"التناقض الرئيسي" في لبنان ليسَ بين "مشروع 8 آذار" وبين "مشروع 14 آذار".
فمشروع 14 آذار ما زال قيد التشكّل ولم يكتمل عقده بعد. هو يبتغي قيام لبنان كدولة مستقلّة مثل غيرها من الدول في العالم، غير أن الترجمة البرنامجية لذلك في غاية الصعوبة. فمن جهة أولى، لا يسع المشروع الاستقلالي مواصلة الدرب من دون الاعتماد بشكل أساسي على قوى وبيئات أهلية وتقليدية متنوعة عليه التوفيق في ما بينها، ومن جهة ثانية يكتسب هذا المشروع حيويته وتألّقه من النخب المدنية المطعّمة بالرؤى الإصلاحية والليبرالية. هو يحتاج كمشروع للجمع في آن واحد بين صقل بيئاته المتعدّدة بـ"الواقعية السياسية" وبين المثابرة على "التعبئة السيادية". هذه التعبئة قد تتخذ شكلاً "جذرياً" في لحظات بعينها، وليس في كل اللحظات، فـ"ثورة الأرز" هي ثورة بلا ثوار محترفين وهذه ميزتها لا نقيصتها. لكن الحركة الاستقلالية هي ديموقراطية من دون العدد الكافي من الديموقراطيين الليبراليين المصمّمين، وهذا بعض من أوجه عدم اكتمالها ومن تعقيدات مخاضها.
أما قوى 8 آذار، الموسّعة بعد انضمام التيار الوطني الحرّ في 6 شباط 2006 فإنها لا تمتلك مشروعاَ بل إثنين. وإن كان ثمّة "تناقض رئيسي" فهو القائم بين هذين المشروعين.
المشروع الأوّل اسمه "المشاركة"، أي المشاركة في تمثيل البلاد وفي حكمها وفي إدارة شؤون أبنائها.
المشروع الثاني هو "المقاومة"، أي سلب الدولة قرار الحرب والسلم، وسلبها السلك الديبلوماسي من حيث هو وجه من أوجه السيادة، والحؤول دون سريان حكم القانون على جميع الأراضي اللبنانية، وبالتالي رفض مبدأ المواطنية، وتكريس ظاهرة "الجزر الأمنية" وتعميم ثقافة "ضرب جابي الكهرباء" بحجة "مقاومة الحرمان"، وإقامة محاكم التفتيش الطيّارة والتلفزيونية لتخوين هذا وتبرئة ذاك، وغزو المدن بالدرّاجات النارية الصغيرة الحجم، واعتماد "وجهة نظر العضلات" في كل كبيرة وصغيرة. مع نفحة عنصرية تصوّر شريحة من اللبنانيين على أنهم "سوبرمانات" ليس في الشرائح الأخرى من "يسايف" الواحد منهم أو ينادده في ضرب الرمح، وليسَ من عدّاء يسبقهم.
استحالتان
"المشاركة" و"المقاومة" مشروعان في غاية التناقض. ليس كافياً القول إن أحدهما هو "ستار" أو "وسيلة" للثاني.
لا يخطئ من يرى أن العمل في "المقاومة" يزيد من حصّة الراعين لها أو "المدافعين" عنها، ويوسّع حيّز "المحاصصة" في إطار الدولة "المشتركة" مع الطوائف الأخرى. ولا يخطئ أيضاً من يرى أن توسيع "الحصة" السياسية والإدارية للقائمين بالمقاومة في إطار "الدولة المشتركة" من شأنه ترسيخ "الدولة الخاصة" التي يقيمها مشروع المقاومة كـ"دولة أشرف الناس" المنتصرة أبداً، إن شئنا الاستعارة من معجم "حزب الله"، أو كـ"دولة أهل الحق" إن شئنا الاستعارة من مأثور القرامطة، أو كدولة "أهل الخير" إن شئنا الاستفادة من "إخوان الصفاء".
بيد أن هذه المنفعة التي ينالها مشروع 8 آذار في "المشاركة" من مشروع 8 آذار في "المقاومة"، أو العكس، لا تلغي استمرار التناقض بين المشروعين. ليس يقدّم الواحد منهما حلاً للآخر. لذا يبقى المشروعان "مستحيلان" طالما أن الواحد منهما ملتصق بالآخر ومتناقض معه في آن.
