8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حاجة الممانعين إلى تبرئة القاتل والتغنّي بجريمته

المشتغلون في حملة الدسّ والافتراء والتحريض والذين يستبقون تقرير بيلمار بوابل من الشائعات والشتائم والتنظيرات المسرحية والمسرحيات المتلفزة هم رهط ليس يملك لا في السياسة ولا في الأخلاق ولا في المنطق إلا القياس البائس التالي:
مجموعة أصولية إرهابية هي التي قتلت الرئيس رفيق الحريري.
النائب سعد الحريري هو الذي موّل وجهّز المجموعات الأصولية الإرهابية.
إذاً، سعد الحريري هو الذي قتل رفيق الحريري ولا لزوم للمحكمة.
لا يملك الممانعون الأشاوس غير هذا القياس الذي ليس بقياس بل سفسطة.
تكرار الشيء نفسه
لا يملكون غيره ولا يستطيعون عنه فكاكاً. كلّ ما يزيدون عليه من حيل لفظية أو شتائم أو إشاعات أو تلفيقات أو مبادئ يدّعونها أو عقائد ينسبون نفسهم إليها لا يعدو كونه من لزوم ما لا يلزم.
فالـممانعة الخائفة من المحكمة الدولية ليس لها إلا تكرار هذا القياس المغالط نفسه بطرائق مختلفة. البعض يزيد عليه عبارة أو عبارتين استلّها من تراث قومجي عرّج عليه، والبعض الآخر يسقط شعاراً حفظه من تجربة يسارية حافلة في سرقة أحد البساتين أو في مصادرة منزل نصرانيّ هنا أو هناك من أجل البروليتاريا، فيما لا يملك قسم آخر إلا اللغة السوقيّة المحض.
ثمة أيضاً من يغرف من معين أدبيات العولمة البديلة ضد المحكمة الدولية على اعتبار أن المحكمة الدولية من مظاهر العولمة الفاسدة وتضرب حصانة الدول، وثمة من يستعين بتراث الإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام (في الوقت نفسه الذي يدبج مقالات عن آلام الغربة والهجرة في الغرب وعن عنصرية الرجل الأبيض والمتزلفين له في الشرق).
مؤامرة فم الذهب والقوات والقاعدة!
فإذا كان تراث رهاب الإسلام يدّعي بأن كل المسلمين إرهابيون بالفطرة، فثمّة في لبنان من لا يخجل من ترداد شيء من هذا القبيل ضد السنّة كسنّة. وعندما يستنكر سني واحد هذا الاتهام المقنّع أحياناً بعبارات خشبية فإنه يتهم بالإرهاب.
أما عندما يستنكر مسيحيون كثر ذلك لأنهم أقاموا مع السنّة شراكة استقلالية على قاعدة لبنان أولاً فيتهم هؤلاء المسيحيون هم أيضاً بالانضواء وراء السلفية الجهادية. وصل الأمر أن صدرت مطبوعة تتهجّم مرة واحدة كل أسبوع على قدس أقداس مسيحيي الشرق، القدّيس يوحنّا فم الذهب الأنطاكي، وتتّهمه بأنه وراء تنظيم القاعدة، وأنه صلة الوصل بين تنظيم القاعدة والقوات اللبنانية. ترى لماذا لا يتحرّك المجلس الكاثوليكي للإعلام بعد؟ وأين هو زعيم مسيحيي أنطاكية وسائر المشرق الجنرال ميشال عون؟ البطريرك صفير فهمنا، لكن أن يصار إلى التهجّم كل أسبوع على يوحنا فم الذهب يا جنرال؟!
هكذا تفتقت العبقرية الأكاديمية للممانعة على نظرية أنّ هناك مؤامرة كونية يقودها تنظيم القاعدة بالتنسيق مع جهاز الصدم في القوات اللبنانية تحت إشراف القديس يوحنا فم الذّهب.
تهافت أخلاقي ومنطقي
ليس هذا بمجرّد نموذج نافل عن بضاعة الممانعة ضد 14 آذار والمحكمة الدولية. كل دعاية الممانعة هي محاولة لجعل هذه المؤامرة الكونية القاعدية القواتية بإشراف يوحنا فم الذهب الأنطاكي (توفي عام 407 ميلادية) مؤامرة قابلة للتصديق ويمكن عرض نتف منها على شاكلة سبق صحفي أو تقرير إخباري أو اعترافات متلفزة ناهيك عن الخربشات التي تستدعي تبجيلاً من بهجت سليمان.
السؤال الذي يطرحه نفسه بعد ذلك: لماذا لا يملك الممانعون سنداً أكثر سوية من الناحية الأخلاقية والمنطقية والعقلية، بدلاً من تكرار معزوفة أن الأصوليين قتلوا الرئيس الحريريّ، وأن الأصوليين يدعمهم تيار المستقبل، مع أنها معزوفة أشبه باعتراف ذاتي بالانتساب إلى معسكر القتلة.
بمجرّد أن تنطق بشيء من هذا القبيل تدخل نفسك في دائرة الاشتباه، أو أقلّه في دائرة التطوّع لحماية دائرة الاشتباه الممتدة من الذي حاول طمس معالم الجريمة صعوداً إلى الذي نفّّذ، إلى الذي مهّد لوجستياً للتنفيذ، إلى الذي خطّط وأعطى التوقيت إلى الذي أصدر الأمر. وليست دائرة الذود عن المشتبه بهم خارجة كلياً عن دائرة الاشتباه، فهي تتحوّل بدورها إلى دائرة تحريض. تحرّض على مزيد من القتل، وعلى وجوب استكمال الجريمة الأم بجرائم أخرى.
