8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المساكنة جنوب الليطاني أمام محكّ "أزمة صواريخ السام"

الوضع "الملتبس" أو "المركّب" جنوب الليطاني يفرض نفسه مسبقاً على طاولة الحوار الوطنيّ.
فقبل الخوض في "عموميّات" المنظومة الدفاعيّة تطلّ منظومة من نوع آخر برأسها هذا الصيف لتطرح نفسها على المحك. هي منظومة "إختلاط الحابل بالنابل" جنوب النهر.
منذ حرب تموز تتساكن "السيادة المشتركة" للشرعيتين الوطنيّة والدوليّة مع "السيادة الجوفيّة" التي لم تزل مقيّدة لـ"حزب الله". وهذه المساكنة هي من تبعات القرار 1701 الذي يلتزم الفصل السادس لا السابع من ميثاق الأمم المتحدة. بموجب هذه المساكنة زاد عديد القوات الدوليّة وتنوّعت مهامها، وأرسلت ألوية من الجيش اللبناني إلى الجنوب لأوّل مرة منذ مدة طويلة. لكن الآلية التنفيذية للقرار لم تكن مؤهّلة لسحب أي قطعة من سلاح "حزب الله" من المنطقة، وما حدث أن "حزب الله" ضاعف من ترسانته شمال وجنوب النهر، إلا أنّه ظلّ "مقبلاً" بطريقة أو بأخرى على "التساكن" مع اليونيفيل المعززة والجيش المُرسل.
وما المساكنة الحاصلة في "البيان الوزاري" بين "حق لبنان بجيشه وشعبه ومقاومته" وبين "القرار 1701 بكافة مندرجاته" إلا صدى للمساكنة العجيبة جنوب الليطاني بين شرعيتين وطنية ودولية وبين سلاح مقاوم.
بيد أنّ هذه المساكنة صارت تحتاج لشروط جديدة كي تجدّد نفسها، ذلك أن "اليونيفيل المعززة" تتعرّض اليوم لضغط متصاعد سواء من اسرائيل أو من "حزب الله". من جهة "حزب الله" يمارس هذا الضغط "كلامياً" من خلال الدعوة إلى "حصر صلاحيات" اليونيفيل المعززة، والضغط عليها لكي تبقى "على الحياد" في المرحلة المقبلة.
حقل التجارب
أما من جهة العدو، فليس ما يثار من حملة ضد الصواريخ المضادة للطائرات مجرّد "تقليعة" عابرة. بعض ما يحدث يمكن مشابهته، إلى حدّ ما، وإن في ظروف إقليمية ودولية مختلفة للغاية، بأزمة صواريخ السام التي أدخلها الجيش السوري إلى سهل البقاع في مطلع الثمانينات وبعد أن استهدفت طوّافات له فوق لبنان من قبل اسرائيل. انتهت الأزمة يومها بسحب صواريخ السام، مع تجنّب الطيران الحربي الإسرائيلي التحليق فوق سوريا، وامتناع سوريا عن تزويد أو عن السماح بتزويد أي فريق لبناني أو يعمل على الساحة اللبنانية بما يمكنه أن يهدّد أمن الطلعات الجوية الإسرائيلية سواء "الاستكشافية" منها أو التي تمضي في "مهمات قتالية".
وليس من شك أن هذه المعادلة صارت من الماضي، وهذا ما يؤكده سجل السنوات الأخيرة، من الغارة الإسرائيلية على عين صاحب إلى الغارة الغامضة على ما سمي "مفاعل دير الزور النووي"، ناهيك عن أنواع أخرى من "التحليق السياسي" فوق سوريا، بما في ذلك فوق مقر الرئاسة السوريّ. وإذا كان سلاح الجو الإسرائيلي قد أصيب بخيبة في "حرب تمّوز" لجهة عدم تمكنه من وقف الهجمات الصاروخية لـ"حزب الله" على الجليل ولأكثر من 33 يوماً، فإن هذا السلاح لم يصب بالمحنة التي تعرّضت لها الدبابات الإسرائيلية بعد أن مدّت ايران "حزب الله" بمضادات فعالة ضد المدرّعات، أو بالمحنة التي تعرّض لها سلاح البحر الإسرائيلي، بعد تمكّن "حزب الله" من إصابة زورق حربي إسرائيليّ.
