8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

استيعاب دروس 7 أيار يتوقف على الخروج من أزمة الثقة اللبنانية ـ الأميركية

"التعنّت" هو أطرف إتهام يوجّهه مسؤول في "حزب الله" للأكثرية الحكومية والنيابية.
حتى الأمس القريب كان يجري تخوين الفريق الإستقلالي بحجّة "الإستقواء بالأميركيين" و"المراهنة عليهم" و"التآمر معهم" و"استدراج التدخل". أما اليوم فصار التخوين محصوراً بباب "التعنّت"، ويستهدف أولئك الذين لم يفهموا بعد أن المشروع الأميركي "تخلّى" عن حلفائه المحلّيين و"خذلهم" بل "خانهم"، أو أنه ظهر على حقيقته "فاشلاً" و"عاجزاً" عن انتشالهم من البلاء الذي يتمرّغون فيه.
"المتعنّت"، وفقاً لمعجم "حزب الله"، هو الذي يأخذ إتفاق الدوحة على محمل الجد، ويصدّق فعلاً صيغة "اللاغالب واللامغلوب"، وهو الذي يحمل أفكاراً ورؤى ما عادت تجيزها لحظة "التخلّي الأميركي" أو لحظة "إنكسار المشروع الأميركي" في المنطقة.
"سايغون" إن حكت
ميزة هذا النوع من التخوين أنه يخون مطلقه. إتهام بعض الفريق الإستقلالي بالـ"تعنّت" هو اعتراف بالشخصية المستقلّة لهذا الفريق، وإقرار بأنه لا يضبط ساعته، بشكل كامل على الأقل، على ساعة الأميركيين أو غيرهم، بل لا يبني موقفه من الأميركيين في الأصل، على هذه اللحظة أو تلك، بقدر ما يبنيها على الأهداف التي يسعى للوصول إليها، والسبل الأنسب التي يرتئيها لبلوغ هذه الأهداف. فأن "تراهن" على دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة ولا تجدها في نجدتك عند الضرورة، أو لا تجدها فعّالة في دفع الأذى عنك، وتبقى مع ذلك على مواقفك، فهذا إقرار بأنّك في مكان ما سيّد نفسك.
لكن البعض في "المعارضة المقاوِمة بالثلث المعطّل" لا يفهمون ذلك. منذ آب 2006 لا ينتظرون إلا تكرار مشهدية "سقوط سايغون" (عاصمة فيتنام الجنوبية) على يد ثوار "الفيتكونغ". ينتظرون لحظة "تخلّ أميركي" مدوية وإنهياراً عصبياً غير مسبوق في صفوف "حلفاء الشيطان الأكبر". طبعاً، كل ما يعرفه هؤلاء عن سقوط سايغون في 30 نيسان 1975 هو أن طوافة أخيرة أقلعت من سطح السفارة الأميركية من دون أن تستطيع إنجاد المئات ممّن احتشدوا سواء على السطح نفسه أو في المبنى والباحة. ننسى طبعاً أنه في ذاك اليوم التجأ أكثر من 330 ألف فيتنامي جنوبي إلى السفن الأميركية، وأنّ مئة ألف شخص كانت تنتظرهم طوابير الإعدام، ومليوناً اقتيدوا إلى معسكرات "إعادة التربية"، فيما نزح للتو مليون آخر، وأن "أدمغة" فيتنام الجنوبية هاجرت برمّتها إلى الولايات المتحدة، باستثناء من قبع منهم في المعتقلات، ولم تتمكّن فيتنام المعاصرة من إعادة الحيوية لإقتصادها في التسعينيات من دون الإستعانة بهذا الشتات الذكي الذي تلقفته أميركا.
هذا هو درس فيتنام الذين يدعو البعض في "المعارضة" فريق "السلطة" لإسترجاعه، بقصد التخلّص من آفة "التعنّت". لكنّ بيروت ليست "سايغون" كما أن "الضاحية الجنوبية" ليست هانوي، و"المتعنّت" ضد العصر وضد التاريخ هو الذي يؤجّج مناخات الفتنة، ويتباهى كالطاووس بالغلبة الأمنية، ويحدّد للآخرين ما يحقّ لهم مناقشتهم وما لا يحق، ويسألهم التكفير عن ذنوبهم وخطاياهم لإنقاذ ماء وجههم، وقد قال الإمام علي "ويحك سل تفقهاً ولا تسل تعنتاً".
"التخلي الأميركي" أو "نظرية المؤامرة"
لئن كانت تهمة "التعنّت" مردودة بمجرّد توجيهها من الطرف الذي يوجهها، فإنها تطرح إشكالية أساسية على الفريق الإستقلالي، هي إشكالية علاقته بأميركا هذه الدولة التي يتهم بأنه "يستقوي بها" تارة، وبأنها "يتّمته" تارة أخرى.
