غزّة في حزيران 2007.
ليس التحدي إذن أن تصطدم الإدارة الأميركية بنتنياهو، بل التحدي هو أن تحول السياسة الأميركية في المنطقة دون تغليب المسار السوري على حساب المسار الفلسطيني، وهي فكرة قدّم من خلالها ايهود أولمرت نوعاً من حماية إسرائيلية موضوعية للنظام السوري، في حين يسعى بنيامين نتنياهو لجعلها نوعاً من حماية سورية موضوعيّة للخيارات الليكودية الممانعة أمام حلّ الدولتين.
فهل ثمة في المقابل حظوظ لـتزامن المسارين السوري والفلسطينيّ، حظوظ يمكن أن تنطلق منها الإدارة الأميركية؟ ليست المشكلة الآن في أن مساراً يمكنه أن يتقدّم على الآخر، بل في أنّ المسار الإسرائيليّ السوريّ يمكن أن يعطّل أي جديّة على المسار الإسرائيليّ الفلسطينيّ، ويكتفي في الوقت نفسه بلعبة التفاوض من أجل التفاوض من دون استحقاقات عملية يطالب بها الطرفان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.