غالباً ما كانت الدعوات تطلق في سني الوصاية السورية على لبنان لـ"تفعيل" عمل المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري.
حملت هذه الدعوات في التسعينيات "نقداً" ضمنياً للشكل الذي تردّت إليه العلاقات اللبنانية ـ السورية في ظلّ الوصاية، الا أن الأمر تبدّل بعد خلافة بشّار الأسد لوالده فصار "تفعيل" عمل المجلس الأعلى من المفردات العزيزة على الخطاب الرسمي السوري نفسه، بما يشبه الاعتراف بأن المجلس كمؤسسة من لزوم ما لا يلزم في ظلّ الوصاية الأمنية الشاملة لسوريا على لبنان، مع تأكيد الحرص في الوقت نفسه على القيمة الرمزية للمجلس الأعلى. فهذا المجلس جاء يتوّج مسيرة الانتقال "السريع" من مرجعية "اتفاق الطائف" إلى مرجعية "اتفاقية الدفاع والأمن" التي نصّت على "تأليف لجنة لشؤون الدفاع والأمن" مهمتها التأكد من "منع أي نشاط أو عمل أو تنظيم في كل المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية من شأنه إلحاق الأذى أو الإساءة للبلد الآخر"، والالتزام بـ"القبض" على "الأشخاص والمنظمات التي تعمل ضد أمن الدولة الأخرى" ومن ثم "تسليمهم إلى الجانب الثاني بناء على طلبه"، ومن ثم مرجعية "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" الموقعة بين البلدين في 22 أيار 1991.
التفعيل .. التفعيل
وقد أناطت المعاهدة المذكورة بالمجلس الأعلى "وضع السياسة العامة للتنسيق والتعاون بين الدولتين في كافة المجالات"، واعتبرت أن قرارات المجلس "إلزامية ونافذة المفعول في إطار النظم الدستورية في كل من البلدين"، وهذه عبارة ملتبسة ومبهمة أضف انها تغفل واقعة أنه من الصعوبة بمكان وصف النظام السوري بالدستوري، وفي كل الحالات من الاستحالة عقد "المواءمة" بين "النظم الدستورية" في كل من البلدين، إلا على قاعدة إلغاء مرجعية الدستور اللبناني واتفاق الطائف.
آخر الدعوات إلى "تفعيل" عمل المجلس الأعلى جاءت في 7 آذار 2005، وبتوقيع المجلس الأعلى نفسه، يوم اجتمع رئيسا الدولتين "المتعاقدتين" (وهو تعبير تستخدمه معاهدة الأخوة في الشق الذي تعنى فيه بالمجلس الأعلى) بشّار الأسد وإميل لحّود في دمشق. يومها أغفل البيان الصادر عن المجلس التطرّق ولو بكلمة إلى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري التي حدثت قبل ثلاثة أسابيع، ولم يتوجه بكلمة عزاء للشعب اللبناني. إنما حاول المجلس وقتها إعادة اكتشاف اتفاق الطائف الذي طالما تجاهله، وذلك للاحتماء به بغية الحيلولة دون الجلاء الشامل للقوات السورية والاكتفاء بـ"إعادة الانتشار"، معتبراً أن "المرحلة الثانية من استكمال سحب القوات السورية متروك أمره للحكومتين اللبنانية والسورية، بعد أن تدرس اللجنة العسكرية المشتركة تفاصيلها اللوجستية والتقنية". كان ذلك قبل يوم واحد من مشهد "شكراً سوريا" في 8 آذار، وقبل أسبوع واحد من 14 آذار الذي فرض الانسحاب العسكري السوري الكامل من لبنان بتوافق مع مضامين القرار 1559.
ومع أنّ المجلس الأعلى قد أطلق في 7 آذار 2005 الدعوة إلى "تفعيل" نفسه، إلا أنه كان واضحاً أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة وأن الأمور سائرة إلى تهميشه فوق ما هو عليه في الأصل. فنظام بشار الأسد كان يعترف بشوائب سادت العلاقات مع لبنان، لكنه يعيدها بطريقة أو بأخرى إلى مرحلة والده، ويقترح لمعالجة هذه الشوائب تفعيل اجتماعات المجلس. فكان يمكنك أن تقرأ في الصحافة الرسمية السورية على سبيل المثال "نقداً ذاتياً" من قبيل أن "المجلس الأعلى الذي تنص المعاهدة على انعقاده دورياً كل سنة لم يجتمع خلال السنوات الأربعة عشرة التي تلت المعاهدة إلا في ما ندر". لكن المجلس الذي ما كان مقدوراً له الانعقاد "إلا في ما ندر" في أيام الوصاية، ما كان يمكن أن تعوّل عليه سوريا كثيراً بعد جلاء قواتها، وانحسار وصايتها.
