8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا سَندَ مطلقاً للمقاومة من منظار القانون الدولي

يفترض بجهاز "حزب الله" أن ينظّم، وعلى نحو عاجل، دورة تثقيفية بألفباء القانون الدولي لأولئك الذين يتحدّثون باسمه.
ما كانت تنقص كوادر الحزب هذه الدورة لو أنّه غضّ الطرف في مواقفه وتصريحاته عمّا يجيزه القانون الدولي ومّا لا يجيزه. أما وأنّ هذه الكوادر تجاهر صبحاً ومساء بـ"حقوق" لها في ذمّة الأعراف والمواثيق الدولية، بما من شأنه تصوير المخالفين لوجهة نظر "حزب الله" في الداخل اللبناني على أنهم "خارجون على القانون الدولي" وحابسون لحقوق المقاومين، فقد صارت هذه الدورة أكثر من لازمة. طبعاً، بشرط أن لا يحاضر فيها "بروفسورات المغالبة والممانعة" وآباء "المدونات الآلكترونية" الممعنة في.. "ثقافة المقاومة".
عودة إلى القرار 2625
أوّل ما يمكن أن تتفاجأ به الكوادر البرلمانية والإعلامية لـ"حزب الله" لو سمحت لها الظروف بالمشاركة في هذه الدورة، أنّ "الحق في المقاومة" الذي أناطه الفيلسوف الإنكليزي جون لوك بالإنسان الفرد، وحصره في باب دفع الاضطهاد، ولم يخض كثيراً في وسائله، ليسَت تتعامل معه الأعراف والمواثيق الدولية كقاعدة، وإنما.. كاستثناء على قاعدة.
فهذه الأعراف والمواثيق تجعل من "عدم اللجوء إلى القوة" قاعدة أساسية لمنظومة القانون الدولي. وما تاريخ القانون الدولي إلا تاريخ توسّعه في حظر أسباب اللجوء إلى القوة، ما يعني أيضاً توسّعه في فرض شروط قانونية على المواضع التي لا مناص فيها من اللجوء إلى القوة. أما النص اليتيم في "القانون الدولي" الذي يقيم حقاً اعتبارياً للمقاومة، فهو قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يحمل الرقم 2625، والصادر في 24 تشرين الأول 1970، كـ"إعلان متعلق بمبادئ القانون الدولي في ما يلي علاقات الصداقة والتعاون بين الدول". وقد كرّس هذا القرار المبادئ التالية: مبدأ عدم اللجوء إلى القوة، مبدأ الحل السلمي للنزاعات، مبدأ عدم التدخل، مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، مبدأ المساواة في السيادة بين الدول.
المقاومون والمواطنون
وفقاً لهذا الرزمة من المبادئ فقد اعتمد القرار 2625 "عدم اللجوء إلى القوة" كقاعدة لتسيير المنظومة الدولية، وشرّع اللجوء إلى "القوة المسلّحة" لا كحقّ بحد ذاته وإنما كـ"استثناء" محصور في حالة من اثنتين: فإما أن يكون اللجوء إلى القوة القاهرة مباحاً من مجلس الأمن في إطار الفصل السابع من شرعة الأمم المتحدة، وإما أن يكون مباحاً في حالة "الدفاع المشروع عن النفس" الذي هو بشكليه "الفردي والجماعي" بمثابة "حق طبيعي" بحسب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الصادر في 26 حزيران 1945، إلا أن المادة نفسها قد حدّدت "الدفاع المشروع عن النفس" بأنه يبدأ عندما تتعرض دولة عضو في الأمم المتحدة لعدوان مسلّح، وينتهي عندما يتخذ مجلس الأمن "التدابير اللازمة للحفاظ على السلام والأمن الدوليين"، وبالتالي لا يشرّع النص الدولي لـ"دفاع مشروع عن النفس" إلى أبد الآبدين، أو حتى لمكافحة التوطين. فحق "الدفاع عن النفس" في القانون الدولي كما في القانون المدني هو تعريفاً استثناء على مبدأ عدم اللجوء إلى العنف. ولأجل ذلك فقد أثار القرار 2625 التباساً شديداً في تاريخه، إذ أسرعت كل من دولة إسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا وقتها للاحتماء به، في حين أصّرت دول عدم الإنحياز على أنه يعطي غطاء لكل الأعمال المسلّحة التي تقوم ضد السيطرة الاستعمارية أو ضد الاحتلال الأجنبي أو ضد الأنظمة العنصرية. لكن هذا الإصرار لم يجد مسوغاً له في القانون الدولي، نظراً لصعوبة ايجاد تعريفات قانونية واضحة لهذه التصنيفات السياسية.
ليس سليماً إذن القول إن ثمة "حقاً في المقاومة" غير مرهون بأجل ولا بتحديد للوسيلة يكفله القانون الدولي. وفي كل الحالات، ليس هناك لا قانون دولي ولا قانون وطني للمقاومات. المقاومة هي بموجب المنظومة القانونية حالة استثنائية بانتظار استئناف الحالة الطبيعية، أي حالة بسط القانون الوطني للدولة المعنية لسيادتها فوق أراضي هذه الدولة، وحالة بسط القانون الدولي لمرجعيته المعنوية والعملية في ما بين الدول.
أما أن يكون للمقاومة قانونها، فهذا يعني إما إلغاء قانون الدولة فوق جزء من أراضيها لصالح قانون المقاومة، وإما أن تتزعزع بنية قانون الدولة بحد ذاتها لصالح قانون المقاومة. وهذه هي الحالة اللبنانية بالتحديد، ما يعني أنه وقبل الخوض في المقاومة من باب المنظومة الدفاعية، ينبغي الخوض في هذا الشأن من باب المنظومة الحقوقية. السؤال هو: هل تقبل المقاومة، وهل قبل المقاومون استطراداً، الخضوع لقانون؟ وهل يتكيف القانون مع المقاومة، ليستثني المقاومين من موجبات وتكليفات؟ كيف يتعايش في دولة واحدة "المواطنون" و"المقاومون"؟
مستويات مختلفة
وبالجمع بين مناقشة المقاومة من زاوية "المنظومة الحقوقية" ومناقشتها من زاوية "المنظومة الدفاعية" يمكن تفصيل أوجه مختلفة على أساسها، ومسائل السلاح ومواضع استخدامه. ليست المسألة فقط هي "استخدامه في الداخل" أو "استخدامه في الخارج". إنما هي متعددة وتشمل مستويات سبعة على الأقل:
ـ استخدام "السلاح" لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم المحتل من قرية الغجر.
ـ استخدام "السلاح" لتجاوز "الخط الأزرق" في المواضع التي ليس للبنان أراضٍ يطالب باستعادتها.
ـ استخدام "السلاح" لاستبقاء سيادة "حزب الله" على المناطق التي تخضع له منذ نهاية الحرب الأهلية.
ـ استخدام "السلاح" أو التهديد باستخدامه أو حتى استخدام هالته لتوسيع المناطق الأخيرة.
ـ استخدام "السلاح" لتفريخ وتنمية ميليشيات أخرى.
ـ استخدام "السلاح" لحذف قرار حكومي أو لمنع قرار حكومي من الصدور.
ـ استخدام "السلاح" لمدّ منظمات أجنبية تعمل خارج لبنان بالسلاح، أو للقيام بعمليات خاصة خارج لبنان.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00