الثقة ممنوحة للحكومة بإجماع الكتل البرلمانية. فهذه الكتل مشارٍكة بتمامها في الحكومة، بما يفترض الإمتناع شكلياً عن الحديث عن "موالاة" و"معارضة"، وعلى اعتبار أن "المشارك في الحكم" شيء، و"المعارض للحكم" شيء آخر.
مع ذلك فالثقة مفقودة تماماً ما بين الإئتلافين المتواجهين داخل المجلس وفي الحكومة. بل قل بسبب ذلك، لأن مشاركة البعض في الحكومة أمنتها قوة السلاح، أو سلاح غيره، ولأن البعض الآخر مشارك بسلاحه، وقد جهد السلاح في المئة يوم الأخيرة، وبوسائل مختلفة وفي محطّات متنقلة، لأن يفرض لمساته على التشكيلة كما على البيان. ولا تجوز المكابرة هنا. نعم استطاع السلاح أن يفرض كثيراً مما أراده. لكنه لم يتأمّن له ذلك إلا بشق النفس وبإرهاقه سياسيّاً في مواجهة محاولاته الدؤوبة لإرهاق الآخرين أمنياً. وفوق ذلك فإن السلاح لم يستطع أن ينتزع الإقرار الذي يحتاجه. لم يستطع أن ينتزع إقراراً بأن ما حقّقه، بالضغط الفعلي أو بالتهويل، قد ناله بالرضى أو من طريق إقتناع الآخرين بوجهة نظره.
الثقة مفقودة تماماً ما بين الإئتلاف البرلمانيّ الأكثريّ الحريص على قراءة البيان الوزاريّ ببنوده كافة من زاوية "مرجعيّة الدولة"، مقيّماً وضوح هذه الفقرة أو تلك من البيان أو غموضها أو التباسها من هذا المنطق بالذات، وما بين "السرايا البرلمانيّة للمقاومة" التي تعزل مفردة "مقاومة" عن كل ما عداها في البيان الوزاريّ، وعلى اعتبار أن المقاومة لا "تُكتنف" في إطار الدولة، إنما هي التي تغلّف كل شيء، والتي تطالب الآخرين جميعاً بأن يتحوّلوا إلى أغلفة لها ومرايا. هذا، مع أن البيان الوزاري لم يأت على ذكر المقاومة بأل التعريف، واستعاض عن ذلك بعطفها على الشعب والجيش وفي إطار الحديث عن "حق لبنان"، ولبنان هذا هو اسم الدولة.
وقد يقال ان غياب الثقة بين التلاوين السياسية المختلفة أمر طبيعي، بل أكثر من طبيعي في حال لبنان. إلا أنّ "غياب الثقة" يتخذ طابعاً في منتهى الخطورة في هذه المرحلة، كون "صلح الدوحة" الذي يجري الإفراغ من تنفيذ بنده الثاني بعد مئة يوم من الإشتباك الأهلي، السياسيّ والأمنيّ والإعلاميّ، هو "صلح" يتمحور نصّه على "تعهدين". التعهّد الأول هو الذي يقضي به البند الثاني نفسه، فهو لا يمنح الثلث زائد واحد للمعارضة إلا بشرط أن "تتعهد الأطراف بمقتضى هذا الإتفاق بعدم الإستقالة أو إعاقة عمل الحكومة". كما ينصّ البند الرابع من اتفاق الدوحة على تعهّد ثان، ونصّه "تتعهّد الأطراف بالإمتناع عن أو العودة إلى استخدام السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية". المئة يوم الماضية لم تش بما يفيد تحصين هذين التعهّدين، وبما يضمن سير الحوار الوطنيّ لاحقاً، ثم الإنتخابات النيابية على هدي منهما.
لكننا اليوم، وبعد أن تنال الحكومة ثقة المجلس النيابي، ندخل مرحلة الإختبار الحقيقي والجاد لهذين التعهّدين، بحيث لا تعود من مرتبة وسطى أو رمادية بين احترامهما أو التنكيل بهما، خصوصاً وأن التعهّد بعدم "إعاقة عمل الحكومة" و"التعهّد بالإمتناع عن أو العودة إلى استخدام السلاح" مترابطان.
ولا تمكن الإجابة عن سؤال "ماذا بعد تنفيذ البند الثاني من اتفاق الدوحة" ما لم يحتل التعهدان الصدارة. مخطىء من يقفز مباشرة على هذين التعهّدين في سعي الى إغفالهما، وللإيحاء بأن "الموسم الإنتخابي" يبدأ بكل طقوسه ولوازمه ما أن تكون حكومة الوحدة الوطنية قد شكّلت، بحيث تختزل البنود المتبقية من اتفاق الدوحة، وهي أكثر البنود، إلى شعارات انتخابية يتقاسمها المرشّحون من هذا الفريق أو من ذاك، فيتفيء كل واحد بإحداها، ويخوض المعركة على أساسها.
ففي اليومين الأخيرين حاولت "السرايا الإعلامية" لـ 8 آذار أن تسند "السرايا البرلمانية" بالترويج لفكرتين، أولها أن جلسة الثقة هي جلسة للملل، وأن خير دواء ضد السأم يتمثّل بقلب الأكثرية أقلية والأقلية أكثرية بعد تسعة أشهر. وثاني الفكرتين أنّ جلسة الثقة هي للمبارزات الكلامية الإنتخابية لا أكثر ولا أقل، وأنّ كل الحديث عن مرجعية الدولة وكنفها محصور في هذا الإطار.
بيد أنّ القفز مباشرة من جلسة الثقة إلى الإنتخابات النيابية هو قفز على التعهدين بعدم تعطيل الحكومة من الداخل وبعدم الضغط على الآخرين بالسلاح، في حين أن القيمة المعنوية لكلمات عديدة قيلت في جلسة الثقة إنها تعيد الإعتبار لهذين التعهدين:
أولاً من خلال تسمية الأمور بأسمائها لجهة ما حدث في بيروت قبل "الدوحة" وفي طرابلس بعدها، ولا يهم ما يشطب في "محضر الجلسة" لأننا في عصر ثورة الإتصالات والمعلومات، وما يستحق أن يشطب من ذاكرة هذا الوطن هو سيل التخوين الذي بلغ أوجه في 7 أيار وأسفر من يومها عن سقوط أكثر من مئة قتيل.
وثانياً من خلال المشهد الذي رأيناه، والذي يثبت أن وحدة 14 آذار تتعزّز مرة حين تفرط قوى 8 آذار في تصوير التمايزات داخل الفريق الإستقلالي كإنقسامات وارتدادات، ومرة حين تفرط قوى 8 آذار في تأكيد وحدتها الداخلية. طالما استمرت وحدة قوى 8 آذار في ما بينها "وحدة أمنية" في المقام الأول، ستتجذّر وحدة قوى 14 آذار في ما بينها كـ"وحدة سياسية" أولاً وأخيراً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.