استثنائية الزيارة التي قام بها رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري إلى بغداد. واستثنائية للغاية زيارته النجف الأشرف ولقاؤه المرجع الأكبر للشيعة العرب آية الله العظمى السيّد علي السيستاني. التوقيت له دلالته اللبنانية كما دلالته العراقية. يأتي الحدث في بعده اللبناني بعد أن ظهر في أيار الفائت أن الفتنة المذهبية انتقلت من بغداد إلى بيروت، وأنّ مشهدية الفتنة صارت تصادر مشهدية "الصراع العربي الإسرائيلي" وتحاصر "مشروع الدولة" في لبنان. ويأتي الحدث في بعده العراقي بعد أن تمكنت القوات العراقية في نيسان وأيار من تحقيق انجاز كبير تمثّل بعملية "صولة الفرسان" في مدينة ومنطقة البصرة، فصار "مشروع الدولة" جدياً في العراق، ومدعوماً بقدرات حكومية وبإنتظارات شعبية واسعة، وأكثر قدرة على اجتياز مرحلة المفاوضات حول "المعاهدة العراقية الأميركية"، وأكثر تهيؤاً للإنتخابات التشريعية العام القادم، بحيث لا تعود أي طائفة عراقية تقاطع "العملية السياسية"، ولا تعود أي طائفة تحصر هذه "العملية السياسية" في الإطار الذي يناسبها.
دروس المخاض العراقي
في السنوات الماضية، كان يبدو أن مشهدية "الفتنة" محكومة بالفصام والإنقطاع: "شيعة" في العراق يتهمون بأنهم "استفادوا" من الإحتلال الأميركي على حساب "السنة"، و"سنة" يجري اتهامهم بأنهم يستقبلون المسلّحين العرب والأجانب ومن ضمنهم تنظيم "القاعدة". وفي المقابل "شيعة" في لبنان يجري تصويرهم على أنهم في موقع تحطيم الهجمة الأميركية على المنطقة، و"سنة" يجري إتهامهم زوراً مرّتين، مرة بأنهم "يراهنون" على "المشروع الأميركي"، ومرة بأنهم يدعمون "التطرّف" الذي على شاكلة "القاعدة".
نجح المخاض العراقي في تجاوز هذا الفصام، بعد أن صار هناك حيز مشترك لـ"مشروع الدولة" ما بين السنّة والشيعة والكرد، حيز لا يزال أمام العراقيين الكثير لترسيخه وتوسيع مداركه وتزويده بمناعة داخلية.
وينبغي الإعتراف هنا بأن المخاض العراقي الذي ابتدأ عام 2003 وإن كان أكثر دموية بما لا يقاس من "المخاض اللبناني" الذي ابتدأ عام 2005، إلا أنه استطاع أن يتجاوز مشهد "الفتنة المذهبية" القائمة على الفصام. لم يعد دقيقاً تصوير الأمور في العراق على أنّ "الشيعة" مع "الأميركيين" و"السنّة" ضد "الأميركيين". كذلك خرج السنة العرب في العراق سريعاً من منطق مقاطعة "العملية السياسية"، وإن قاطعوا الإنتخابات التشريعية الأولى، فإنهم شاركوا في الثانية، ويجري التحضّر للوائح مختلطة سنية ـ شيعية في الإنتخابات التشريعية الثالثة المنتظرة.
على أهميته يبقى المخاض اللبناني ثانوياً بالنظر إلى حجم ومدى المخاض الذي يعيشه العراق. وليس من المبالغة القول ان المخاض العراقي يقرّر إلى حد كبير مصير هذه المنطقة.
أما المخاض اللبناني فيمكن أن يخرج منه "مشروع الدولة" أكثر قوة من ذي قبل إذا ما استطاع استقاء الدروس والخبرة من المخاض العراقي، وإذا ما تأمنت أرضية منهجية ومثابرة للعمل اللبناني ـ العراقي المشترك.
العروبتان الجائرة والفاترة
قيمة هذا العمل أنه يقوم، من جهة لبنان، على "تنويع مصادر العروبة".
الوصاية السورية، كانت حصرت "العروبة" بها. تحولت "العروبة" إلى ما يشبه الإسم الحركي لـ"ظلم ذوي القربى". نال اللبنانيون حصّتهم من "العروبة الجائرة"، وكان قسم كبير من العراقيين قد نال هو الآخر حصّته من "العروبة الجائرة". والكويتيون أيضاً نالوا حصّة مهولة عندما غزا صدام حسين دولتهم.
لكن ما يجري إدراكه في لبنان منذ قيام الحركة الإستقلالية لتقويض الوصاية السورية وتحقيق الجلاء عام 2005 وإلى اليوم، هو أن "العروبة الجائرة" لا يستعاض عنها بـ"عروبة فاترة" من النوع الذي يتحوّل فيه التعاون بين أبناء اللغة الواحدة والوجدان الواحد إلى مجرّد كلام إنشائي. من هنا كانت أهمية بلورة عروبة أخرى لا تقوم لا على الجور ولا على الفتور، وإنما على العدل والإعتدال، وتنتظم وفقاً لشبكة تبادل الخبرات ومواءمة المصالح. وهذا تحديداً ما يمكن التعويل عليه عند الخوض في مستقبليات العلاقة اللبنانية ـ العراقية سياسياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، لاسيما أن المسألة السنية ـ الشيعية مطروحة، وإن بشكل مختلف في البلدين، كما أن العلاقة العربية مع إيران تطرح نفسها بشكل حسّاس وأساسي للغاية في البلدين.
