8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حزب الله ينكث تعهده في "الدوحة" بعدم استخدام السلاح في الداخل التصعيد "الوقائي" ضد الجيش يتجاوز عقدة التشكيلات الحكومية

"لقد جاءتهم رايس". تلك صيغة أعتدنا سماعها من خطباء "حزب الله". ينكر هؤلاء الخطباء أن يكون المعارضون لحزب الله من لحم ودم، فيجعلونهم مجرّد بيادق تحرّك برمشة عين من ناظرة الخارجية الأميركية. لكن، والحال هذه، لا نعود نعرف لماذا يتوجب على البروفسور رايس تكلّف المجيء إلى بيروت، والمرور بمناطق غزاها حزب الله، ما دام بمستطاعها تحريك بيادقها عن بعد، في زمن عولمة الإتصالات، أو جلبهم إليها متى تشاء، فضلاً عن التواصل معهم من خلال سفيرتها الشجاعة والقريبة للقلب في عوكر؟
في العادة، يجيب الخطباء ضمنياً على هذا السؤال بطريقة أو بأخرى. يذهب بعضهم مثلاً إلى محاولة الإيحاء بأن رايس تتكلّف المجيء بدلاً من تحريك أنصارها عن بعد لأنها تريد رفع معنويات هؤلاء. ويذهب البعض الآخر إلى القول أن "التآمر" لا يكتمل إلا بمجيئها. هي نعم المفارقات: شرط التآمر الوضوح، بحيث يتخصّص الإعلام الحربي لحزب الله بكشف المؤامرات أولاً بأول، ومن طريق البث الحيّ، كما لو كانت كوندوليسا رايس مراسلة لمحطة "المنار".
لكن هذه المرة حاول النائب حسن فضل الله أن يتقدّم باجابة مبتكرة على سؤال "لماذا تأتي رايس إلى بيروت وكان يمكنها أن تحرّكهم عن بعد؟". هو لا يقول أنها تأتي لرفع معنويات أنصارها، وإنما لزعزعة هذه المعنويات. يقول فضل الله انها جاءت "لتخيب آمالهم"، ولتحلّ فيهم ساعة الندم. كما لو أن كل مهمة رايس في لبنان هي ضرب أعصاب أخصام حزب الله وسوريا في لبنان. بهذه الإجابة ترفّع رايس من مراسلة لمحطة "المنار" إلى ضابط انضباط في جهاز أمن "حزب الله".
أما لو سألت النائب حسن فضل الله لماذا خيّبت رايس آمال "فريقها" في لبنان، فستجد في خطبته الفطنة كل التفسير. هي "خيبت أمالهم، لأنها طلبت منهم، كما يقول أن يسارعوا في السير في ركاب المسار التفاوضي السوري7-7-. هنا يختلط الحابل بالنابل: يصير "المسار التفاوضي السوري" هو معيار الإنتصارات الإلهية التي يشايعها حزب النائب المذكور، وتصير قوى 14 آذار تخوّن لأنها "لا تريد السير في ركاب" المسار التفاوضي السوري. إنها النسخة الجديدة "لتلازم المسارين": يعاتب "حزب الله" قوى الأكثرية لأنها غير راغبة في أن تفتتح سفارة اسرائيلية في بيروت ما أن تفتتح سفارة اسرائيلية في دمشق، وفي الوقت نفسه هو يخوّن قوى الأكثرية لأنه قد ثبت بالجرم المشهود أنها "جاءتهم كوندوليسا رايس".
ولو لم تأت رايس إلى بيروت، لكان النائب نفسه اعتلى المنبر وحرّك إصبع الزجر والتهويل وقال: "أما رأيتم، لقد أنكرتهم رايس. لم تسأل عنهم. باعتهم لنا".
