لم يبدُ الربيعُ اسماً على مسمّى كما بدا لي في هذه الأيّام القاهريّة.
لقد توالى نظام حسني مبارك، ثم العسكر، ثم الإخوان، على رفع شعار الاستقرار اولاً دون التمكن من توفيره أو الحفاظ عليه، بصرف النظر عن السجال حول أحادية أو تعدّد الأسباب والمسببين. وفي المقابل ظلّت النغمة الثورية الشبابية المصرية تشقّ طريقاً متعرّجة، الى ان كشفت عن سرّها: ليست غاوية استقرار، وهذا مصدر تألقها، ولا يسع خصمها الفلولي او العسكري او الإخواني الذي يستلم دفّة الحكم ثم يتدحرج عنها ان يواجه القوى المتمردة بشعار الاستقرار يرفعه الحاكم الحالي من بعد الحاكم الذي سبقه، لينطبق عليه المثل من فمك أدينك.
واذا كان للشباب المتمرد في شوارع القاهرة والاسكندرية ومدن القناة، اخطاء عدة في السياسة، منها استسهال المزايدة، وتمجيد الشعب المجرّد في مقابل التعالي على قسم كبير من عامة الناس بحجة انهم من فلول النظام السابق، او بحجة انهم من القاعدين في بيوتهم او ما يعرف بـحزب الكنبة، الا انهم في المقابل يظهرون دينامية للثورة المصرية قد يكون فضفاضاً عليها اسم الثورة المستمرّة، لكنها أقرب الى دينامية الحرائق التي تخبو فتنطفئ لتعود فتشتعل، وهكذا. هذا مع تسجيل فارق نوعي: منذ الاعلان الاستئثاري لمحمد مرسي صارت هذه الدينامية تفرض ايقاعاً أوسع، وصارت تعبّر عن حقيقتها اكثر، كـثورة حرافيش (وفي البال ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ) تستنهض المخزون الفوضوي في الوجود الاجتماعي المصريّ نفسه.
ترفض ثورة الحرافيش الاستقرار كشعار، ولا يسع الذي فشل في تأمينه، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً في مقابل تمسّكه به كشعار، أن يواجه أو يحاصر منطق هكذا ثورة.
بالطبع، هذه الحالة لها وقت محدّد ولا يمكن المجازفة بالتأسيس عليه لا في توسيع المكان ولا في توسيع الزمان. لكنها الحالة في القاهرة الآن، كما في الاسكندرية ومدن القنال التي حوّلت حظر التجوال المرسويّ الى مسخرة. المدن المصرية تستنزف الإخوان على طريقتها. كلما حاول الإخوان الهروب الى الامام كلما زادت ورطتهم اكثر. عوّلوا على التصادم بين ألتراس النادي الاهلي وبين ألتراس نادي المصري البورسعيدي. فكان ان حلّت خيبتهم على يد الألتراسين في وقت واحد. احتكموا الى هلوسات نظرية مؤامرة، عن ثورة مضادة يديرها الشيطان ضدّهم، فكان الرد عليهم بنظرية مؤامرة لا تقل هلوسة شاعت بين المصريين، عن مشروع اسرائيلي- قطري- تركي- أخواني لبيع قناة السويس!! لجأوا الى التديّن لإسباغ مشروعية على حكمهم، فكانت النتيجة ان المضادات الحيوية التي افرزها المجتمع المصري كانت فعالة على طريقتها، المختلفة مثلاً عن الطريقة التونسية.
في تونس، تواجه النهضة من موقع علماني جمهوريّ. في مصر، يواجه الإخوان من موقع الاسلام المصري. من موقع الرد على المنطق الديني بالمنطق الديني. فالحجة الشائعة بين المصريين ضد الجماعة، ان الإخوان يتاجرون بالدين، والإتجار بالدين حرام. ثم ان الإخوان مشكلتهم، انهم ليسوا بشكل اساسي رجال دين بالمعنى العلمائي للكلمة، بل اكثرهم من العلمانيين اجتماعياً بمعنى انهم من خارج السلك، ودون القدرة على ايجاد سلك جديد. هوية الإخوان حائرة في هذا المجال. رغم ان الجماعة ابتعدت بسرعة عن صوفية يجتهد البعض للقول بأنها كانت تطبع بداياتها، ولو جزئياً، وبقيت منها علاقة المرشد بالمريد، الا ان انسان الجماعة يجمع شيئاً من الدروشة الى شيء من الأدلجة الى كثير من التزمت الى اخلاق تجارية وعنيفة في آن، دون ان يكون بمستطاع هذا النموذج انتاج رجل دين من نمط جديد. في هذا، نجح السلفيون مثلاً وفشل الإخوان.
أكثر من هذا، يعاني الإخوان من اشتباه مزمن بـوطنيتهم شاع بين المصريين ويترجم احياناً بهلوسات من نظرية المؤامرة ضد الإخوان، وأحياناً بشيء من العنصرية. فيجري مثلاً تعميم صورة ايحائية او مجاهر بها، على انهم وافدون، دخيلون، من خارج نسيج المراكمة التاريخية المصرية، والثقافة المصرية. في هذا مجافاة للواقع وظلم لتاريخ الجماعة بالطبع. لكن فيه ايضاً مشكلة: في الحالتين الايرانية والتركية على افتراقهما، ثمّة جامع مشترك، وهو نجاح الحركة الاسلامية سواء في تمثّل أو في اعادة انتاج الاسلامين الايراني والتركي، بحيث تأمين عضوية الرابط بين الأمة بالمعنى القومي وبين الأمة بالمعنى الديني. أمّا في حالة الإخوان، فعبثاً. لا قدرة على تمثّل الاسلام المصري في جميع مفارقاته، ولا قدرة على ضبطه في قالب ايديولوجي دعوي شموليّ لإعادة انتاجه، وانفصال بين الأمتين القومية والدينية. اكثر من ذلك، منذ السبعينيات نجح الإخوان في تبليغ المجتمع المصري بأكثر ما عندهم، بحيث ما عاد ثمة ما يمكنهم تبليغهم اياه اليوم ويستحق الاسترسال في الحكم على هذه الشاكلة. واذا كانوا اكثر جماعة عانت الاستبعاد في مرحلة نظام يوليو، واذا كان لدورهم في ثورة يناير اسهام اساسي في ايضاح طبيعتها التجاوزية لميراث يوليو، غير ان الحكم لا يمكن ان يرسو على شرعية جائزة الترضية.
لا يعني هذا ان حسابات الشعبية تبدّلت بشكل دراماتيكي في مصر في الفترة الاخيرة. ما زال الإخوان يحتكمون الى نصف المجتمع يزيد او ينقص. اذا كان البعض يفرح لان المدن صارت محررة من سطوتهم، واذا كانت مدينة ميغالوبول كالقاهرة تستنزف بشكل متواصل رصيد الإخوان ودستورهم، واذا كانت تركة الحزب الوطني المنحل في مناطق الدلتا تحدّ من تغلغلهم فيها، فان الهيمنة الإخوانية على الصعيد، وخصوصاً حيثما وجد مسيحيون، لهي مشكلة جد خطيرة.
لكن في المسار العام، هذه الحالة الفوضوية، الحرافيشية، او بتسميات من قبيل الالتراس والـ بلاك بلوك قد سدّدت ضربة قاصمة للمشروع الإخواني في الفترة الاخيرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.