مهمّتان أمام 14 آذار: تكريس الأكثرية السياسية في الإنتخابات التشريعية القادمة، وصياغة الإجماع الأخلاقي على مستوى البلد ككّل.
المهمّة الأولى ميسّرة أمام الفريق الإستقلاليّ. لمسات إضافية ويصبح كل شيء جاهز لإنتصار إنتخابي لا لبس فيه. والمعارضة تستشعر بذلك منذ فترة. حجّتها الأخيرة لتبرير حقّها في تحصيل الأكثرية النيابية هذه المرة أن الطرف الآخر لن يكون بإستطاعته صرف نصره إذا ما أنتزعه مرة أخرى. بالتالي من الأفضل لو يسلّم هذا الطرف أمره لها، لأنها قادرة على تغيير النظام السياسي ككّل إذا ما حقّقت فوزها المنشود، في حين أنّ الطرف الآخر غير قادر على نقل موظّف من مكان إلى مكان، أو على تأمين سيادة الدولة على قطاع الإتصالات، وهذا لن يتبدّل بموجب الإنتخابات.
طبعاً، الرغبة في تغيير النظام السياسي والإنقلاب على الدستور والصيغة هي سبب إضافي لإيضاح ضرورة إحتفاظ قوى 14 آذار بالأكثرية مرة أخرى، تماماً مثلما أنّ الإتفاق على مرجعية الدستور وصيغة الطائف هو عنصر رئيسي في الدفع قدماً بمسار المصالحات قبل طاولة الحوار والإنتخابات.
تتهافت من تلقائها معزوفة أن قوى 14 آذار ستكبّل بالأغلال نفسها بعد الإنتخابات كما كان الحال قبلها. أولاً لأن هذه المعزوفة ليست تتسلّل إلى النقاش الداخلي لـ 14 آذار وإنما هي ركن أساسي من الدعاية المناوئة لـ 14 آذار، والغريب أن من يتظاهر بـاقتناعه بأن 14 آذار ليس بمقدورها الإفادة من أكثرية نيابية تحققها مرة أخرى هو نفسه من يتعامل مع هذا الفوز الإستقلالي كـكابوس ينبغي تفاديه بأي وسيلة كانت. لماذا؟ لأن 14 آذار إذا حسمت الأمر لصالحها في الإنتخابات مرة أخرى فسيطلق ذلك إندفاعة جديدة بإتجاه تكريس حق لبنان كدولة في تقرير حال الحرب من حال السلم، تماماً مثلما شكّلت إنتخابات 2000 إندفاعة قوية بإتجاه ترجمة حق لبنان في التخلّص من الوصاية والتبعية لسوريا وفي تفكيك شبكة النظام الأمني التي يتحضّر رموزها الآن للسفر إلى بلاد اسبينوزا وفان غوغ.
وإذا كان كل شيء يمكن أن يخطر على بال المعارضة من المراهنة على التهدئة لتقليل الخسارة المعنوية في الإنتخابات إلى المراهنة على تعطيل الإنتخابات نفسها، فإنّ الأكثر وضوحاً هو أن هذه المعارضة، وهي معارضة بثلث حكومي ضامن أو معطّل (بدعة في العلم السياسي)، تجاهر بحفظ حقّها منذ الآن بهذا الثلث المعطّل إذا لم يحالفها الحظّ في الإنتخابات التشريعية.
طبعاً هذه المعارضة تؤكّد أنه سيكون هناك حكومة وحدة وطنية في جميع الحالات. لكن النظرية المستحدثة في الديموقراطية التوافقية ترسي على التالي: إذا فازت المعارضة بالأكثرية في الإنتخابات ستنال 14 آذار حصة حكومية ما دون الثلث المعطّل، أما إذا فازت 14 آذار في الإنتخابات فسيبقى الحال على ما هو عليه حالياً، أي الإحتفاظ بالثلث المعطّل. المعادلة إذاً: حكومة وحدة وطنية في الحالتين، وإنما ثلث معطّل بإتجاه واحد، وتجري محاولة فرضه كـعرف.
والمشكلة تكبر إذا ما استرجعنا طبيعة التوزّع الطائفي لرئاسات المؤسسات الدستورية. هذا التوزع يقضي برئيس شيعي لمجلس النواب له حيثية تمثيلية ضمن مذهبه، ورئيس للوزراء له مثل هذه الحيثية في مذهبه السنّي. إذا ما فازت قوى 14 آذار فالحل واضح: يبقى رئيس مجلس النواب من حصّة 8 آذار ما دامت أكثرية الشيعة معها وما دامت 8 آذار شيعية بمعظمها. أما إذا فازت قوى 8 آذار في الإنتخابات فالمعيار يختلّ: ستطالب بكل من رئيسي البرلمان والحكومة من حصّتها. هنا أيضاً تبتدع قراءة غير متوازنة للديموقراطية التوافقية.
أما المهمّة الثانية فتبقى الأصعب. المسألة الوطنية اليوم، أي مسألة بقاء الكيان اللبناني، والإرتقاء به إلى مصاف الدولة – الأمّة التي قوّتها في إعتدالها، هي مسألة ما عادت محصورة بمثلّث السياسة والأمن والإعلام. إنها قبل كل شيء آخر، ومن جميع الجوانب، قضية أخلاق. ثمة من لا يريد للأخلاق أن توفّر مرجعية مشتركة لجميع اللبنانيين. ثمة من يواصل حربه على القيم اللبنانية في إحترام الذات والآخر وترسيخ رابطة الحوار. المعركة الإنتخابية ينبغي أن تخاض ضد هذا الإسفاف والإنحطاط، ولأجل نبذ ثقافة الإفتراء على الأحياء، والشماتة بالشهداء، ونظم المدائح للسفّاحين المركونين منهم والمنتظر ترحيلهم وغير المركونين منهم والمنتظر توقيفهم، ما لم ينتحروا برصاصات من الخلف أو بطلق آت من زرقة البحر.
وإذا كانت المصالحات هي فعلاً عملية تأهيل للوضع اللبناني العام ليتعافى عشية الإنتخابات فلا بدّ أن يحتل هذا البعد الأخلاقي عناية خاصة من جميع الفرقاء: لا يمكن السير قدماً بالمصالحات، أو حتى تثبيت ما تحقق منها، إذا ما استمرّت الغوغاء على حالها، وإذا لم يوضع حدّ فاصل ما بين المتعقّلين الذي يستقيم بينهم الحوار وتساق الحجة عندهم في مقابل الحجة وما بين المجاذيب والمعتوهين الذي مكانهم ليس بين الناس، وعلى صفحات الجرائد، ولا في الفضاء الإلكتـــــــروني، وإنما في المصحّات العقلية.
بخلاف المعركة السياسية، لا تحسم المعركة الأخلاقية بنيل الأكثرية مرة أخرى. في الإنتخابات ثمة حاجة إلى معرفة من الأكثرية ومن الأقلية. أما في الأخلاق فثمة حاجة إلى بلورة إجماع تشترك فيه كل الأطراف.
ومسار المعركة الأخلاقية أكثر تعقيداً. تخاض هذه المعركة من جهة على صعيد المصالحات وطاولة الحوار، لكنها تخاض أيضاً على صعيد إنتظار انطلاقة المحكمة الدولية، ولا شك أن المناخ المتوتر للغاية، والمنافي لروح المصارحة والمراجعة حالياً، عند بعض الرموز والظواهر الموالية لسوريا في لبنان، إن هو إلا جزء من قلق سيتعاظم يوماً بعد يوم كلما تسارع العد التنازلي لإذاعة تقرير بيلمار.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.