8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"التيار الوطني الحرّ" من العونيّة إلى.. العونيّة اللحودية

ما زال العماد ميشال عون، أمدّ الله في عمره، على رأس "التيار الوطنيّ الحرّ" منذ تأسيسه. هذه عادة مأثورة لدى معظم التشكيلات السياسية اللبنانية. الفارق أن "التيّار" صنّف نفسه في ما مضى "استثناء" له كل الجدّة قياساً على التجارب الحزبية الأخرى. الفارق الثاني أنه غالباً ما وصف محازبيه بالـ"عونيين". هو زعيم العونيين كما أنه عونيّ من جملة آخرين.
لم يفكّر أحد بأن ينافس العماد عون على زعامة "التيار الوطنيّ الحرّ"، وإن انشقت عناصر واستُبعدت أخرى. في كل الحالات بقي عون زعيم "التيار" بلا منازع، من المنفى أو من الرابية. مع ذلك، فإن التيار نفسه الذي واصل عون قيادته لم يعد "عونيّاً". فالتهمة الرئيسية التي توجّه للتيّار منذ ثلاث سنوات أنه "تبدّل" بمعنى تخلّيه عن "العونية الأولى" التي واجهت انقلاب "اللواء الركن" في 7 آب، وساندت "قانون تحرير لبنان ومحاسبة سوريا". أما التهمة الرئيسية التي توجّه لزعيم التيّار فأنه "لم يتبدّل"، وما زالت تحرّكه المنازع نفسها، الممعنة في المظلومية التاريخية، والمحكومة بقناعة راسخة بأنه اللبناني الوحيد الصالح لإدارة الدفّة.
طبعاً يسارع عون والعونيّون في كل مرّة للردّ بأن التيار "لم يتبدّل" بل تطوّر، وأن العماد عون كذلك الأمر، تعلّم الكثير من منفاه الفرنسي ومن تماسه بالحياة السياسية في ظل الديموقراطية والتعددية. وهذه بدورها فاتحة لجدال لا ينتهي، لأن ما حدث بعد عودة عون من منفاه لم يستشفّ منه تبنياً لمنطق "التداول السلميّ للسلطة" وإنما مشاركة في احتلال وسط المدينة ثم التواطؤ في غزو المدينة. ولم يتطوّر "التيار" باتجاه التأسيس للمثال الجمهوريّ في لبنان، أو للأخذ بالنموذج الليبراليّ، إنّما تطوّر باتجاه "القنص" المتقطّع على باريس ـ3، وإعلان "الجهاد المقدّس" على حكومة فؤاد السنيورة للدفاع عن التعطيل في يوم "الجمعة العظيمة"، مع التطوّع لتبديد كل المخاوف، الواقعية أو المبالغ فيها، التي يثيرها تحكّم سلطة "ولاية الفقيه" الإيرانية بالقرار السياسيّ والأمنيّ في لبنان.
"رفض التوطين" زمن الوصاية
غاية القول أن عون ما زال قائداً للـ"عونيين"، لكن تياره لم يعد عونياً، أو بالأحرى صار عونيّاً لحودياً. "العونية الأولى" كانت امتنعت عن أي اشتباك جديّ مع إميل لحّود قبل وبعد 7 آب، لكنها اعترضت على التمديد وشاركت في "انتفاضة الاستقلال" وكانت آخر من ينزع خيمه من ساحة الشهداء. "العونية الثانية" نشأت تدعو لإعادة الصلاحيات والمهابة إلى إميل لحّود، ولم تمانع في إطالة مدّة الفراغ الدستوري بعده، لكنها في الأساس تطوّرت باتجاه اعتناق "ثوابت العماد إميل لحّود". نجحت "العونية الثانية" في تحويل هذه "الثوابت" إلى "عقيدة". التيار العوني هو تيار يقوده العماد ميشال عون ويلتزم باللحودية كثوابت له.
ما اللحودية؟، إنها تختصر نفسها في كلمتين "مكافحة التوطين". الدستور اللبناني يربط في مقدمته "اللاتوطين" بالـ"اللاتقسيم". لكنّ إميل لحّود لم ير ذلك كافياً. وجد في "رفض التوطين" ضالته. حاول أن يستمدّ منه مشروعيته. وجد أنّ السوريّين "يحبّون" المسحيين من جانب واحد، وأن عدم مبادلتهم بالحب ترتدّ سلباً على المسيحيين، فاعتبر أنّ ربط كل شيء بـ"مكافحة التوطين" كفيل بإقامة علاقة حبّ متبادل بين السوريّين والمسيحيين. الوصاية السورية هي الضمانة ضد التوطين. ترفيع "تلازم المسارين" إلى "وحدة المسار والمصير" استمد ضرورته من مكافحة التوطين. كذلك حال "التمديد". كان يتمنّى إميل لحّود لو مدّدت ولايته "حتى عودة آخر لاجئ فلسطيني إلى فلسطين".
