8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الاقتراع لمنع "السلاح" من الاقتراع

يوهم نفسه من يعتقد أن البلاد انتقلت بزجر زاجر أو بسحر ساحر من مرحلة الأزمات المستعصية إلى مرحلة التدرّج و"التأنّي" في ابتكار الحلول.
يخطئ من يتصوّر أننا لن نشهد، من الآن، ولغاية الإستحقاق الإنتخابي لعام 2009، غير انسياب قلق لكن طبيعي للأوضاع العادية. فتسير الأمور، وفقاً لهذا الدفق المتفائل، بشكل متباطئ حيناً، ومتسارع حيناً آخر، متشنّج تارة ومنفرج تارة أخرى، ولا تخرج في كل الحالات عن "الإيقاع" الذي أوحى به "صلح الدوحة".
فالبعض يرى إلى هذا "الصلح" على أنه تنظيم للوقت الفاصل ما بين غزوة 7 أيار التي لم تتحول بعد إلى "ماض" وبين الإنتخابات النيابية المنتظرة التي تطرح أكثر من سؤال حول "إمكانها". فيرتسم إيقاع "الوقت المستقطع" على الشكل التالي: معركة التكليف والتأليف ثم لحظة تهدئة وانشراح، معركة البيان الوزاري ثم نيل الثقة وتنفّس الصعداء من جديد، ثم أزمة وزارية من هنا أو من هناك ويليها حلحلة، ثم معركة "القانون الإنتخابي" والنظر في كيفية المواءمة بين التقسيمات التي أقرّها "صلح الدوحة" وبين النواحي الإصلاحية المستلّة من مشروع "قانون فؤاد بطرس"، وبعدها التوافق بهذا الشأن، قبل الدخول مجدداً في آلام الولادة التي ترافق التحضير اللوجستي للإنتخابات، ثم نتائج الفرز.
المقترع بسلاحه
من مصلحة قوى "المعارضة" الترويج لهذا التصوّر "الإنسيابي" للأمور، لأنه تصوّر سهل التكيّف مع خطاب أركان هذه المعارضة. هذا الخطاب يَعِدُ جماهيره بمنتهى الثقة بأن الإنتخابات المقبلة لن تكون إلا تصديقاً لعملية 7 أيار الأمنية، وأن كل ما يفصل بين "الدوحة" وبين صناديق الإقتراع ما هو إلا "مرحلة إنتقالية وجيزة" يصار بعدها إلى خلع "الأكثرية الموقتة والوهمية" والإتيان بـ"أكثرية أبدية وجوهرية". بالنسبة إلى "المعارضة" فإن نتائج الإنتخابات النيابية المقبلة قد حسمت أمنياً من خلال العملية المسلّحة "الموضعية" في بيروت وبعض الجبل، وإقليمياً من خلال المعادلات التي أوجبت "صلح الدوحة". والأمور في بلد كلبنان لا تحتكم لإستطلاعات رأي أو لمناظرات تلفزيونية أو لبرامج انتخابية مفصّلة كي تكون ثمة حاجة الى القلق على النتيجة الإنتخابية المحسومة والمسحوبة أمنياً في الساعات القليلة التي احتاجها مسلّحو "العصيان المدني" للسيطرة على العاصمة.
في المقابل، ليس من مصلحة قوى 14 آذار أبداً التعويل على هذا التصوّر "الإنسيابي" للأمور، والتوهم بأن ما أخذ من جماهير الإستقلال اللبناني الثاني بالقوة في 7 أيار يمكن أن يستردّ بشكل ديموقراطي في صندوق الإقتراع عام 2009، وأنه ينبغي انتظار ما بعد فرز آخر صناديق الإقتراع لطرح برنامج "إزالة آثار 7 أيار 2008".
إزالة آثار 7 آيار 2008 هي الشرط المسبق لتأمين ديموقراطية العملية الإنتخابية ونزاهتها، وليست هي النتيجة المتوخاة من هذه العملية الإنتخابية نفسها.
وهنا بالتحديد أهمية التوجّه الذي رسمته الحركة الإستقلالية لنفسها في "الورشة الرابعة" بالبريستول. فعندما ينادى بإخراج "السلاح" من المعادلة الداخلية، إحياء لمنطق التداول السلمي على السلطة، فهذا لا يعني أبداً أنه ينبغي إنتظار يوم الإقتراع العتيد للبحث يومها ما إذا كان "السلاح" أداة للضغط على العملية الديموقراطية أم لا، وما إذا كان "حزب الله" يسمح بتجوال المندوبين والمراقبين في المناطق الخاضعة لسيطرته أم لا.
