8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

استقلال الديبلوماسية اللبنانية شرط لعلاقات ديبلوماسية حقيقية

ثمة مشكلة حقيقية عندما يستعيد وزير الخارجيّة فوزي صلّوخ تلك المقارنة غير الجائزة بين "المجلس الأعلى اللبنانيّ ـ السوريّ" و"مجلس التعاون الخليجيّ" لأجل نفي التناقض بين معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق" التي أقرّت في أيار 1991 بعد وقت قصير من هدوء مدافع الحرب الأهلية، وفيما كانت القوّات السوريّة تسيطر على معظم التراب اللبنانيّ وبين "الإعلان الخاص بإقامة العلاقات الديبلوماسية" الذي تُلي من دمشق بعد ما يقارب ثلاث سنوات ونصف على انسحاب الجيش السوري من لبنان.
صحيحٌ أنّ صلّوخ يقرّ بضرورة إعادة "درس الصلاحيات المنوطة بالأمانة العامة للمجلس الأعلى من قبل لجنة قانونية" وبما "يتواءم مع حق البعثتين الديبلوماسيتين" المنتظرتين. لكنه ساعة يشبّه "المجلس الأعلى" بمجلس التعاون الخليجي على أساس أنّ "هناك تبادل بعثات وسفارات ديبلوماسية بين الدول الأعضاء في هذا المجلس" إنما يأتي في سياق المبادرة من الديبلوماسية اللبنانيّة، ويا للعجب، إلى التضييق على النقطة الخامسة مما اتفق عليه الرئيسان اللبنانيّ والسوريّ أمس والتي تنص على "مراجعة الاتفاقيات الثنائية القائمة بين البلدين بصورة موضوعية ووفق قناعات مشتركة بما ينسجم مع التطورات الحاصلة في العلاقات بين البلدين ويستجيب لمصلحة الشعبين". هذه النقطة المذيّلة بتوقيعي الرئيس العماد ميشال سليمان والرئيس بشّار الأسد يُفترض أن تفسح في المجال لما من شأنه تجاوز كل من معاهدة 1991 و"المجلس الأعلى" الناتج عنها، إلى حيث استقرار العلاقات الديبلوماسية بين دولتين مستقلتين وبما يعود بالخير للشعبين. لكن صلّوخ، وبدلاً من أن يترك مهمة الدفاع عن "مؤسّسة" المجلس الأعلى إلى نظيره السوريّ وليد المعلّم، راح يقطع الطريق بنفسه أمام "المراجعة الموضوعية" التي وعدت بها النقطة الخامسة المتفق عليها بين الرئيسين.
صلوخ يكرّر نصري خوري
والمشكلة مع وزير الخارجية تكبر لأنه عندما شبّه "المجلس الأعلى اللبناني ـ السوريّ" بمجلس التعاون الخليجي لم يقم إلا بتكرار ما سبقه إليه رئيس "المجلس الأعلى" نصري خوري في تمّوز الماضي، بل وصلت "الموضوعية" بالأخير حدّ اعتبار هذا المجلس الأعلى "إنجازاً ثنائياً قابلاً للتعميم على كل دول المنطقة وعلى غرار مجلس التعاون الخليجي"، بل أدلى خوري بتصريح لصحيفة "الثورة" الحكومية السوريّة اعتبر فيه أن "المجلس الأعلى السوري ­ اللبناني يصلح نواة لإقامة مجلس يجمع دول المشرق العربي قد تكون بدورها نواة لإقامة سوق عربية مشتركة.. فدول المشرق العربي تملك كل مقومات التكامل". وبنى خوري في تلك المقابلة كل هذه الأمجاد المستقبلية للمجلس الأعلى على منجزات حرب تموز التي رآها "الحدث الذي أسقط كل ذلك الوهم الذي حاولوا إشاعته حول علاقات البلدين". كل ذلك من دون أن يستذكر هذا الضنين على الوحدة المشرقية ما تسبّب به خطاب الرئيس السوريّ من قصر المهاجرين فور توقف الأعمال الحربية في آب 2006، من بث لروح الفرقة والافتراق بين الدول العربية، وقد بقيت سلبيات هذا الخطاب مخيّمة على مجرى العمل العربي المشترك إلى اليوم.
إساءة الى مجلس التعاون
وعندما يلجأ نصري الخوري وفوزي صلّوخ مع حفظ الألقاب لتشبيه "المجلس الأعلى" بـ"مجلس التعاون الخليجي" فإنهم يسيئون أيّما إساءة للمجلس الأخير. عندما تأسس الأخير في 25 أيار 1981 ما كان أحد ليتصوّر بأنه سيحقق أنجح تجربة في التعاون الإقليمي بين دول عربية، بل أكثر هذه التجارب ثباتاً وإنتاجية. هذا في حين بقي "المجلس الأعلى اللبنانيّ ­ السوريّ" عديم الفاعلية كمؤسّسة. فهو منظوراً اليه بمفرده لا يضرّ ولا ينفع. إنما ضرره عائد لتغطيته حكم الوصاية السوريّة على لبنان، ثم استمراره الشكلي البحت بعد زوال حكم الوصاية كوعد بأنها "قيد التسلّل بشروط أخرى وبأشكال أخرى".
