8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

يحبّ حزب الله إعمال المقارنات بين النموذج الذي يتبعه في المقاومة وبين النموذج الذي قدّمته المقاومة الفرنسية.
ويفاخر قادة هذا الحزب، وفي مقدّمهم أمينه العام، بأن التجربة العسكريّة والأمنيّة التي يحرصون عليها أشرف وأنبل من المقاومة الفرنسية، كونها اكتفت بتسليم المتّهمين بالتعامل مع العدو الإسرائيليّ إلى القضاء، أو كما قال السيّد حسن نصر الله أمس الأوّل لم نفعل ما فعلته أي مقاومة في التاريخ، فكل مقاومات التاريخ أقامت محاكم ميدانية وعاقبت العملاء والخونة من أبناء وطنها إلا المقاومة في لبنان.
ما يستفاد من هذا الكلام أن حزب الله يأسف ويفخر في الوقت نفسه لأنّه لم ينظّم محاكم طيّارة أو ميدانيّة، ولم يطلق العنان لـالعنف الثوريّ الذي عادة ما تدمن عليه كل الثورات والمقاومات وتحيطه بطابع جليل من القدسيّة. كل هذا على الرغم من أنّ الأيديولوجيا الرسمية الدينية التي تلتزم بها مقاومة حزب الله تجعله مقاومة تقديسيّة لنفسها ولقادتها ولسلاحها أكثر من أيّ مقاومة سبقتها في التاريخ.
يفخر حزب الله ويأسف في آن كونه لم ينظّم محاكم ميدانيّة في أيّار 2000. لكنّه يحرص اليوم، وبعد تسع سنوات على إنجاز التحرير، بأن يضمن لنفسه الحقّ في تنظيم مثل هذه المحاكم في أيّ وقت كان، طالما أنّه لم يفعل ذلك إلا بداعي الفروسيّة لا أكثر. ويؤكّد بأن عمليّته الأمنيّة في 7 أيّار كانت شكلاً من أشكال التذكير بهذا الحق، وكذلك حمْلَته على القضاء اللبنانيّ في 7 أيّار الثاني، أي هذا العام، هي من باب التذكر بهذا الحق.
ينسب هذا الحقّ المزعوم في تنظيم محاكم ميدانيّة إلى تجربة المقاومة الفرنسيّة، وهي ككل المقاومات في أيّام الحرب العالميّة الثانيّة كانت جزءاً من صدام المحاور، ولو لم تضطلع القوات الأميركية بالإسهام الرئيسيّ في تحرير أوروبا الغربية من النازيين، لكانت بلدان مثل فرنسا وإيطاليا في قبضة المحور السوفياتيّ الذي لا يقلّ شموليّة وطغياناً عن النازيّة.
وهذه المقاومات، كانت كلّها إمّا مشاريع حرب أهليّة وإمّا جزء من حرب أهليّة في ظلّ الإحتلال، ولو لم ينجح مؤتمري يالطا وبوتسدام في تقسيم القارة العجوز لكانت المقاومة في فرنسا وايطاليا اسم للحرب الأهليّة لا أكثر، بل أنّها كانت كذلك منذ البدء إلا أنّه جرى النجاح في إيقاف في أسرع وقت بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها. وليس صحيحاً أبداً أن التشكيلات الأساسية للمقاومة في فرنسا أو في إيطاليا هي التي تولّت الحكم بعد الحرب، بل أنّها وجدت نفسها سريعاً في وضعية المعارضة، ولم تتمكّن من الإحتفاظ بسلاحها مطوّلاً. أمّا في البلد الذي تمادت فيه المقاومة بعد الحرب، وآثرت الإحتفاظ بسلاحها، فقد كان ذلك فاتحة لحرب أهليّة ضروس، وهذه حال اليونان.
فالمقاومات تترادف جزئياً أو كليّاً مع الحروب الأهليّة، وفي كلّ حرب أهليّة تتقاتل جهات مختلفة تسمّي كل واحدة منها نفسها مقاومة، وهكذا كان الحال في لبنان مثلاً، من المساندة اللبنانية للمقاومة الفلسطينية إلى المقاومة اللبنانية المسيحية إلى المقاومة الوطنية اللبنانية اليساريّة إلى المقاومة الإسلاميّة والمقاومة المؤمنة وما شاكل. وعندما لا تتوقف المقاومات بعد انتهاء الحروب الأهليّة فهذا يعنيّ أن الحروب الأهليّة بدورها لم تتوقّف بشكل كليّ.
ثم أنّ مفهوم المقاومة شيء ومفهوم حق الشعب في تقرير مصيره مفهوم مختلف تماماً. حق تقرير المصير هو حق إيجابيّ أصيل في القانون الدوليّ، وهو حق وواجب، إذ يستلزم من ناحية قدرة هذا الشعب على تحقيق نفسه في دولة وطنيّة، ويستلزم من ناحية أخرى إحترام هذا الشعب حق تقرير المصير للدول الأخرى، أو كما قال كارل ماركس ذات يوم إن شعباً يضطهد شعباً آخر ليس شعباً حرّاً.