رغم ذلك، بقيت سوريا حريصة على بقاء "الأمانة العامة للمجلس الأعلى" ومقرّها في دمشق، ذلك أنّ هذه الأطر تشكّل "بديلاً" عن "العلاقات الديبلوماسية"، ويمكن في حال اضطرت سوريا لإقامة هذه "العلاقات الديبلوماسية" نتيجة قرار دولي أو ضغط من الدول الكبرى، أن يجري تمييع ذلك من خلال التركة الورقية للاتفاقيات والمعاهدات الأمنية وغير الأمنية.
الوصاية ليست وهماً
اليوم، يؤكّد وزير الخارجية السوري كما الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، أن هذه "المؤسسة" التي يطالب استقلاليو لبنان بحذفها جديرة بالبقاء، وأنها تحاكي نموذج "مجلس التعاون الخليجي". وهذه مغالطة ما بعدها مغالطة. أولاً لأن تاريخ المجلس الأعلى هو تاريخ الدعوات لـ"تفعيله" سواء ممن كان يرغب في التنفس من تحت وطأة الوصاية في لبنان التسعينيات، أو من قبل النظام السوري نفسه في مرحلة بشار الأسد. وثانياً لأن "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" ترسي رسمياً نوعاً من "العلاقات الكونفدرالية" المضمرة بين لبنان وسوريا، وهو ما من شأنه التمهيد لاحقاً لتفريغ "العلاقات الديبلوماسية" من مضمونها، ما لم تراع جملة شروط ومحاذير.
أولى هذه الشروط أن على سوريا أن تتقبّل إقرار الأغلبية الساحقة من اللبنانيين بأن "الوصاية" السورية على لبنان ما كانت "وهماً" بل "أمراً واقعاً" ومريراً أجج الحرب الأهلية لسنوات عديدة، وأعاق اندمال الجروح وقيام المصالحة في نهايتها، وألحق تشويهات بالغة بالاقتصاد اللبناني وبالثقافة اللبنانية فوق ما ألحقه بالسياسة وبأحوال النظام الدستوري في لبنان. بالتأكيد ليس يطلب لبناني واحد أن تقرّ سوريا في المرحلة الراهنة بهذه "الرواية الاستقلالية اللبنانية"، لكن ينبغي أن يفهم الحكم في سوريا أنّ هذه الرواية مركزية في تاريخ لبنان الحديث. وإذا ما احتسبنا القائلين بها بشكل أو بآخر، فإنهم كامل "قوى 14 آذار" زائد التيار العوني "حتى إشعار آخر"، بل حتى بعض النواب في "حزب الله" كانوا يستخدمون في بعض الأحيان تعبير "الوصاية السورية".
حجة "عوكر"
ثاني هذه الشروط هو أنه لا ينفع التحجج بأن "ما يحق للسفير الأميركي يحق للسفير السوري بدوره". في أيام الوصاية، كان "عامل" سوريا على لبنان ومركزه في عنجر، يدّعي أن من يخرق استقلال لبنان هو سفير أميركا في عوكر. بعد انحسار الوصاية، لم يحتج أنصارها في لبنان لأكثر من القول بأن الوصاية انتقلت من عنجر إلى عوكر. أما اليوم فإنهم يقولون بأنه من حقّ السفارة السورية في لبنان أن يكون لها ما للسفارة الأميركية من إطلالة على الداخل اللبناني، وهذا في وضع ما زال فيه بين سوريا ولبنان أكثر من ملف عالق، من المعتقلين والمفقودين، إلى ترسيم الحدود الذي حاول وليد المعلّم الالتفاف عليه بالحديث عن "اختلاط سكاني" في "المناطق الحدودية"، علماً بأن كل المناطق الحدودية في العالم تكثر فيها ظاهرة الاختلاط السكاني هذا، وليس ذلك بمانع لترسيم الحدود. ثم انّ ثمة آثاراً سلبية أيضاً لمرحلة "الوصاية"، أثرت على العلاقة ليس فقط بين الدولتين، إنما أيضاً بين الشعبين، وكلّها أمور لا يمكن القفز فوقها بالدعوة إلى أن يحظى السفير السوري في بيروت بـ"وضعية" السفير الأميركي عينها.
طبعاً المقلب الآخر من هذا المشهد هو قدرة لبنان على تعيين سفير لبناني بالفعل في دمشق، بدلاً من تكرار حالة السفير اللبناني في إيران الذي لا نعرف من استشار في السلك الديبلوماسي أو في الحكومة اللبنانية ليطلق في شباط الفائت من موقعه الدبلوماسي بالذات، دعوة تزكي الحرب المفتوحة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.