8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشمس قد تغيب لكنها لا تُظلم

اطمئن يا سمير قصير. للبيت ربٌ يحميه. لبيروت ربٌ، هو حاميها. انظر إلى خليجها تراه الخضر، جرجساً يقرأ السلام لروابيها، وينبت عشب الربيع حيثما حل.
اطمئن يا سمير قصير. ثورة الأرز جولات. وفي كل جولة، خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء. من يعرف الجمع والطرح يدرك أن المحصلة مشجّعة آخر الأمر، بالرغم من كل شيء.
لك، ولشهداء الاستقلال الثاني، تمام المحصلة. ولنا، نحن الأحياء باقي التفاصيل. الكفاح مرير، لأنه محكوم بالاستعداد، تارة لمنتهى اللين، وتارة لمنتهى الشدّة. الكفاح مرير، لأن لبنان الديموقراطي الليبرالي، الذي تتولى فيه الدولة أمن مواطنيها وتقرّر حال الحرب من حال السلم، ما زال يبتكر منظومته الدفاعية بوجه الظلام.
تمرّد في سجن رومية؟ لا تقلق. ما زال الجنرالات حيث هم. اجتياح جديد لبيروت؟ صور للشقاة ترفع مجدّداً في شوارع بيروت؟ لا، لم ترفع. دعنا نكذب عليك مرة واحدة. حرية الإعلام؟ لا لم تستبح غداة عيد الصحافة. البث لم ينقطع، ولو للحظة واحدة. الصحف واظبت على الصدور. لم تجر اقالة أي صحافي "باختياره". دعنا نكذب ونكذب يا سمير قصير.
المقاومة؟ لا، لا، يا سمير قصير، هي لم توجّه بنادقها لصدور الناس. في الباروك وتومات نيحا؟ مخيم صيفي تثقيفي في ذكرى النكبة! لا داعي لتحميل الموضوع أكثر من طاقته. دعنا نكذب حتى الثمالة يا سمير قصير. بحثوا عن السلاح لدينا، وجدوا قارورة غاز، وزجاجة فارغة.
ونصب الجندي المجهول في مدينة غزّة؟ ما بالك تسأل عنه؟ لا، لم يقتلعه أحد من مكان، ولا ديست صور الختيار.
كلّها تفاصيل عارضة، عابرة. دعنا نكذب عليك، ونحجب عنك هذه التفاصيل، كي تسطع من عندك حقيقة الحقائق. فالمحكمة الدولية، صارت من عناوين خطاب القسم في العهد الرئاسي الجديد يا سمير قصير. كذلك الندية مطلباً لارساء العلاقات، الدبلوماسية، بين لبنان وسوريا. لكن، هاك تفصيل ما هو بتفصيل: اتسعت رقعة الاعتقالات، ولم يطلق سراح ميشال كيلو، انما اعتقل فايز سارة.
رئيس الجمهورية الجديد آت من المؤسسة العسكرية؟ نعرف تحفّظك من الفكرة، من حيث المبدأ، يا سمير قصير. نعرف صعوبة المواءمة على طول الخط بين حس المثقف وحس السياسي. لكن، اعلم، أن خطاب القسم تضمّن نقداً ذاتياً يتعلّق بعدم تأمين الجيش الأمن للمواطنين في ليالي الغزوة المسلّحة الموتوسيكلية الأخيرة.
نحن في مرحلة لا نعاني فيها من تجاوزات المؤسسة العسكرية، انما نطالبها بكبح جماح تجاوزات المسلّحين. "عسكر على مين؟"... لا، لم ننس الشعار، وقد نعود لاستخدام صيغته متى دعت الحاجة، أما الآن، فترجمته العملية، والمركزية، تجري على النحو التالي: "مسلّحين على مين؟".
الآن كما بالأمس، وربما أكثر من أي أمس يا سمير قصير، يرتسم حلف السياسة والثقافة ومصالح الناس بازاء من يرى أن الحياة مصيبة ينبغي التخلّص منها عند أقرب قارعة طريق، وأن الفرحة خطيئة، وأن السبيل الوحيد للتوفيق بين منطق الإعمار وبين منطق المقاومة، هو الهدم لإعادة الإعمار، ثم الإعمار لإعادة الهدم، وهكذا دواليك، الى يوم يبعثون.
بعد حرب تموز، التي لم تشهدها يا سمير قصير، أضاف وضاح شرارة فصلاً جديداً على مصنّفه "دولة حزب الله"؟. أنت قتلت، فلم تتمكن من إضافة أي فصل جديد على "تاريخ بيروت". فجّرت سيارتك قبل أن تدور بها حول "الإعتصام ـ المعسكر" الذي دام عاماً ونصف العام في الوسط التجاري قابضاً على شرايين الحركة الاقتصادية، من بعد عدوان اسرائيلي بربري لم يتمكن اللبنانيون من بعده من التقاط الأنفاس. ووريت في الثرى قبل أن تشهد غزوة بيروت، لكن هل كنت لتؤرخ لتلك الغزوة؟
التاريخ ليس نافذة على ما قبل التاريخ. الشمس قد تغيب، لكن الشمس لا تظلم. ومار جرجس قد لا يراه أحد، لا في النهار، ولا في الليل، لكنه، يطفو بروحه على خليجه، خليج بيروت، ويحب بيروت، يحب سمير قصير.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00