صمدت الأكثرية وحقّقت بعد أربعة عشر اجتماعاً للجنة صياغة البيان الوزاري كسباً ثميناً لمشروع الدولة في لبنان، فجاء النص بقدر وافر من الدقّة اللمّاحة، وبما يليق بالمؤسسة الدستورية التي ستتخذه برنامجاً لعملها. جرى الابتعاد قدر المتاح، وبأكثر مما يسمح به التفاؤل في الأسابيع المنصرمة، عن اللغة المخشّبة أو تلك العامرة بالالتباسات.
ما عادت الخشية واردة من "استغلال" فقرة بعينها من البيان الوزاري لتأويلها تبعاً للهوى، ولتوجيهها لكمة تعطيلية الى الحكومة وسائر المؤسسات الدستورية. مع الصيغة النهائية لمسودة البيان الوزاري الحالي صارت الخشية من انتقام من يتربّصون شرّاً بالنظام الدستوري من البيان الوزاري نفسه، ومن البيان الوزاري ككل. ذلك أن لجنة الصياغة استطاعت أن تنتزع في السياسة وبالسياسة، ومن خلال التوافق التام مع لغة القانون ومرجعية دولة القانون، ما لا تتيحه بالفعل معادلة الأمن التي يرزح البلد تحت وطأتها منذ عملية 7 أيار، بشكل لا بد من توفير جميع الشروط اللازمة لتجاوزه.
غاية المقاومة انتفاء عملها
فالبيان الوزاري الحاليّ من شأنه تمهيد السبيل للانتقال من "وكالة مطلقة" معطاة لـ"حزب الله" في حمل لواء المقاومة، وهي الوكالة الموروثة من حقبة "الوصاية السورية"، إلى "وكالة مشروطة" تعطى لهذا الحزب في المقاومة، انطلاقاً من تقدير إنجازاته في هذا الإطار، إنما على أساس نقل حالة المقاومة نفسها من طور غير مرهون بأجل ولا محكوم بوسيلة ولا يخضع لمرجعية، إلى طور يقوم فيه "التعاقد" بين الدولة والمقاومة على أساس مرجعية الدولة. وهذا بالطبع يتطلّب تصويب الغاية المنشودة من الفعل المقاوم نفسه. إذ لا شرعية، وفقاً لصيغة "لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته" لأي مقاومة يكون هدفها "إضمحلال الدولة" أو تفتيتها. إنما الفعل المقاوم يكتسب مشروعيته من اتصاله بمفهوم الدولة، ومن التزامه بها. أي أن الغاية من المقاومة هي الوصول إلى حيث تنتفي الحالات التي يحتاج فيها البلد إلى مقاومة.
"الجراح" التي يتحدّث عنها البيان
ولعلّ أهم مكسب استقلاليّ تضمنته مسودة البيان الوزاري هو إجماع أعضاء لجنة الصياغة كافة، بمن فيهم الوزير من "حزب الله"، على اعتماد قراءة لما جرى يوم 7 أيار الفائت بعيدة تماماً عن كل ما وُصِفَ به هذا اليوم المشؤوم في "الإعلام الحربي" للمعارضة. فالبيان الوزاري ينظر إلى 7 أيار كيوم مفجّر لجراح لا يكفل "اتفاق الدوحة" وحده اندمالها، وإن كان "اتفاق الدوحة" يشق الدرب باتجاه محاصرتها. البيان الوزاري يتكلّم في أكثر من فقرة عن "جراح اللبنانيين" وعن "بلسمة الجراح". وهذه الجراح التي يتكلّم عنها البيان لا تعود إلى ما ارتكبته "حكومة فيشي" في بيروت قبل دخول قوات فرنسا الحرّة، وإنما إلى عملية السطو المسلّح على العاصمة يوم 7 أيار 2008 من "مسلّحي المعارضة" الذين تحرّكوا "للدفاع عن المقاومة". كما أنّ هذه الجراح لا تعود إلى معركة القيسيين واليمنيين في عين دارة عام 1711 بل إلى اجتياح "حزب الله" بعض مناطق الجبل عشية انعقاد مجلس وزراء الخارجية العرب لمناقشة قضية لبنان. البيان الوزاري يتحدّث عن "جراح اللبنانيين والمخاوف التي تسبّبت بها" ويتحدث عن "نبذ العنف" محدّداً إياه بأنه "عنف السلاح وعنف التهديد والتخوين والتحريض وإثارة العصبيات وغيرها من المظاهر والمشاعر العدائية"، وفي هذا التحديد مزيد من الايضاح لما قال به صلح الدوحة في هذا الإطار، خصوصاً وأن البيان يزيد ويفصّل أن "نبذ العنف" يرتب "مسؤولية مضاعفة في الاحتكام إلى الدستور" وبما من شأنه "وضع الاختلافات في نصابها فلا تتحول إلى تنابذ ولا تتفجر صراعات مدمرة".