وما تخشاه اسرائيل في الآونة الأخيرة هو أن تحاول إيران، من خلال "حقل التجارب اللبناني" أن "تختبر" صواريخ أرض جو ضد الطيران الحربي الإسرائيلي، وعلى خلفية تصعيد "حزب الله" للحملة ضد الإنتهاكات الجوّية التي يمارسها هذا الطيران. هكذا "اختبار" للطيران الحربي الإسرائيلي يمكن التعويل عليه إيرانياً رغبة في الضغط على الدوائر التي تفكّر بشن هجمات جويّة مركّزة أو مكثّفة تستهدف البرنامج النووي الإيراني أو أهداف حيوية أخرى لحرس الثورة وبقصد حضّ هذه الدوائر على تأجيل أي استحقاق هجومي من هذا النوع إلى حين التمكّن من تجاوز "الثغرة" المتصلة بالمناعة الجويّة المفقودة.
المعادلة الجوّية
جزء كبير من اللعبة "السورية ـ الإسرائيلية" في المرحلة الأخيرة، وما على هامشها من "غوامض" أمنية، كان مرتبطاً بهذه الحسابات الدفاعية الإستراتيجية أكثر مما ارتبط بإطلاق مفاوضات التسوية الإقليمية مجدّداً بين البلدين. في ما عنى الجولان والتسوية يجتمع السوريون والإسرائيليون على "التفاوض من أجل التفاوض" وعلى البقاء إلى "أبد الآبدين" في إطار "المفاوضات التقنية أو الفنيّة". لا اسرائيل تفكّر جديّاً بتسليم الهضبة السورية التي ألحقتها رسمياً بدولتها عام، 1981 ولا سوريا ساذجة حتى تنتظر شيئاً من هذا القبيل، كما أنّها في غنى عن "استرجاع الجولان" لما يعنيه ذلك من افتقاد نظامها إلى دعامتيه الرئيسيتين: الجولان المحتل الذي يستمدّ منه النظام مفهومه عن الشرعية الوطنية "الممانعة" والتي "لا تركع"، والمفاوضات التقنية حصراً التي تبرز من خلالها سوريا كدولة غير مهدّد نظامها بل محصّن وحصين ويحسب له حساب.
كما أن اسرائيل لا تطمح لإبعاد دمشق عن طهران، وتدرك تماماً أن لا فكاك للأولى عن الثانية طالما ظلّت حركات مثل "حزب الله" و"حماس" تمدّان كلاً من الدولتين الإقليميتين بعناصر القوة التي تستخدم في التشنّج أمام الغرب تارة، وفي إبداء اللّين أمامه تارة أخرى.
ما تريده اسرائيل من سوريا محدّد: الإمتناع عن تكرار تجربة ادخال "صواريخ السام" إلى لبنان من خلال الإمتناع عن المدّ أو عن التغاضي عن المدّ الإيراني لـ"حزب الله" بالصواريخ المضادة للطائرات. تعلم اسرائيل جيداً الدور السوري في حفظ سلامة الملاحة العسكرية الإسرائيلية فوق لبنان.
ما تطالب سوريا اسرائيل به على جانب من التحديد أيضاً. العودة إلى معادلة "لا طلعات جوية إسرائيلية فوق سوريا" كي تؤمّن معادلة "ليس من يهدّد الطيران الإسرائيلي فوق لبنان".
فكل المبادرات من أنابوليس إلى محادثات اسطنبول إلى قمّة باريس إلى الزيارة المرتقبة لساركوزي لن تشعر سوريا بأنها خرجت من دائرة الخطر التي زجّت فيها على خلفية تعاطيها مع الوضع في العراق منذ 2003. ما يدركه النظام السوريّ جيّداً أن أولى المؤشرات الجديّة لخروجه من دائرة الخطر هي وقف إسرائيل لمسلسل "عين صاحب ـ دير الزور". النظام يطالب باسترجاع "سيادته الجويّة" في مقابل منح "وكالة جوية" لإسرائيل على لبنان، ويدرك جيداً أن "الوكالة الجوية" لإسرائيل فوق لبنان تستكمل سريعاً بـ"وكالة أمنية" معمّمة لسوريا فوق ربوعه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00