يمكن للمرء أن يكون مع أو ضد "الديموقراطية التوافقية" في لبنان. ويمكنه أن يكون مع أو ضد مقولة "قوة لبنان في ضعفه". إنما لا يمكن للسوية الذهنية أن تكون مع "الديموقراطية التوافقية" وضد "قوة لبنان في ضعفه"، كما لا يمكنها أن تكون ضد "الديموقراطية التوافقية" ومع قوة "لبنان في ضعفه". هذا هو التناقض المنطقي الكبير الذي يقع فيه "تضارب المشروعين" عند قوى 8 آذار.
لكن قوى 8 آذار تصرّ على الجمع بين مشروعين يستحيل التوفيق بينهما على طول الخط، مثلما يستحيل "تحقيق" أي منهما. فهدف "المشاركة"، أيّ مشاركة، هو توسيع قاعدة الإتصال بين المجتمع والدولة، لكن "المشاركة" كما ترتأيها قوى 8 آذار تؤدي عملياً إلى "فرط" الدولة، أو على أقل تقدير، توسيع قاعدة الإنفصال بين مجتمعات بعينها وبين الدولة. وهدف "المقاومة"، أو المقاومة بالمطلق، هو بسط السيادة الوطنية على أرض كانت خاضعة لاحتلال أجنبي. لكن "المقاومة" كما تواليها قوى 8 آذار تستأثر بالأراضي المحرّرة وتمنع بسط السيادة الوطنية للدولة فوقها، بل تكفّ يد هذه السيادة في المناطق الأخرى.
الإغواء الأخير لمنطق القوة
لأجل ذلك يمكن القول إنه من الأفضل "سيادياً" للدولة اللبنانية، أن توقّع "على بياض" للمقاومة، سواء بحجّة "حدودية" أو من دون، بدلاً من أن توقّع هذه الدولة تنازلاً مشروطاً للمقاومة في ظلّ تغلغل الأخيرة في جسم وأجهزة الدولة وفي ظل القنبلة الموقوتة التي اسمها "الثلث الضامن".
ففي الحالة الأولى، ستتنازل الدولة بالكامل عن أمر ليس لها سلطة عليه، ولا يضيرها إشهار ذلك ببيان وزاري. "ليس لنا سلطة عليكم"، مثلما ليس لحكومة كولومبيا سلطة على مناطق شاسعة من أراضيها، ومثلما ليس لحكومة باكستان من سلطة على منطقة القبائل. لن يكون ما يعيشه لبنان في هذه الحالة وضعية ينفرد بها عن غيره من دول العالم الثالث. بل سيكون قادراً على التعامل مع الأمر بروية وحكمة والقول للمقاومين بأنكم أقوياء كفاية كي تفرضوا علينا التسمية التي تريدونها لأنفسكم، فقاوموا ما شئتم وكما يحلوا لكم، وحققوا انتصاراتكم "في ما وراء الإجماع والخلاف" وتحملوا في الوقت نفسه تبعات أعمالكم لوحدكم. لكم منّا "شيكاً على بياض" ما دمنا نتنازل لكم عمّا كان يفترض بالدولة أن تملكه لكن لا قدرة لها على تحقيق ذلك، ولا قناعة عندكم لتأمين ذلك.
لكن إدغام مشروعي "المقاومة" و"المشاركة" لا يرضى بذلك. هو لا يريد أن تكون الدولة "شريكة" في المقاومة، لكنه يريدها "شريكة" في "حماية المقاومة". وبدلاً من أن تطالب الدولة بالتنازل للمقاومة عن أراضٍ لا قدرة لتسلّل قانون الدولة إليها، ولا قدرة لبسط سلاح الدولة بل لا قابلية لانتشار فكرة الدولة المدنية المستقلّة بحدّ ذاتها، فإن هذه الدولة تطالب "بعكس ذلك" تماماً من قبل "حزب الله" وحلفائه. تُطالَب الدولة بأن تنكر رسمياً أنّ سيادتها منقوصة بفعل المقاومة، على ما يشي به القراران 1559 و1701، وتُطالَب الدولة أن تعلم القاصي والداني، بمن فيهم المجتمع الدولي الذي يتابع تطبيق القرارين المذكورين، بأنها دولة ليست تشتكي من أي "مقاومة" تنشب فيها، وأن "المقاومة" ليست "ميليشيا". "المقاومة الإسلامية" تفاخر بأنها لم تعد بحاجة إلى إجماع، وأنها لم تنتظره دوماً. لكن "المقاومة الإسلامية" نفسها تفرض على الدولة، وعلى الحكومة، الإقرار بأن الإجماع محقق تماماً حول المقاومة وسيّدها.