فحزب الله يعتبر أميركا عدوّه، ويخال أن الإتصال بها تهمة وعدم الإتصال بها أيضاً تهمة. يختلف موقف حزب الله من أميركا عن كل اللبنانيين الآخرين. فالإجماع اللبناني يقتصر على كنّ العداء لإسرائيل وليس لأميركا. في حين أن "حزب الله" يهتف للولايات المتحدة بالفناء والهلاك في الليل والنهار.
هذه مشكلة غير ثانوية مع "حزب الله"، أيديولوجية قدر ما هي سياسية. وكما أن الحزب غير مؤهّل للإنخراط في تسوية داخلية معمّقة طالما هو لم يتخفّف من الطاعة لولاية الفقيه، فإنه غير مؤهّل للإنخراط في هكذا تسوية طالما أنه يجعل من أعظم دولة في العالم عدوة له، ويفرض منطق هذه العداوة على لبنان. وإذا كان من غير الممكن أن يستقرّ الداخل اللبناني طالما بقي بمستطاع "حزب الله" تجاوز الخط الأزرق متى أراد، ولسبب يختاره وفي التوقيت الذي يناسبه أو يوحى إليه، فكذلك الأمر لن يقوم الإستقرار طالما أن الثلث المعطّل للحكومة اللبنانية رهن عقيدة أيديولوجية تعمل على محو أكبر دولة في العالم.
وحزب الله رغم أنه استطاع فرض كامل أجندته الداخلية على حلفائه من "أمل" إلا "التيار العوني" إلى أن عقيدة "الموت لأميركا" هي من النوع الذي ليس بمستطاع "أمل" أو العماد عون مجاراته فيها. وهذا لا يقلّل من شيء في كون حليف "حزب الله" الأساسي، أي العماد عون، ما زال يفاخر بأن الإستقلال اللبناني الثاني لم تصنعه قوى 14 آذار ودماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإنما الكونغرس الأميركي وقانون محاسبة سوريا.
ما بين الحرب النفسية والعقد النفسية
إذا كان النائب حسن فضل الله قد وضع حصّته من التصعيد العنفي اللفظي تحت عنوان "لقد جاءتهم رايس" فإن مسؤول العلاقات الدولية في "حزب الله" نواف الموسوي اختار عنواناً أكثر تجبّراً من نوع "حتى لو جاء جورج بوش شخصياً". يقول في حصّته التصعيدية: "ولو جاء جورج بوش شخصياً، لن يتمكن أحد من بناء قدرات أمنية أو عسكرية في لبنان ليضعها في مواجهة المقاومة، ولقد تصرفنا من قبل على أساس استباقي ووقائي ونتحدث منذ الآن دون أن نخدع أحداً وبكل صراحة، فإننا لن نسمح ببناء جسم أمني او عسكري في لبنان سيطعننا في الظهر".
اللافت في هذه المعادلة أنها تحاكي بالحرف مفاهيم "الحرب الاستباقية والوقائية" التي أشد من يرمز اليها هو جورج بوش الإبن. الأخير قام بهذا النوع من الحروب في أفغانستان والعراق. السيد نواف الموسوي يقول إن تنظيمه قد تصرّف من قبل "على أساس استباقي ووقائي". أين ومتى؟ هل يعني غزوة بيروت الأخيرة التي أمتدت إلى تومات نيحا وأعالي الباروك؟ أم هو يعود بالأمور سنة إلى الوراء، يوم وضعت "خطوط حمر" حظّر على الجيش تجاوزها، وصمد الجيش أشهراً، وجرى تجاوزها.
فمن الذي تصرّف بشكل "استباقي ووقائي" مع اللواء فرنسوا الحاج؟ ليس سؤالاً نافلاً حينما يتعلّق الأمر بتصريح ناري من السيد نواف الموسوي يهدّد باستخدام القوة الوقائية لضرب أي "جسم أمني أو عسكري" في لبنان "سيطعننا في الظهر". الكلام واضح: إنه يغمز من قناة الجيش.