بموجب عملية 7 أيار الإنقلابية نشأت "إشكالية" لا يمكن العناية بجانب منها وتغييب الآخر. عندما وجّهت الحراب إلى بيروت، لاحت علامات استفهام كثيرة من لدن الجمهور السيادي حول تواضع الضغط الغربي، الأميركي والأوروبي، على سوريا، وعدم مبادرته لإتخاذ إجراءات حازمة نوعية لوقف الهجمة الأمنية في بيروت وبعض الجبل، وبدا لهذا الجمهور أنه بدل أن يؤدي "أسر" قوات الطوارئ الدولية بعد مصادرة المطار إلى موجة غضب عالمية، فإنّ دول العالم صارت تخاف على شبابها في الجنوب اللبناني، وتضغط لتخفيف الضغط على "حزب الله". وبعد 7 أيار وصلح الدوحة، وجد الجمهور السيادي أنّ سوريا وبدل أن تعاقب وتعزل أكثر فأكثر، صارت تدعى إلى المحافل الدولية، وتكرّم لأنها "سهّلت" الإنتخابات الرئاسية، بعد أن كانت وراء ستة أشهر من الفراغ الدستوري، وثلاث سنوات من حماية "التمديد" لإميل لحّود خلافاً لمقتضيات القرار 1559.
لكنّ ما ينبغي أن يستوعبه سياديو لبنان هو أن المعنيين الأميركيين بشأنهم درجوا بعد 7 أيار على توجيه "نقد رفاقي" مفترضين أنه كان على قوى 14 آذار أن تكون أكثر قدرة على الصمود الشعبي والسياسي أمام الآلة الأمنية، وأنه كان على الدول العربية المعتدلة أن تكون أكثر حيوية في مواكبة تطورات الأحداث اللبنانية.
لأجل ذلك لا بدّ من إطلاق حوار لبناني أميركي جديّ في هذا الإطار، وعلى المستويين السياسي والفكري، لكيلا يبقى هذا الشأن مصادراً من قبل معجم "حزب الله" الذي لا يفقه غير التخوين بتهم من نوع "الإستقواء بالخارج"، "استدراج الخارج"، "المراهنة على الخارج"، ومن ثم "التعنّت رغم تخلي الخارج".
بعد 7 أيار ثمة بالتأكيد "أزمة ثقة" متبادلة بين الحركة الإستقلالية اللبنانية وبين السياسة الأميركية في المنطقة، وتجاوز هذه الأزمة لا يكون بالعودة إلى مقولات مؤتمر باندونغ و"حركة عدم الإنحياز" (التي حلّت أخيراً على طهران محمود أحمدي نجاد)، ولا يكون كذلك بالدعوة إلى "مزيد من الإلتحام" بأميركا، على قاعدة "معاً معاً" في السراء والضراء. المطلوب معادلة ملكة ووسطية في هذا المجال، مع توسيع هامش عدم التأثر بـ"نظرية المؤامرة" التي يروج لها "حزب الله" عندما يتكلّم عن استقواء واستدراج، ولا يعرف بعد ذلك كيف يدرج نظرية "التعنّت" في إطارها.
لقد منيت الحركة الإستقلالية بضربة أمنية سانحة في 7 أيار. وما زالت الحركة الإستقلالية أمام مهمتين: حصر الأضرار وفتح تحقيق (ذاتي) شامل لتبيان كيف حصل ذلك. ولا يكون ذلك بتبني وجهة نظر "حزب الله" والتباكي بأن الغرب تخلّى عنا. فالعلاقة بالغرب وبأميركا لا يمكن أن تكون مطروحة في الأصل من زاوية مراهنة وتخلّ. حدود هذه العلاقة هي حدود الحركة الإستقلالية نفسها: أن يكون لبنان دولة مستقلة مثل غيره من الدول، لا أكثر ولا أقل.
ومن الجهة الأميركية فإن "أزمة الثقة" هذه لا يمكن تجاوزها بعودة واشنطن إلى سياسة تدير الظهر لتباشير الديموقراطية في الشرق الأوسط وتحصر همّها بالإستقرار وحماية المصالح الحيوية. أياً تكن الصعوبات، وأياً تكن تعقيدات المخاض، فليس يمكن لواشنطن إلا توسيع هامش التواصل سواء بسواء، مع الأنظمة والقوى التقليدية صاحبة المصلحة في الإعتدال، أو مع النخب المنحسرة لكن الراغبة في الليبرالية، وميزة الحركة الإستقلالية اللبنانية أنها همزة وصل ما بين الإعتدال والليبرالية، ولا يمكن لهذه الحركة استخلاص دروس أيار والتقدم مجدداً من دون وعي أن السياسة الأميركية في لبنان قائمة في "منزلة بين منزلتين" ما بين سياسة الإدارة التي أتاحت مخاضاً حقيقياً في العراق وما بين سياسة الإدارة التي تسببت بخنق هذا المخاض في فلسطين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00