شكّلت "ثورة القرنفل" الجيورجيّة في أواخر العام 2003 مشهداً وطنياً ديموقراطياً نموذجياً استنهض همم اللبنانيين وشجّعهم على ابداع مشهدهم الوطنيّ الديموقراطيّ الخاص التي تجسّدت صيغته في "ثورة الأرز".
ثورة القرنفل الجيورجية قامت ضد تزوير ادوارد شيفارندزه، رمز الوصاية الروسيّة على تفليسي، للإنتخابات النيابية، فاجتاحت الجموع الغاضبة مبنى البرلمان في 22 تشرين الثاني 2003 وأجبرت شيفارندزه على التنحي في اليوم التالي. غنيّ عن البيان أن 22 تشرين الثاني يصادف ذكرى الإستقلال اللبناني عن فرنسا، لكنه في جيورجيا له معنى حميم آخر. ففي 22 تشرين الثاني 1918 أعلن إستقلال جمهورية جيورجيا عن الإمبراطورية الروسية، تحت قيادة الإشتراكيين ـ الديموقراطيين من المناشفة وزعيمهم نويه جوردانيا، وكانت تجربة زاهرة بالتعددية السياسية والتنوّع الثقافي لكنها لم تصمد أمام الغزو السوفياتي في شباط 1921، في الوقت نفسه التي هوجمت من قبل تركيا الكمالية من الجنوب والشرق. وتبع الإجتياح السوفياتي حملة "روسنة" فظّة معادية لكل ما هو أدب جيورجي وثقافة جيورجية، وقاد هذه الحملة حفنة من "الجيورجيين الكارهين لوطنهم الأم" وفي طليعتهم غريغوري أوردجونيكيزه التي سميت عاصمة أوسيتيا الشمالية فلادي قفقاس بإسمه ردحاً من الزمان، وجوزيف جوجاشفيلي ستالين التي تقصف المقاتلات الجوية الروسية اليوم مسقط رأسه، غوري.
وكما نجحت "ثورة القرنفل" في إقصاء الوصاية الأمنية الروسيّة عن تفليسي عام 2003، أفلحت "ثورة الأرز" عام 2005 في فرض الإنسحاب العسكري لقوات الوصاية السوريّة عن لبنان.
الفارق أن الجيورجيين نجحوا في تنحية شيفارندزه فيما "أجّل" إستقلاليّو لبنان الزحف على قصر بعبدا لألف اعتبار واعتبار، حتى إذا عادوا ورفعوا هذا المطلب في 14 شباط 2006 بدا الوقت متأخّراً، بل كان وقتاً مستقطعاً قبل الدخول في آتون حرب تمّوز.
ومثلما كان على "ثورة القرنفل" أن تواجه مشكلة القوميات في جيورجيا كان على "ثورة الأرز" أن تواجه الفتنة المذهبية. الفارق هنا أن الإستقلاليين اللبنانيين كانوا أقل جذرية لكن أكثر خبرة بالواقع الطائفي والمذهبي لبلادهم ورغبة في التحايل عليه مقارنة مع عدم نضْج خبرة الإستقلاليين الجيورجيين بتعقيدات التداخل بين مشكلة القوميات في بلادهم وبين شبح الوصاية الروسية المتربّص بهم.
فلئن أفلح الرئيس الديموقراطي الشاب لجيورجيا ميخائيل سكاشفيلي في "الحل السياسي" للمشكلة الإنفصالية في إقليم ادجاريا الملاصق لتركيا، فإن "الحل السياسي" الذي آثر اعتماده حيال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لم ينجح لأن روسيا ظلّت تتصرّف مع هذه الأقاليم المحاذية لها على أنها مجالات حيوية ويمكنها أن تثيرها متى شاءت ضد تفليسي.
فالتدخل الروسي العسكري في جيورجيا ليس وليد اللحظة. في 22 كانون الأول 1991 تدخلت القوات الخاصة التابعة لموسكو وأطاحت الرئيس المنتخب ديموقراطياً زياد غمسخورديا بعد معارك عنيفة في تفليسي استمرّت حتى 6 كانون الثاني 1992. وذهبت السلطة إلى شيفارندزه يومها نتيجة لهذا الإنقلاب.
أما استقواء الحركة الإنفصالية الأوسيتية الجنوبية بالجيش الرّوسي فهو يعود إلى الحِقبة السوفياتية. يوم أعلنت أوسيتيا الجنوبية منطقة ذات حكم ذاتي داخل جيورجيا في 20 نيسان 1922 كان ذلك عقاباً للجيورجيين على تصديّهم لجحافل البلاشفة الغزاة ولعدم سكوت الحكومة المنشفية الديموقراطية في المنفى الباريسي عن الفظائع التي ارتكبت في جيورجيا. تسخينفالي التي كانت رمزاً للتعايش بين الأوسيتيين والجيورجيين والأرمن واليهود أريد لها أن تكون معزلاً يمارس من خلاله الرّوس تحكّمهم بمصائر الكيان الجيورجيّ. في الوقت نفسه وقفت السياسة الروسية حجر عثرة دون تحقيق الوحدة بين الأوسيتيتين الجنوبية والشمالية، إذ كان لكل منهما وظيفة. أوسيتيا الجنوبية في وجه الجيورجيين. وأوسيتيا الشمالية في وجه الإينغوش، الذي انتهى الأمر بستالين بترحيل معظمهم من موطنهم الأصلي في الأربعينيات بتهمة "رهانهم" على ألمانيا النازيّة.