ما تطالب به "المقاومة" مستحيل. هي تفرض رأياً على الآخرين وتفرض معه أن "يقتنعوا" به بالفعل. هي تطلب من الآخرين أن يكونوا "رئة" لها وتقبض على خناقهم في الوقت نفسه.
وهذه هي أيضاً مشكلة العلاقات اللبنانية ـ السورية. النظام الحاكم في دمشق أراد أن تكون بيروت "رئة" له، لكنه أراد أيضاً أن يقبض على خناقها. في بداية التسعينات، كان يمكن لسوريا أن تتكيّف مع "المشروع الإعماري الليبرالي" في لبنان بشكل أو بآخر. وكان يمكن لهذا المشروع أن يوفّر أرضية حقيقية لتلاقي البلدين و"فطم" العلاقة بينهما، بما ينتشل الاقتصاد السوري من كبوته وينمي شبكة مصالح مشتركة حقيقية ويؤمن انحساراً تدريجياً للوصاية الأمنية السورية المرهقة والمكلفة للبنان وينعكس ايجاباً على الحرّيات العامة والخاصة في سوريا بشكل ليس فيه خضّات وصدمات، وبما يعزّز موقع البلدين في إطار التسوية الإقليمية الشاملة. لكن ما حصل أن سوريا أرهقت هذه "الرئة" المفترضة، وظلّت تهدّدها بالخنق، وهمّت في نهاية الأمر إلى "خنقها" بالفعل يوم قُتل الرئيس رفيق الحريري.
بعد الانسحاب السوري في لبنان، انتقلت هذه "العقدة" إلى "حزب الله". صار عليه هو الآخر أن يقبض على خناق شريكه في الوطن الذي يريده في نفس الوقت "رئة" له. وصار عليه أن يحاذر دوماً من مغبة فقدان الأعصاب، لئلاً يهمّ فعلاً بعملية الخنق. في 7 أيار قبض "حزب الله" على خناق بيروت أكثر من أي وقت مضى، وكاد يورّط نفسه في الخنق. طالبه بعض الشياطين بأن يدخل إلى سرايا بيروت ويصفّي "المخالفة الدستورية" وطالبه آخرون بأن يدخل إلى المناطق المسيحية. لكن لم يفعل. فقدَ مصداقيته تجاه الداخل اللبناني وتسبّب بجراح عميقة ومزمنة، لكنه لم يفقد أعصابه. لم يخنق "رئة" الآخر التي يحتاجها أكثر من أي كان. مع أنه لم يكن أمامه غير ذلك لو لم تكن الظروف مؤمنة للذهاب إلى الدوحة والعودة منها بصلح.
"صلح الدوحة" أنقذ "حزب الله" من ورطة حقيقية. أنقذه من انتصار مسموم. لكن المشكلة أن "حزب الله" بعد "الدوحة" أخذ يتصرّف كما لو أنه استطاع "حسم" المعركة بشكل تام وصاف قبل "الدوحة"، وكما لو أنه دخل السرايا وكليمنصو وقريطم ومعراب وقضي الأمر لصالحه. يحسب "حزب الله" أنّ "صلح الدوحة" قد منحه سلاحاً سحرياً هو "الثلث الضامن" بحيث يضمن القبض على خناق الشريك الآخر في الوطن والاستفادة من رئته في الوقت نفسه.
لكن "الثلث الضامن" سلاح سحري ذو حدّين. وللعب على حافة الهاوية محاذيره. لا يمكن أن تقبض على خناق الآخر طول الوقت، مخففاً الطوق حيناً ومشدّداً إياه حيناً آخر. في النهاية إما أنك ستتورّط في خنق الآخر الذي تريده "رئة" لك، وبالتالي ستخنق نفسك بنفسك، وإما أنك سترفع يديك عن خناق الآخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.