وجد "نضال" إميل لحّود ضد "التوطين" صدى له في دائرة امتدت من إميل رحمة حتى نعمة الله أبي نصر. بعض هذه الدائرة كانت نغمته "المتسورنة" واضحة للغاية. البعض الآخر كان يحرص على اللكنة السياديّة. أما الشارع المسيحي بحد ذاته فلم تنفع معه حجّة "مكافحة التوطين". كانت حساسيته الديموغرافية ـ العقارية سهلة الاستثارة ضد قانون مكافحة التجنيس، وضد تمدّد الضاحية الجنوبية باتجاه الضاحية الجنوبية الشرقية لبيروت، وضد البطء الحاصل في عودة المهجّرين إلى الجبل، وضدّ تضخم حجم اليد العاملة السورية في لبنان. لكن المسيحيين في التسعينيات حتى انتفاضة الاستقلال لم يكونوا معنيين بـ"مكافحة التوطين" إلا من زاوية تأريخ مرحلة من مراحل الحرب الأهلية. وعندما كان يثار موضوع المخيمات الفلسطينية، كان المسيحيون يتعاطون معها من زاوية رفض "الجزر الأمنية" لا من زاوية تشريع الوصاية السورية كضمانة ضد التوطين، أو التمديد لرئيس ضد الدستور بوجه هكذا مؤامرة. وكان المسيحيون بأكثريتهم الساحقة يدركون الفارق بين "رفض التوطين" الذي خاضوا على أساسه الجولات الأولى من الحرب، فأدمجوه كشعار برفض "الجزر الأمنية" وبين "رفض التوطين" الذي سيعتنقه إميل لحّود كعقيدة، تبقي "الجزر الأمنية"، وبالأخص "السلاح خارج المخيمات" كي لا ينسى اللاجئ الفلسطيني رائحة الليمون وغصن الزيتون في موطنه الأصلي.
تحويل "اللحودية" إلى حالة شعبية
فهل صار "رفض التوطين" على الطريقة اللحودية، أي رفضه بالحفاظ على "الجزر الأمنية" وليس العكس، هو موضوع يحتل مركز الصدارة في اهتمامات الشارع المسيحي اليوم؟، هل صارت "اللحودية" شعبية للغاية في الشارع المسيحي بعد أن رحل إميل لحّود معزولاً عن السلطة إلى حين "بروزه" في ملعب الراية؟.
للتيار العوني عوامل عديدة تمكّنه من الاحتفاظ بقاعدة شعبية لا يستهان بها، وإن كانت في تراجع بطيء حيناً ومتسارع حيناً آخر منذ تفاهمه مع "حزب الله" وإلى اليوم. ففي كل الحالات لم يحدث منذ ثلاث سنوات أن تحوّل مسيحي من 14 آذار إلى الحالة العونية، وإن كان حدث العكس مع عدم جواز المبالغة في هذا المجال أيضاً.
من بين العوامل العديدة التي تحفظ شعبية التيار العوني، لا يحتل "رفض التوطين" مكانة مميزة. "العونيّون" ما زالوا عونيّين لأنّهم ينتسبون إلى التركة التاريخية المؤلفة من حربي "التحرير" و"الإلغاء" ومن سنوات المنفى القسري والعمل نصف السرّي، ولأنهم يؤمنون بمواهب سياسية ومزايا أخلاقية يجعلونها حكراً على زعيمهم. وهم منذ 2005 أعادوا إحياء أسطورة "تحالف الأقليات" ضد "الحوت السنّي"، وتوجّهوا على هذا الأساس لعقد "تفاهم" مع "حزب الله". كما أنّهم اقتبسوا كلاسيكيات "الاستقلال" في دول العالم الثالث ليصوّروا سوريا على أنها حاضرة استعمرت لبنان من "وراء البحار"، وأنه يمكن الانخراط معها في "كومنولث" ما ان تسحب جيوشها.
هكذا يفكّر ـ نَخال ـ الكادر المتوسّط في التيار العونيّ. لكن ما أهمية "رفض التوطين" من كلّ هذا؟، هل للانتساب إلى تراث المسيحيين في أولى مراحل الحرب الأهلية؟، هل للجمع بين هذا التراث وتراث "حرب المخيمات" في الثمانينيات لبلورة ذاكرة مارو ـ شيعية مشتركة ضد "التوطين"؟، وكيف الجمع في المقابل بين تفسير الانتساب الحزب اللهي لولاية الفقيه بالـ"العفوية الدينية" والتفسير "التآمري" لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، مع الدعوة أحياناً لطردهم.. في الحال؟.
إميل لحّود كان يقول انه "لا يريد شيئاً لنفسه". كان يريد الرئاسة مدى الحياة.. لمكافحة التوطين. ميشال عون بالفعل "لا يريد شيئاً لنفسه". كل الغاية من رفضه التوطين هي إعطاء وكالة مطلقة لـ"حزب الله" في تقرير حال السلم من حال الحرب، وفي الحؤول دون سريان القانون على كل الأرض اللبنانية. فأن تربط "سلاح حزب الله" بمكافحة التوطين، وأن تربط مكافحة التوطين بـ"حزب الله"، فهذا يعني أنك وبدلاً من التحضّر لمناقشة "استراتيجية دفاعية" وأخرى "استرجاعية" لما تبقى من أرض، فإنك تتحضّر لاقتلاع دولة اسرائيل من أساسها. وإلا، كيف "يعود" ملايين الفلسطينيين في الشتات؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00