منذ ثورات تونس ومصر، وثمّة سؤال يطرح نفسه: هل تسبق حركة الشعوب العربية الأخرى باتجاه الانعتاق، واعتماد حاكمية الدستور، وحكم القانون، ومنطلق المواطنة، حركة الشعب اللبناني باتجاه الدستور والقانون والمواطنة؟ أم أنّه لا داعي للمبالغة في هذا السباق، ويمكن الاطمئنان عوضاً عن ذلك الى أن لبنان سيظلّ رحمة قياساً على نوبات التغيير والتغيير المضاد في المجتمعات العربية المصابة بالربيع، وأن التناقضات بين طوائف لبنان والقوى الإقليمية الراعية لهذه الطوائف، ستظلّ توجد متّسعاً لديموقراطية لبنانية ما، ولو مشوّهة ورثّة، بحيث لا حكمة في التنبيه إلى أن العرب، وهم منقسمون على ربيعهم، بين ربيع الحريّات وربيع الشريعة، سيكونون بصدد تجاوز مستوى الديموقراطية اللبنانية، واجتراح ديموقراطيات أرقى منها، مؤسساتياً وحضارياً؟
طبعاً، لا وجاهة هنا لفكرة اللحاق. ليس في ربيع الشعوب العربية الأخرى ما ينبغي أن يحمل اللبنانيين على اللحاق به كـنموذج في الانتقال الى الديموقراطية. أساساً لم يكن في لبنان نظام استبدادي محلي، بل نظام وصاية من النظام المستبد المجاور، ثم حرب إرهابية سرية شنها هذا النظام المجاور على حركة الاستقلال اللبناني عشية وإثر انسحابه ولدرء نفسه عن تداعيات هذا الانسحاب. أما مشروع الهيمنة الفئوية المسلّحة لـحزب الله، فيظل رغم خطورته الشديدة، محاصراً بـالمستحيلات، فهكذا مشروع يصلح لبلد يكون أكبر من لبنان وأقل تنوعاً طائفياً من تركيبة لبنان، ولا يصلح لبنانياً الا بشكل محدود وموقت ومسند بوابل من التدخّل الاقليمي.
ثم إن الصراع بين مدنيين وإسلاميين في تونس ومصر لا يمكن إسقاطه على الواقع اللبناني، الذي يبدو أكثر سوريالية: حزب الله الأصولي جداً ضمن مجاله الطائفي يتحالف مع التيار العوني المسيحي، الذي كان علمانياً في ألفاظه في التسعينات، لكنه صار تيار المزايدة الطائفية المسيحية بامتياز بعد تحالفه مع حزب الله، للتستّر على الطابع التبعي لهذا التحالف مع الجهة الأقوى عددياً والأكثر تحكماً بمنطق التعبئة الديموغرافية المنظّمة إيديولوجياً، والمرتبطة بهالة امبراطورية إقليمية، وبسردية ملحمية تربط المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان بالثورة الإسلامية في إيران.
في المقابل، فإن هذا التحالف يتهّم التحالف الاستقلالي الاسلامي - المسيحيّ المضاد له بأنه سلفيّ جهاديّ في السرّ، وانه أميركيّ خائن في العلن، مستخدماً بشكل نافر نعرة اللاسنية، وهي نعرة لم يفعل حزب الله أي شيء للتهدئة من شططها عند حلفائه المسيحيين، هذا في حين يواصل هذا الحزب تبرير اصراره على النظام النسبي، من موقع التظلّم لحقوق الأقلية المعارضة للحريرية داخل الطائفة السنية!
وسط كلّ هذه المعمعة، قد لا يكون هناك نموذج مصري أو تونسي يمكن للبنانيين التنادي للحاق به. المصريون والتوانسة أسقطوا أنظمة بوليسية يبدو النظام الأمني التابع لنظام الوصاية في لبنان حيالها هرّاً صغيراً. لكن المصريين والتوانسة خرجوا في ثورتين شعبيتين في أكثر البلدان العربية اقتراباً من نموذج الدولة الوطنية، أو الدولة الأمة، وفي المجتمعين اللذين على الاختلاف البيّن بينهما، وعلى ريفيتهما الزائدة بكثير على المنسوب اللبناني للريف والتريّف، انما يستندان الى لبنة العائلة النواتية المصغّرة بشكل أساسي، في مقابل بنية أكثر تشابكاً مع العائلة الفسيحة، والعشيرة، في لبنان.
لكن إذا لم يكن هناك نموذج مصري أو تونسي للربيع يمكن للبنانيين التنادي للالتحاق به أو تمثّله، فلا يسع اللبنانيون في المقابل الاتكال على ترداد صيغة مائعة رتيبة من قبيل الربيع بدأ عندنا. لا، ثمّة روحية للربيع العربي، أهم بكثير من الحديث عن نماذج يمكن اللحاق بها. هذه الروحية الربيعية العربية، تتجاوز بأشواط الروحية الربيعية اللبنانية، التي كانت عامرة في أيام انتفاضة الاستقلال قبل ثماني سنوات لكنها لم تستطع الحفاظ على دينامية تجدّد تلقائية، كتلك التي تميّز الفعل الربيعي المصريّ أو التونسيّ. وبدلاً من هكذا دينامية، ظلّت حركة الاستقلال اللبناني الذاتي ترسف بأغلالها الذاتية، بل الموضوعية، تحت دعوات استنهاض نفسها حيناً، ومناداة مجتمعها المدني حيناً آخر، مع تسجيل لحظات انفتاح على مفهوم النقد الذاتي، لم تستكمل.
الروحية الربيعية العربية هي ما ينبغي أن يتمثّله اللبنانيّون بتواضع التلميذ المجتهد وهو يستعد للامتحان. هذه الروحية الربيعية العربية ينبغي الاعتراف اليوم أنها غائبة عن أطر ثورة الأرز في حين انها حاضرة، كثيفة، فتيّة، في الكثير من الأنشطة المدنية. كمثال أمس، هذا التحرّك التضامني النسويّ اذ تشارك به نسوة من لبنان كما من أنحاء عدة عبر العالم، نصرة لنسوة مصر المنتفضات وما تعرّضن له في ميدان التحرير من أشكال إرهاب جنسيّ.
هي الروح الربيعية العربية في شاهد عليها. تحضر في النشاطية المدنية الآن وتغيب لبنانياً عن المستويات والأطر التقليدية من السياسة. تغيب لأبعد مدى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.