والبيان الوزاري يربط "بلسمة الجراح" بـ"إقدار الدولة على حماية المواطنين وحفظ حقوقهم"، أي أنّه يوجّه بطريقة أو بأخرى نقداً لحال الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية في أيار، يوم لم تكن قادرة على "حماية المواطنين وحفظ حقوقهم".
أيضاً وأيضاً في البيان الوزاري صدى أوّلي لما طرحته 14 آذار حول "الانتخابات والسلاح". فالحكومة تلتزم بموجب البيان "توفير الأمن في كل المناطق اللبنانية وغيره من الموجبات الكفيلة بممارسة اللبنانيين حريتهم في اختيار ممثليهم". وهذه الفقرة كانت من لزوم ما لا يلزم لو لم يكن "السلاح" يطرح نفسه بشكل ضاغط على العملية الانتخابية، ما يستلزم وثبة شاملة من الحكومة كما من المجتمع المدني كي لا يكون هو.. المقترع الأول والأخير.
لا التباس في هذا السياق، فالبيان يؤكد بالحرف "حصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين بيد الدولة، ما يشكل ضمانة لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الأهلي للبنانيين كافة". بمعنى آخر، لا سلطة أمنية للمقاومة، أو لـ"حزب الله" على أي لبناني. إنما السؤال يبقى، هل من سلطة أمنية وعسكرية للدولة على "حزب الله"؟!.
لا تفويض للمقاومة
هنا يمكن القول إنّ "المكسب البياني" تمثّل بعدم إقرار "حق منفصل" للمقاومة عن الدولة، وبعدم الإقرار لـ"حزب الله" بـ"حق طبيعي وحصري" بمزاولة أعمال المقاومة.
أولاً لأن البيان اعتمد مبدأ "وحدة الدولة ومرجعيتها في كل القضايا المتعلّقة بالسياسة العامة للبلاد"، كما لم يتطرق إلى "تحرير أو استرجاع" البقع الحدودية المحتلة إلا "انطلاقاً من مسؤولية الدولة في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور" وعلى أساس "الالتزام" وليس فقط "احترام" القرار 1701 "بكل مندرجاته".
وثانياً لأن "حق المقاومة" شيء و"حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته" شيء آخر تماماً. لم يعد ثمة شعب يفوّض فصيلاً منه بالمقاومة مثلما يفوّض نواب الأمة بتمثيله في الندوة البرلمانية. ولم يعد ثمة جيش يفوّض تنظيماً بسلطة أمنية وعسكرية حصرها البيان بشكل لا لبس فيه "بيد الدولة". للدولة يد واحدة. ليس لها أيدٍ تشتبك مع بعضها البعض.
لأجل ذلك فإن الإدعاء بأن البيان الحالي عاد وكرّر الشيء نفسه بحق المقاومة، مقرّاً لها بحق تتفرّد به عن سواها وعن الدولة، هو كلام فيه مجافاة لأبسط قواعد قراءة النصوص. أما القول بأن "الأكثرية جادلت 3 أسابيع وأقرّت بحق المقاومة" أو القول بأن البيان الحالي جعل من "المقاومة مؤسسة دستورية كحال الجيش" فهذه عبارات للاستهلاك السريع لا أكثر، وما الحاجة إلى مثل هذه العبارات إلا شاهد إضافي على أنّ ثمّة من افتقد في البيان الحقيقي حظوة كانت له في البيان السابق.
وفي المقابل، فإن كان البيان لا يروي بشكل تام ظمأ الاستقلاليين إلى حيث السيادة الكاملة والناجزة للدولة اللبنانية المستقلّة على ترابها الوطني وتحت حكم القانون، فإنّ عدم "اعتناء" الاستقلاليين بالمكاسب البيانية المحقّقة، والعزوف عن التأسيس عليها، سيزيدهم ظمأ.. بلا طائل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.