يتهافت هذا القياس بالطبع من الناحية المنطقية: فحتى لو سلّمنا جدلاً بأن مجموعة أصولية إرهابية قتلت الرئيس الحريري، وحتى لو سلّمنا جدلاً كذلك الأمر بأن النائب سعد الحريري هو مايسترو تنظيم القاعدة وفتح الإسلام وكل الأصناف فهذا لا يصل بنا إلى الخلاصة بأن سعد الحريري هو الذي قتل رفيق الحريري ولا لزوم للمحكمة. بل إنه سبب إضافي لتدويل التحقيق وتدويل المحاكمة وما بين التدويلين وضع كل ما ينسب إلى مجموعات أصولية من هجمات سواء في لبنان أو في سوريا في عهدة التحقيق الدولي.
أما من الناحية الأخلاقية فيتهافت القياس بسرعة أكبر: لأنه كي يكون مسنداً من هذه الناحية فينبغي أن يكون كل شهداء ثورة الأرز قد قتلوا على يد آبائهم أو أبنائهم أو زوجاتهم، وينبغي أن يكون الآباء والأبناء والزوجات على علاقة بتنظيم القاعدة وفتح الإسلام.
مع ذلك، ورغم ضعفه منطقياً وأخلاقياً، يحرص الممانعون الأشاوس على هذا القياس الذي لا يملكون غيره. لماذا؟ هل فقط لأنهم لا يملكون سواه؟!
كلا. ثمة سبب إضافيّ. لا بدّ! هم يحتاجون في نفس الوقت ليس فقط إلى القول بأن الرئيس الشهيد قتله أصوليون انتحاريون سنّة بل إنه كان ينبغي أن يُقتل لأنه سنّي والسنّة يجلبون التطرّف والإرهاب، ولمّا كان من المتعذّر قتلهم جميعاً، فينبغي أن يعرف كل واحد منهم أن قتل زعيمهم هو قتل اعتباري له أيضاً.
وهم يحتاجون كذلك الأمر لهذا القياس البائس للقول بأنه ينبغي قتل سعد الحريري، وينبغي هنا أيضاً إلصاق التهم مسبقاً بالـمجموعات الأصولية الإرهابية، وينبغي أن لا يخف التحريض على القتل أبداً، بل أن يزيد ويتعاظم بعد قتل الرئيس الحريري، وكلّما تقدّم التحقيق الدوليّ في جريمة اغتياله أو في الجرائم المتسلسلة التالية.
لا يملكون إلا هذا القياس المتهافت والشائن، لكن البعض يحاول أن يتفنّن. البعض يحاول عبثاً أن يفرض نفسه كـخبير في الإرهاب وأن يبرّر في الوقت نفسه لإرهاب جماعات أخرى وأنظمة أخرى. البعض يجد صعوبة في تبرير لماذا هؤلاء الإرهابيون السنّة لا يستهدفون أحداً غير السنّة، ولماذا تكون النتيجة بعد كل حادثة هو أن السنّة بمجموعهم توجّه لهم تهم ضمنية أو علنية بممارسة التطرّف والإرهاب؟!
والبعض يستشعر بأنه مضى بعيداً في التحريض المذهبي بل العنصري على الطائفة السنية فيهم بتحريض موازٍ على المسيحيين، وتحديداً الموارنة، وهو ما بدأ يثير حفيظة العونيين الذين صاروا يسألون كوادرهم: أنتم تأمروننا بقراءة هذه المطبوعات، لكن ما بالها كالحة تشتم ليس فقط البطريرك صفير وإنما كل سلسلة البطاركة من إيام يانوح وإلى اليوم؟ وما بالها تهجو إبن القلاعي؟
المحكمة ضرورة تاريخية
كل هذه المفارقات ليست إلا من تداعيات التناقض الأكبر لدى الممانعين حيال جريمة اغتيال الرئيس الحريري: هم يحتاجون في نفس الوقت لتبرئة القاتل وللتغني بجريمته ولحثّه على ارتكاب جرائم أخرى. لماذا؟ لضرورة تاريخية.. هذا ما يفتي به أحمق الممانعين، أي من عرج منهم على تراث الماركسية ليبحث فيه عن مسوّغ لحماقاته.
ففي معرض التحريض على رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري يمكن أن تقرأ مثلاً تهمة مبتكرة في إحدى الصحف العبقرية. تقول هذه الصحيفة إن سعد الحريري لا يفهم فلسفة هيغل. لماذا؟ ربّما لأن سعد الحريري لم يكن له بازاء النظام السوري الموقف الذي أبداه هيغل عند مرأى نابليون الأول. نابليون غزا ألمانيا فرحّب به هيغل لأنه العقل إذ يمتطي صهوة جواد. في المقابل لم يرحّب سعد الحريري بقتل والده ولم ير في ذلك ضرورة تاريخية، بل رأى مثل هذه الضرورة التاريخية والأخلاقية والإنسانية والوطنية في إجلاء الحقيقة وإحلال المحكمة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00