ان خطو اللبنانيين والعراقيين كل من موقعه، وبحسب أولوياته ومصالحه والخبرات التي حازها في السنوات الأخيرة، باتجاه "تنويع مصادر العروبة" لكفيل بلجم الفتنة المذهبية التي اتخذت من العراق "مسرحها الأكبر"، ومن لبنان "المسرح الأصغر" لها.
الإعتدال والليبرالية
على صعيد آخر، يندرج "تنويع مصادر العروبة" في خانة الوصل بين مشروعين متحالفين موضوعياً لكنهما مختلفان: مشروع "الأنظمة المعتدلة" في المنطقة، ومشروع "القوى الليبرالية" في المنطقة. غالباً ما تحاسب الأنظمة المعتدلة على ما يقوله الليبراليون، وغالبا ما يحاسب الليبراليون على ما تقوم به الأنظمة المعتدلة. في الحالتين يجري المكابرة على التمايز الواقعي بين المشروعين، وذلك للتشهير، من موقع قوى "الممانعة والمكابرة" بكل منهما.
العمل اللبناني ـ العراقي المشترك كفيل لو جرت متابعته بحيوية الإنطلاقة وأكثر، بأن يؤمّن أرضية للتفاعل الواقعي والصريح بين المشروعين "المعتدل الرسمي" و"الليبرالي غير الرّسمي"، بمثل ما هو قادر على تجسير الهوة القائمة في هذه المنطقة بين كل من الليبرالية الإقتصادية والليبرالية السياسية.
العراق ليس عربستان
يشكل حال العراق اليوم حافزاً أساسياً لهذا العمل المشترك. لقد انخفض بشكل ملحوظ للغاية هذا العام معدّل العنف في العراق. نسبة الإنجاز الأمني لا تقلّ عن 80% مقارنة مع السنوات السابقة. القوات الحكومية أثبتت كفاءتها من الموصل حتى البصرة مروراً بالأنبار. التحسّن النوعي ليس يكابرُ عليه عارفٌ في الشأن العراقي. العراقيون على إختلافهم يشعرون بهذا التحسّن. يخافون عليه ويرغبون في المزيد.
لا يفهم العراقيون لماذا يتسابق أهل المكابرة والممانعة هنا وهناك لنفي التحسّن الأمني النوعي أو التقليل من شأنه. ليس بالمقدور الفهم لماذا يتمنّى "مناهضو العولمة وأعداء الإمبريالية" موت أكبر عدد ممكن من العراقيين، لا لشيء غير اثبات أنّ "المشروع الأميركي في مأزق في العراق والمنطقة". لا يمكن أن يتقبّل أبناء الرّافدين، مهما كانت طبيعة المشكلات السياسية والثقافية في ما بينهم، أن يعبر مسلّحون أجانب الحدود ليفجّروا أنفسهم في الأسواق الشعبية ببغداد أو في الصروح الدينية والحضارية، كما لا يسعهم التقبّل بعد كل ما اجتازوه من كوارث ومآسي في العقود الثلاثة الأخيرة أن يصادق عربياً واحداً على ما يجري ويعدّه "مقاومة".
العراقيون يتحسّسون أكثر فأكثر انبثاق "مشروع الدولة" من تحت الرّكام. وهم ينظرون، من هذا المنطلق، إلى المفاوضات حول المعاهدة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، من حيث أنها مفاوضات كفيلة، لاسيما إذا ما نجحت في تشذيب مسودة المعاهدة بما يبرز الوجه السيادي للعراق الجديد، في بلورة معادلة من نوع جديد، بحيث تجد كل جماعة إثنية أو طائفية عراقية ضمانات تحمي وجودها وأمن أبنائها وحقوقهم وحصّتهم من الثروة الوطنية، وبحيث تفرز ضمانات الحماية المتبادلة حماية مشتركة للعراق التعددي.
ومن الواضح أنّ العلاقات مع إيران هي المحك لإنضاج هذه المعادلة. العراقيون لا يرغبون في معاداة ايران، وليس فيهم اليوم من يطالب ايران بإعادة "عربستان"، أي الأهواز ذات الأكثرية العربية، إلى العراق، لكن ليس في العراق، وليس في شيعة العراق لمزيد من التحديد، من يرغب في أن تكون أي منطقة من العراق هي "عربستان" أخرى، خاضعة للتحكّم الإيراني.
هنا أيضاً ثمة عنوان كبير للتلاقي بين البلدين. لبنان لا يحكم ضد سوريا لكنه لا يحكم من سوريا، ولبنان واحد ليس يمكن التفريق فيه بين جبل لبناني سيادي وأقضية أربعة غير سيادية، وكذلك العراق كل أجزائه سيادية بنتيجة المخاض الدامي في السنوات الأخيرة، وهو لا يحكم لا ضد ايران ولا من ايران، والقيادات الشيعية السياسية كما الدينية واضحة للغاية في هذا الشأن عندما تتعاطى مع الجانب الإيراني.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.