لا أهمية اليوم للمجلس الأعلى "في ذاته". أهميته في أنه ما زال يحول ببقائه دون الانتقال من مرحلة إلى أخرى في تاريخ العلاقات اللبنانية ـ السوريّة، مرحلة لا تستبدّ بهذه العلاقات "وصاية" ولا تجمّدها "قطيعة"، إنما تتضافر فيها مفردات "السويّة" و"النديّة" و"المميّزة" و"الممتازة" كأنها مرادفات.
وفي أقل تقدير، لا يسمح التفاوت الجغرافي والديموغرافي بين سوريا ولبنان في انفراد البلدين بمؤسّسة "تكاملية". ما كان عاملاً أساسياً لنجاح "مجلس التعاون الخليجي" هو أنه استطاع جمع دول أيقنت أن في اتحادها استقراراً وقوة يزيدان من مكانتها ودورها في منطقة الخليج إزاء دولتين إقليميتين هما العراق (يعادل ديموغرافياً عدد سكّان مجلس دول التعاون) وإيران (ثلاثة أضعاف الحجم الديموغرافي لمجلس التعاون). بل إنّ سياق الحرب العراقية الإيرانية لعب دوراً أساسياً في نشأة مجلس التعاون الخليجي وفي إنجاح تجربته.
ثمّ إن دول مجلس التعاون الخليجي تعتمد بمجموعها النظام الملكي مع تمايزات في ما بينها، ما يعود إلى التاريخ والحجم والموقع وعوامل أخرى. ثمّة الحد الأدنى من التكامل بين الأنظمة السياسية التي يجمعها مجلس التعاون. ليس ذلك حال سوريا ولبنان. ليس يمكن إلا لصلّوخ وخوري التصوّر بأن النظامين السياسيين البعثي السوري والطائفي التوافقي اللبناني يتكاملان بالفطرة. لماذا؟ بسبب من حتمية "تكاملية" تفترضها "المجاورة"؟ لكن النزاعات لا تندلع عادة إلا بين الجيران.
لا شكّ أن ثمة الكثير مما يجمع اللبنانيين والسوريّين لكن هذا المشترك يجمعهم أيضاً بالفلسطينيين والأردنيين وشيئاً فشيئاً بكل العرب. وبالتالي فالمكان المفترض لـ"عيش" هذا المشترك اسمه "جامعة الدول العربية"، أما إن كتب ذات يوم لدول المشرق العربي أن تقيم مجلس تعاون في ما بينها على غرار "التعاون الخليجي" فحتماً لن يكون الممهّد والسبيل إليه هو "المجلس الأعلى اللبناني ـ السوريّ".
ثم أن التعاون الاقتصادي بين الدول المنتجة للنفط أو للغاز هو ما ساهم في تثمير تجربة "مجلس التعاون"، في حين أن "المجلس الأعلى" بقي عنواناً شكلياً لمرحلة اتسمت اقتصادياً بفرض سوريا نظام تحصيل مغانم واقتطاع حصص في لبنان، فيما لم تضق الفجوة بين طبيعة النظامين الاقتصاديين في البلدين بل اتسعت.
زلّة "توحيد السفارات"!
ويبدو أن الوزير صلّوخ استدرك شطط المقارنة بين "المجلس الأعلى" وبين "مجلس التعاون"، فما لبث أن أقلع في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره السوريّ عن مقارنة تجربة عربية "تكاملية" (التكامل في ظل الوصاية) بتجربة عربية "تكاملية" أخرى (التكامل لتفادي الوصايات)، لكنه جنح بدلاً من ذلك إلى مقارنة تجربة "المجلس الأعلى" بتجربة.. الوحدة الأوروبية! وقال صلّوخ ما نصّه "وفي أوروبا، بدأت التجربة باتفاق بين ألمانيا وفرنسا، وتطورت إلى مفوضية أوروبية بصلاحيات واسعة وهناك سفارات". لكن وزير الخارجية عاد وأردف "لا بل المنحى السائد هو توحيد السفارات في الخارج". فهل إن التبادل الديبلوماسيّ بين لبنان وسوريا يطمح هو الآخر إلى "توحيد السفارات في الخارج"؟ أليست سفارات كثيرة في الخارج "موحّدة" فعلياً وبشكل يصعب معه التصديق أمامه بأن الوصاية الأمنية السورية قد زالت عن لبنان؟ وماذا عن السفارة اللبنانية في إيران التي يزايد السفير فيها على "حرس الثورة" الموصوفين في دعوات الحرب المفتوحة؟ ماذا عن الديبلوماسية اللبنانية ككل؟.
في سوريا ثمّة من يريد فتح قنصلية سوريّة في كل مدينة وبلدة من لبنان. قنصلية سورية في حلبا وأخرى في أميون أو في قرطبا أو ميروبا أو عين علق أو عين دارا أو تومات نيحا أو مرجعيون.
وفي الديبلوماسية اللبنانية، أو على رأسها، ثمة من يريد توحيد السفارات السوريّة واللبنانية في كبرى عواصم القرار العالمي.
إنه المشهد الخلفي لـ"العلاقات الديبلوماسية" التي تقدّم كفاكهة لهذا الصيف. ولبّ هذا المشهد يقول إن هذه العلاقات لن تخرج من دائرة الإعلان "البروتوكولي" ولن تفلت من سهولة التطويع "الأمني" إلى حيث العلاقة بين كيانين يعترفان ببعضهما وبين دولتين مستقلّتين قبل أن يكون للبنان ديبلوماسية مستقلّة بالفعل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00