حافظت السياسة الروسية من الزمن القيصري إلى الزمن الشيوعي فالبوتيني على محدّدات رئيسية في تعاملها مع قضايا شعوب القوقاز. ليس فقط الهيمنة، بل قبل كل شيء منع نفاذ نسائم الديموقراطية والليبرالية إلى الداخل الروسيّ.
يلاحظ المعلّق في "الواشنطن بوست" جورج ويل بذكاء أن روسيا التي تدعم إقليمين إنفصاليين عن جيورجيا هي نفسها روسيا التي تتهم الغرب بدعم حركات إنفصالية داخلها، بل هي نفسها روسيا الغاضبة من استقلال كوسوفو عن صربيا.
لكن السؤال يبقى كيف يتصرّف الغرب حيال ما يجري؟ ليس يمكن بالطبع الركون إلى المعزوفة الشعبوية إياها من نوع أن الغرب مدمن على "التخلّي عن حلفائه" على الدوام ساعة لا تكون لديه وسيلة لإمدادهم أو ساعة تتبدّل أولوياته. المشكلة قائمة في مكان آخر، وهي أن يعي الغرب، إن حيال ما يحدث في لبنان أو في العراق أو في جيورجيا أو في أوكرانيا، أن مصيره، وليس مصير لبنان والعراق وجيورجيا، معلّق بدعم الإستقلاليين والديموقراطيين.
إلى حد كبير فإن ما يقول جورج ويل في "الواشنطن بوست" يستحق القراءة. هو يحتج على اختزال المشكلة في جورج بوش الإبن وفي تلكؤ إدارته عن مساعدة جيورجيا. هو يذكّر بأنّ هذه الإدارة دعمت انضمام جيورجيا لحلف شمال الأطلسي، وأن دولاً أوروبية مثل ألمانيا هي التي راحت تعقّد المسائل. يتساءل ويل "لو كانت جيورجيا عضواً في الأطلسي، هل كان الأطلسي ليدخل الحرب ضد روسيا؟ بالأحرى القول، روسيا ما كانت لتدخل إلى جيورجيا. على امتداد 59 عاماً من عمر الحلف، لم يتعرّض التراب الوطني لأي عضو للحلف إلى غزو، باستثناء اجتياح الأرجنتين للفوكلاند البريطانية عام 1982".
قد لا يمكن الذهاب بعيداً مع جورج ويل حين يقارن بين "أولمبياد برلين 1936" و"أولمبياد بكين 2008". لكن مؤكّد أنه يدقّ ناقوس الخطر. وقد لا يوفّر "الدرع الصاروخي" واحة للسلام العالمي بل يزيد الحروب، لكن "الهجوم الأمني المضاد" ضد ثورات القرنفل والبرتقال (الأوكراني لا العوني) والأرز هو خطر أساسي يواجه التوسّع التاريخي الصعب للمنظومة الديموقراطية الليبراليّة شرقاً. وسواء سويت الأمور بين جيورجيا وروسيا على غرار "مؤتمر الدوحة" أو طاب لفلاديمير بوتين أن يفرض الأمن في تفليسي فإن هذا الخطر يتهدّد عالمنا.
منظومة الإعتدال العربي مختلفة عن منظومة "الديموقراطية والتنمية" الرباعية التي تقوم بين جيورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدافيا. وسياقات 14 آذار اللبناني مختلفة عن سياقات 14 آذار الجيورجيّ. الجيورجيون أطاحوا رمز الوصاية في بلدهم، لكنهم لم يستطيعوا تجنّب غزو روسي في آخر الأمر. اللبنانيون لم يتمكنوا من اطاحة إميل لحّود، لكن الإنسحاب السوري فرضوه كلحظة لا رجوع عنها مهما كانت العثرات والخيبات بعدها. يبقى أن كل تجربة استقلالية ديموقراطية عن وصاية أمنية لبلد أكبر مجاور هي مرآة لما يناظرها. المعركة من أجل الإستقلال والديموقراطية لا يخوضها اللبنانيون وحدهم، وخير دليل على ذلك ما نقرأه من ترّهات مفادها أن "الإمبريالية الجيورجية" اعتدت على روسيا غير مستفيدة من دروس "الإمبريالية اللبنانية".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.