8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إلى جدّي أنيس

لم أعرفك يا جدّي أنيس، يا جدّي لأمي، يا والد "أبو أنيس"، يا نصفي "الأرثوذكسي"، يا ابن بتغرين. فأنا أبصرت الحياة بعد نحو ساعة أو ساعتين على وفاتك بالجلطة الدماغية.
لا أعرف إن عدّ ذلك في المعتقدات الشعبية فأل خير أو نذير شؤم، ولو كان البعض في العائلة قد اتجه لتفسير الأمر بنظرية "التناسخ". في أقل تقدير، كانت العلاقة بين موتك وبين ولادتي، فاصلاً واصلاً بين روحك وروحي، وغالباً ما كنت أحاول استذكار وجهك أو صوتك من جملة ما كنت ألتقطه من مرويات عنك وعن خصالك، فكنت تظهر لي كشخصية قدّت من نسيج خاص، يكتنفها السحر من كل جانب، ويميّزها الجبين العريض، والعبوس المحبّب، والساعد الحازم.
عرفتك في أحاديث لجدّتي نور، أم أولادك التسعة، وكنت استجمع "سيرتك" من نتف حكايات صغرى بناتك، أمّي. عرفت أنك كنت من الذين حملوا نعيم مغبغب على أكتفاهم ليرفع العلم اللبناني على البرلمان عام 43، وأنك كنت تشرب كأس الإستقلال اللبناني عاماً بعد عام.
عرفت أنك، كنت من أنصار "الكتلة الدستورية" بزعامة الشيخ بشارة الخوري، تماماً كحال جدّي لأبي، سركيس سعادة، ابن بلدة بجة في قضاء جبيل.
سقطاً لها أيام "الكتلة الدستورية" و"الكتلة الوطنية" يا جدّي أنيس. فالسياسة في الأربعينيات من القرن الماضي كان لها طعم آخر. كانت أكثر واقعية وأكثر رومانسية. وحتى الانتداب الفرنسي الذي ناضلتم ضدّه يا جدّي أنيس، أعذرنا لو عبرنا عن نزعة الحنين إلى صفحاته وآثاره، من فرط ما تجرّعنا بعد ذلك من احتلالات ومآس.
ربّما كان من الأفضل أن يطول المقام بهذا الإنتداب الفرنسي عقوداً إضافية إلى أن يبلغ الوطن مناعة في محيطه. على كل حال يا جدّي أنيس فحتّى الاستقلال الذي صنعتموه بوجه الفرنسيين وجد من يعكّر عليكم احياءه والاحتفال به، ووجد من يكفر بالوطن الذي صنعته إرادتكم عام 43، وبمعية الميثاق الوطني الذي يبقى أكثر حكمة من كل الافتراءات التي تحكم عليه بالتبسيط.
لن أطيل الكلام يا جدّي أنيس. أنا في العادة لا استسيغ الرسائل الموجهة إلى الموتى. لقد رحلتَ إلى العالم الآخر مباشرة قبل أن يخلى لي مكان في هذه الدار الفانية.
قد بقيت في وفاتك يا جدّي أنيس بعيداً عن قريتك. ربّما كان في ذلك حكمة تتجاوز ظروف الحرب الأهلية. توفيت بحرّية يا جدّي. جسدك الميت لم يقع في الأسر.
لكن المكاشفة واجبة في هذا المجال: إن جسد ابنك الشهيد واقع في الأسر. وقضية ابنك الشهيد يحاولون أسرها. أولئك الذين يعادون الاستقلالين الأول كما الثاني لا يريدون أن يكون لقضية جورج حاوي ملف يقدّم الى محكمة دولية. هم لا يريدون الحقيقة، لأنهم في مكان ما ستدينهم الحقيقة.. هي تدينهم منذ الآن، فقبل ساعات من الاجتياح الظلامي الأخير لبيروت حركوا زوراً وبهتاناً ماكينة البث والإشاعة اياها، لاغتيال قضية جورج.
لكن الماكينة الصفراء التي تحركت لأجل ذلك صارت كالتينة الملعونة يا جدّي، والشجرة التي زرعتها أنت باقية. الانتساب الى جورج حاوي معياره الانتساب اليك. والانتساب اليك يستوحي بعضاً من وثبة الإمام الحسين: "ما خرجت أشراً ولا بطراً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00