الإنتخابات النيابية المقبلة، ستكون استفتاء تاريخياً. على الأقل هكذا يتعامل معها اللبنانيون وإن ساورتهم شكوك كثيرة حول الشروط الضرورية لإجرائها، نظراً الى عدم توافر هذه الشروط في الظروف الراهنة التي يعيشها البلد، ما يعني أن المرحلة التي تفصلنا عن الإستحقاق العتيد ليست "للإنسياب الطبيعي" للأمور مع بعض التقطّعات القلقة، وإنما هي مرحلة تأمين الشروط المفقودة حالياً لإنجاز العملية الإنتخابية في الحد الأدنى المتعارف عليه ديموقراطياً.
لا يكفي الإقتراع "ضد السلاح". ينبغي قبل ذلك منع السلاح نفسه من الإقتراع. لأن السلاح إذا ما كان هو المقترع، سيكون هو المقترع الأوّل، وسيقترع عن الآخرين، سواء أولئك الذين يغضون الطرف عنه أو أولئك الذين يندفعون إلى مساءلته.
128 استقلالياً؟
لا يعني ذلك أنه يمكن لـ"قوى 14 آذار" أن تستبدل معركة بأخرى، أو أن تقصّر في جانب من المعركة لصالح جانب آخر. بمعنى أوضح، على هذه القوى أن تخوض في الوقت نفسه، وبدرجة من التلازم والتكامل، معركتين.
فمن جهة، ثمة الجانب "البرلماني الصرف" من المعركة، أي الشروع في تصميم اللوائح الإستقلالية، والإتفاق لأجل ذلك على آليات اختيار المرشّحين، وتوزيعهم بحسب أطيافهم. ومن الطبيعي أن تكون هناك زحمة تنافسية، وينبغي أن تتعامل قوى 14 آذار مع ذلك على أنه ظاهرة حيوية، وأن تكون متجهزة كذلك للرّد بشكل محكم على حملة الإشاعات التي لن تتوقف حول "انقسام فريق السلطة" وغير ذلك من الشعارات التي سيروّجها فريق "معارضة الثلث الضامن".
ومن جهة ثانية، ثمة الجانب "السيادي المركزي" في هذه المعركة. وفي هذا الجانب بالذات يطرح شعار "لا إنتخابات في ظل السلاح" بما لا يعيق الإستعدادات "البرلمانية الصرف" للمواجهة الإنتخابية، وإنما ييسّر أمرها، على افتراض أن تكثيف طرح مسألة "السلاح" يتخطى مخاطبة الناخبين، إلى محاولة فرض أقصى ضغط ممكن على "السلاح" نفسه لتضييق مساحة تأثيره على الناخبين في الأشهر المقبلة.
السؤال الذي يطرح نفسه حينها، هو كيفية التوفيق بين الجانبين "البرلماني الصرف" و"السيادي المركزي" للمعركة الإنتخابية من موقع 14 آذار؟ وهنا ينبغي أن يكون الجواب حاسماً: بالإستعداد لأن يكون لـ 14 آذار 128 مرشحاً يغطون كامل المساحة الإنتخابية اللبنانية ويعبّر الواحد منهم عن قوى 14 آذار بشكل كامل. إذا كانت مرجعيات "المعارضة" تستخدم كل طاقاتها ووسائلها منذ الآن لرسم خارطة مرشحيها بشكل كامل على الخارطة اللبنانية بأسرها وتهتم بمعالجة كل كبيرة وصغيرة من تأمين توافق عوني ـ قومي سوري على المقعد الأرثوذكسي في مرجعيون إلى "استباق" معركة المتن لـ"الكشف" عن استعدادات ميشال المرّ و"التعبئة" ضدّه، إلى محاولة ضمّ عصام فارس إلى لوائح المعارضة بشكل رسمي، وإذا كانت المعارضة لا توفّر مناسبة وطنية أو غير وطنية إلا لزجّها في "الرّصيد الإنتخابي" المفترض لها، فإنه لا يمكن خوض المعركة من الجهة المقابلة، بشكل برلماني محترف وبطرح سيادي حقيقي إلا بمواجهتها بـ 128 مرشحاً لا يقبلون نقصاناَ، ما يعني الإستعداد لخوض المعركة الإنتخابية في كل الأقضية، بما فيها تلك التي "يهيمن" عليها أمنياً وخدماتياً "حزب الله" وحلفاؤه.
وهذا ما يعود فيؤكّد صعوبة تخيّل "المشهد الإنتخابي". صحيح أن لبنان عرف انتخابات نيابية تكتب فيها الغلبة لفريق على فريق ويحسم فيها الاستقطاب، كما حصل في العام 1968 يوم فاز "الحلف الثلاثي" على "النهج" الشهابي، إنما لم يحدث في تاريخ لبنان، أن تقابلت من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، لوائح من ائتلافين متواجهين. هل يمكن أن تحدث مثل هذه السابقة؟ وإن لم تحدث، فهل يمكن للإنتخابات أن تحدث، وأن تستحق اسمها كانتخابات؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00