أمّا مفهوم المقاومة فلا أصالة له في القانون الدوليّ ولو حاول دائماً أن يقحم نفسه إليه، فالحقيقة أنّ مفهوم المقاومة يناقض أساس الفكرة القانونية كونه يقسّم أبناء المجتمع الواحد بين وطنيين وعملاء وهذا تقسيم مشابه للعنصريتين الطبقية والعرقية في الأيديولوجيات الشمولية. يمكن طبعاً القبول إعتبارياً بمفهوم المقاومة في حدود حق تقرير المصير، أمّا عندما يشذّ مفهوم المقاومة عن الحق المكفول لشعب برمّته في تقرير المصير لا يعود هذا المفهوم إلا صدى لحرب أهلية مندثرة أو لأخرى ماضية إلى التفجّر.
وإذا كانت المقاومة الفرنسية هي النموذج الذي يستمدّ منه حزب الله الحق الذي لم يستخدمه بعد بمعاقبة الخونة والعملاء مباشرة، وإن ذكّر به موضعيّاً في 7 أيّار وإعلاميّاً بعد إطلاق الضبّاط الأربعة، فإنّ هذا النموذج قد فكّكته الدراسات التاريخيّة على امتداد النصف قرن الأخير.
فليس صحيحاً البتّة أن المجتمع الفرنسيّ انقسم ابان سنوات الإحتلال الألمانيّ بين مقاومين وعملاء. كانت الأكثرية الساحقة من الفرنسيين تؤيّد هدنة 1940 وحكومة فيشي والمارشال فيليب بيتان ومشروع الثورة القومية الذي طرحه، ولم تر إليه خائناً أو عميلاً بل بطل لمعركة فردان، وصانع مجد فرنسا في الحرب العالمية الأولى، والذي تحمّل لوحده مسؤولية هزيمة كان من أوّل المحذّرين من الوقوع في شركها.
وفي حين انتظر الشيوعيّون الفرنسيّون سنتين لمباشرة أعمال المقاومة، وانتظرت حكومة فرنسا الحرّة من المنفى أكثر من ذلك لتكون مقاومة بالفعل، فقد كانت مجموعات مقرّبة جدّاً من حكومة فيشي، ومحاطة بالعطف الأبويّ من المارشال بيتان البادئة في تنظيم أعمال المقاومة ضد المحتل الألماني، هذا في حين كانت أكثرية الفرنسيين تنظر إلى حكومة فيشي بوصفها أفضل شكل منظّم للإبقاء على الدولة ومواجهة الإحتلال والحفاظ على المعالم العمرانية والحضاريّة للأمّة، وإنقاذ باريس من الخراب الذي لحق بسائر مدن أوروبا. وحتى بعد أن قامت المقاومة من قبل الشيوعيين والديغوليين واستهدف قوات حكومة فيشي بشكل أساسي، أي فرنسيين آخرين، فإن ظاهرة ما عرف بـالفيشيين المقاومين قد استمرّت. واليوم صار من الصعب إنكار جرائم الحرب لعام 1945 والتي أودت بأكثر من خمسين ألف فرنسي في أسابيع قليلة بداعي تعاونهم مع الألمان. كذلك من الصعب إنكار ما راج على الألسن في فرنسا بـأن 40 مليون بيتانياً في ظلّ الإحتلال تحوّلوا إلى 40 مليون ديغوليّ بعد رحيل هذا الإحتلال. وإذا ما انتظر الفرنسيّون ثلاثة عشر عاماً بعد نهاية الحرب ليعرفوا الإستقرار مع دستور الجمهورية الخامسة لعام 1958 التي تقيم جمهورية برلمانية في ظلّ رئاسة دولة قويّة فيبقى لمشروع الماريشال بيتان في الثورة القومية الفضل في تقديم هذا التصور لأجل حل أزمة تخلّع المؤسسات الدستوريّة في فرنسا، وهناك مَن يبالغ أكثر فيقول إن المقاومة الحقيقية، النافعة، المجدية، مدينة في الأساس لأشخاص من أمثال المارشال بيتان.
إنّ حقّ الشعب في تقرير مصيره مختلف جدّاً عن الحقّ في المقاومة الذي هو أسطورة أوروبية من أيّام الحرب العالمية، أعاد الإتحاد السوفياتي مصادرتها لحسابه في أيّام الحرب الباردة، وعادت الولايات المتحدة فاستخدمتها في أفغانستان.
وفي لبنان اليوم يتواجه حق الشعب في تقرير مصيره كما تطرحه الإستمرارية التاريخية لثورة الأرز مع الحقّ في المقاومة المتباهي بعدم حاجته إلى أي إجماع وطني. والحق أنه وما لم تسارع الحركة الإستقلالية بمجموعها إلى تعميم ثقافة تفكيك مفهوم المقاومة وإعادة إحياء مفهوم حق الشعب اللبناني في تقرير مصيره من ضمن القانون الدوليّ، فإن ثقافة المقاومة، أي ثقافة جعل المقاومة فوق القانون، ستكون أكثر قدرة على تفكيك مفهوم الدولة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00