الحكاية، كلّ الحكاية، أنّ المكابرين الغلاة، يعيثون في الأرض العربية تزويراً وتخويناً، ويدفعون بأبناء فلسطين إلى التهلكة، ويقدّمون أطفالها قرابينَ لمشروع نوويّ يهدّد أمن العرب قبل سواهم.
الحقيقة، كل الحقيقة، أن هؤلاء قوم طارئون على الصراع العربيّ الإسرائيلي. لطالما عزفوا عن خوض غماره يوم كان بنكهة تحّررية تقدّمية متّصلة بإرادة النهوض القوميّ للشعوب العربيّة، ثم ما لبثوا أن صادروا هذا الصراع في مرحلة انقطعت فيها الحروب النظاميّة التي خاضتها الدول العربيّة، وفي مقدّمتها مصر، ضد الدولة العبريّة، ورفعوا سقف هذه المصادرة أكثر فأكثر، في مرحلة ما بعد الغزو الإسرائيليّ للبنان 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينيّة من بيروت، ثم من طرابلس.
وككّل طارئ على صراع لم يعرف زمن نشأته ولا زمن نضوجه، بدأ المكابرون الغلاة اللعبة من الآخر. وفي حين تطوّر الوعي العربيّ شيئاً بعد شيء من شعار دم حديد نار بعيد النكبة إلى لاءات الخرطوم بعيد النكسة، ومن تقبّل مبادرة روجرز إلى إسترجاع سيناء سلماً بعد معاهدة كامب ديفيد، ومن مشروع الدولة الديموقراطية الموحّدة في فلسطين إلى الإقرار بفكرة الدولتين المتجاورتين، عاد الغلاة إلى نقطة الصفر في هذا الصراع، أي إلى شعار دم حديد نار، ومن كان يهتف بالـكيماوي يا صدّام صار يهتف بـالنووي يا محمود أحمدي نجاد.
لم تكن قضية فلسطين تعني شيئاً حقيقياً لأهل الغلوّ يوم كان ثمة مضمون وطنيّ تحرّري واضح للصراع، وما عاد هذا المضمون واضحاً للعيان، بل ما عاد موجوداً، يوم أستبدّ أهل الغلوّ بالصراع، وحرفوه عن مساره.
وبما أنّهم دخلوا على هذا الصراع في مرحلة ما بعد الإجتياح الإسرائيليّ لبيروت، فقد تبرّعوا بالواجهة الممانعة للنظام السوريّ الذي كان شريكاً أساسياً لإسرائيل في إخراج منظمة التحرير من بيروت، وفي التنكيل بالشعب الفلسطينيّ من تلّ الزعتر التي قصفتها المدفعية السوريّة وصولاًَ إلى حرب المخيمات، المدارة أيضاً بتوجيه سوريّ مباشر.
أما قائد مسيرة الشعب الفلسطينيّ الوطنيّة التحرّرية فقد تبرّع له الغلاة بالتخوين، وخرج أحدهم ذات يوم من عام 1997 مطالباً بخروج خالد اسلامبولي آخر من بين الجموع لإرداء ياسر عرفات قتيلاً. حتى الساعة، لم تصل حملات تخوين الغلاة لقادة الإعتدال العربيّ ومفكّريه ومثقّفيه إلى ما وصلته الحملة على الختيار.. ولنتذكّر كيف منع إميل لحّود عدو التوطين القائد المحاصر أبو عمّار من توجيه كلمته إلى قمّة بيروت العربيّة.
هؤلاء هم الغلاة. هذا صنيعهم. يحاول البعض أن يبرّر لهم بأنّهم جاؤوا لملء فراغ، وبأنّهم وجدوا علم فلسطين مرميّاً على قارعة العروبة فألتقطوه وصار لهم، وما على المنتصر لقضية فلسطين إلا أن يلتحق بهم، أيّاً كان منبته الأيديولوجي وتحيّزه السياسيّ.
لكن فلسطين التي تعني الغلاة ليست فلسطين القائمة هنا، في عالمنا ذا، وليست بأية حال فلسطين الفلسطينيين. فلسطينهم تعني تفتيت القضية الفلسطينية، وتوظيفها لأجل مشاريع تعارض الأمن القوميّ العربيّ بالأساس. والحال أنّنا نشهد منذ 1982 منحيين متناقضين: ثمة منحى لميل المعدّل العام للأرباح الإسرائيليّة للإنحسار مواجهة تلو مواجهة، فما عادت الإنتصارات السهلة والواسعة النطاق كما في حرب الأيام الستة متاحة، وما عاد غزو عاصمة دولة عربية مجاورة ميسّراً. لكن في المقابل، ثمة منحى عام لتفتّت القضية الفلسطينيّة ابتداء من يوم خروج منظمة التحرير من بيروت ثم من طرابلس وإلى اليوم. الإنتفاضة الأولى في الأراضي المحتلّة لم تستطع أن تعوّض أفول الثورة الفلسطينية التي يمكن تأريخها بين عامي 1968 و1982.
فلسطين الحقيقية كانت فلسطين إميل حبيبي الذي صمد في أرضه وأوصى بأن تخطّ على قبره عبارة باق في حيفا. أما فلسطينهم، فهي التي تعود إلى الوراء، إلى حيث استسهال الدعوات إلى الترحيل الذاتي، بدءاً من دعوة سكّان حيفا تلك إلى مغادرة مدينتهم لقصفها في حرب تمّوز، ووصولاً إلى استسهال الدعوة المزايدة لفتح المعابر تمكيناً لترحيل فلسطينيي غزّة إلى سيناء.
هم يبدأون اللعبة من أوّلها، وبالتالي يسلبون نصف قرن من التاريخ العربي. ويزايدون على العرب. يؤدّون أكبر إساءة للوعيّ الحضاريّ العربيّ. طرح هذا الوعي على نفسه مهمة الإعتراف بالهزيمة ونقدها بعد نكسة 1967 فكانت الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة لياسين الحافظ وكان النقد الذاتي بعد الهزيمة لصادق جلال العظم. أما هم فيكابرون على الحقّ في الهزيمة، والحقّ في الإعتراف بالهزيمة لإيضاح أسبابها وتحسين شروطها. عندهم أنّ الهزائم يمكن أن تصير إنتصارات بمجرّد تحويل الإسم والإحتفال بذلك على مدار الساعة.
وبعد كلّ ذلك يخوّنون غيرهم. هنا أيضاً يحسبون أنّهم أوّل من خوّن سواه. منذ الأربعينيات، والتخوين لم يتوقّف. حملات التخوين المتبادلة بين آل الحسيني وآل النشاشيبي لم تتح قيام حركة وطنيّة فلسطينية قبل النكبة. حملات التخوين المتبادلة أجّلت قيام منظمة التحرير الفلسطينيّة لستة عشر عاماً بعد النكبة. حملات التخوين المتبادلة، لا سيما بين مصر الناصرية وسوريا البعثية، كانت من العناصر المفسّرة للنكسة. حملات التخوين دفعت بالثورة الفلسطينية إلى كمّ من الأخطاء في الأردن ولبنان.
مع ذلك، لا يرتدع الغلاة، ولن يرتدعوا قبل أن تمتلئ المنطقة بالغلاة من كل جانب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.