وهو يتابع: "اذا فهم البعض أننا نغمز بهذا الكلام من الجيش اللبناني، فنقول انكم أنتم الذين تتطاولون على الجيش". هو طبعاً استبعد أن يكون تهديد الجيش بالقوة الوقائية من قبيل "التطاول". حصر "التطاول" في "من يفكر بوضع المقاومة في مواجهة الجيش". هنا أيضاً ينبغي الانتباه، فهو لم يقل "وضع الجيش في مواجهة المقاومة". هذا أيضاً تهديد مكشوف للمؤسسة العسكرية.
في الحقيقة، ليس ثمة من يريد "وضع المقاومة في مواجهة الجيش" بين قوى 14 آذار، لأن هذه الوضعية تعني "المقاومة" وحدها. هي التي تقرّر إذا كانت تريد أن تضع نفسها في وجه "الجيش" كما وضعت نفسها في وجه "المواطنين"، ويوم هي وضعت نفسها في وجه "المواطنين"، حاول الجيش أن يتجنب أن تضع نفسها قبالته.
لكن ثمة من يريد بالفعل، "وضع الجيش" في مواجهة "التعدي على المواطنين"، و"وضع الجيش" أمام المهام الملقاة على عاتقه بموجب القرار 1701. وثمة في نهاية الأمر، من يريد بالفعل أن لا يكون في لبنان من قوة مسلحة شرعية غير الجيش اللبناني. فكيف يكون ذلك "تطاولاً" على الجيش، ولا يكون التهديد بتوجيه ضربات استباقية الى الجيش "تطاولاً"؟
وإذ يذكرنا السيد الموسوي بالعقيدة العسكرية المثبّتة بالطائف "الذي تتحدثون عنه كثيراً"، فإنه يقول إن "مهمة القوات المسلحة في لبنان هي مهمة واحدة أي مواجهة العدوان الإسرائيلي ونقطة عالسطر". بطبيعة الحال، يمكن لأي كان الإطلاع على نص وثيقة الوفاق الوطني في الطائف. ثمة، أي نعم، تحديد للعدو بأنه اسرائيل، لكن ليس ثمة "حصر" لمهام القوات المسلّحة. أن تكون القوات المسلّحة الشرعية سيّدة نفسها فهذا يعني أنه ينبغي أن تصد أي عدوان أو أي تدخل معاد يستهدف الأراضي اللبنانية.
ثم أن اتفاق الطائف يربط أفق النزاع بين لبنان واسرائيل باتفاق الهدنة وليس بمحو اسرائيل من الخارطة. فهل بالمستطاع أن يختار السيد نواف الموسوي من الطائف ما يريد ويسقط منه ما يريد على هذا النحو، تماماً كما يخلط بين "الفتنة" و"مواجهة الفتنة".
أصلاً السيد نصر الله قال قبله، أن تنظيمه ما عاد يخاف الفتنة، في حين علمت بيروت ومناطقه أن تنظيمه هو القائم بالفتنة، وعقيدة تنظيمه مجترة من تراث الفتنة المذهبية الممتد قروناً مديدة إلى الوراء. لكن السيد نواف الموسوي يصرّ مع ذلك على أن "العالم العربي" (السنّي) كلّه يؤيد حزب الله الشيعي، ولأجل ذلك يمكن أن يجرّد "حزب الله" حملة ضد سنّة لبنان في معظمهم دون أن يسمّى ذلك فتنة. فهل كانت تنشب الفتن في التاريخ بغير هذا النوع من المعادلات المتذاكية المضحكة المبكية؟
وآية التذاكي في هذا المجال قول السيد نواف الموسوي "اننا اذا قبلنا أن نكون كأسيادهم وحكامهم لفتحت لنا أبواب البيت الأبيض ولعلّقت الاوسمة على صدورنا". هذا قول لا يجد مكاناً في معرض التحليل السياسي. ينبغي احالته فوراً الى قسم علم النفس... التحليلي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00