عندما أصر رئيس الحكومة سعد الحريري على ربط تنفيذ سلسلة الرتب والرواتب بإقرار إيرادات لتمويلها وإلا فإننا سنقع في المحظور الاقتصادي وانهيار المالية العامة، استعاد المتابعون المشهد نفسه قبل نحو عشرين عاماً، وتحديداً بين اعوام 1996 و1998 اثناء المداولات والمناقشات التي كانت تجري من أجل إقرار سلسلة رتب ورواتب للقطاع العام. حينها، رفض الرئيس الشهيد رفيق الحريري بشدة إقرار سلسلة من دون تأمين الموارد الكافية لتمويلها، ولذلك بقي المشروع الذي أقره مجلس الوزراء في 16 حزيران 1997، معلقاً. وبعدما أرفق المشروع بورقة إصلاحية وضرائب لتمويل السلسلة، أرسل إلى المجلس النيابي. لكن المماحكات والمناكفات والخلافات السياسية في حينه أطاحت الإصلاحات التي كان ينوي فريق الرئيس الشهيد تمريرها من أجل الحد من انعكاسات السلسلة على الاقتصاد من جهة، وتعزيز الإنتاجية وحسن الأداء والمساءلة من جهة أخرى. فوقع لبنان في المحظور مع هذا الإجراء الذي كان عاملاً كبيراً (بالاضافة إلى عامل دعم مؤسسة كهرباء لبنان)، وبالتقاطع مع خروج الرئيس الشهيد من الحكم، في تراجع كبير للنمو الاقتصادي الذي كانت سياسات الرئيس ترتكز على تعزيزه انطلاقاً من القناعة الراسخة لديه بأنه الانطلاقة الأساسية لأي سياسة اقتصادية سليمة. وكانت أبرز تداعيات هذا الإجراء:
- وصول النمو إلى حدود -1 في المئة في العام 1999 بعدما كان يسجل 7.8 في المئة في العام 1998.
- تجاوز الدين العام الـ23 مليار دولار بين نهاية العام 1998 ونهاية العام 2000 بعدما كان يبلغ 18 مليار دولار في 1998 وبلغ ما نسبته 153 في المئة من الناتج المحلي خلال العام 2000 (أحد أعلى المستويات في العالم في حينه).
- ارتفاع العجز في المالية العامة إلى نسبة 23 في المئة من الناتج المحلي في العام 2000 مقارنة بـ14 في المئة عام 1998.
- انخفاض في الاستثمار الداخلي وتقلصاً في الإنفاق الإعماري للحكومة.
- انعدام الثقة بالاقتصاد تعزز بتراجع كبير في الاستثمارات الخارجية، وضغط كبير على الليرة وارتفاع الدولرة ما أدى إلى تراجع احتياطات مصرف لبنان بالعملات إلى 5.7 مليارات دولار بتراجع 1.6 مليار دولار وهو كان ادنى مستوى له منذ العام 1996.
- غياب الاكتتاب من قبل المصارف اللبنانية في سندات الخزينة، ما دفع الحكومة إلى رفع معدلات الفوائد على سندات الخزينة لتصل إلى 16 في المئة.
- تسجيل ميزان المدفوعات عجزاً قدره 289 مليون دولار في 2000.
- ساءت تصنيفات لبنان الائتمانية مرفقة بتوقعات سلبية.
يقول الرئيس فؤاد السنيورة الذي كان وزير دولة للشؤون المالية في حينه والذي ساهم في إعداد الورقة الإصلاحية المرافقة لسلسلة الرتب والرواتب، إن ما حصل كاد يوصل إلى تعريض البلاد لخطر خفض الليرة في العامين 2000 و2001 لولا مجموعة من السياسات والإصلاحات التي انتشلت البلاد من خطر الإفلاس المالي والاقتصادي. يضيف في مطالعة له: تداركاً لتداعيات ذلك (إقرار السلسلة) كانت الخطوة الإصلاحية الهامة التي أقرتها الحكومة ومجلس النواب في المالية العامة والتي تمثلت آنذاك بقانون الضريبة على القيمة المضافة في العام 2002. تبع تلك الخطوة وقوف المجتمعين العربي والدولي إلى جانب لبنان من خلال مؤتمري باريس-II وبعدها باريس-III والذي تمثل بمجموعة كبيرة من المساعدات واكبها لبنان بإصدار تشريعات إصلاحية كقانون الكهرباء والاتصالات وعدد من الإجراءات الإصلاحية الأخرى منها ما نفذ ومنها ما التزم لبنان بتنفيذها ولم تتحقق. هذه الخطوات هي التي سمحت للبنان بالتغلب على المأزق الاقتصادي والمالي الخطير الذي وقع فيه وسمح للاقتصاد اللبناني بعد ذلك بتحقيق معدلات جيدة من النمو وكذلك من القيام بتنفيذ عدد من المشاريع التنموية في البلاد.
ولا بد أيضاً من التذكير بأن حكومة الرئيس الشهيد باشرت فور تأليفها في العام 2000 بوضع برنامج إصلاحي من أجل الخروج من هذا النفق، قوامه ثلاث دعائم أساسية:
- العودة إلى تحفيز القطاع الخاص للقيام بالدور الذي لطالما لعبه كونه المحرك الأساسي للنمو، والعمل على دمج اقتصاد لبنان في حركة الاقتصاد العالمي.
- تعزيز وضعية المالية العامة وتحسين هيكلية القطاع العام المالية للحد من تزايد عبء الدين العام على الاقتصاد والموارد المتاحة.
- الحفاظ على الاستقرار النقدي وضبط معدلات التضخم.
هذه لمحة عما حصل في الماضي لنقول أن التشريع في السلسلة والأجور لا يمكن أن يبنى بالمواقف العاطفية بل بالأرقام واحترام التوازن بين النفقات والإيرادات لكي تحافظ المالية العامة على وضعها الواهن أصلاً. وكما قال الرئيس الحريري أول من أمس في المجلس النيابي إن عديم المسؤولية هو ذلك الذي يفكر بالسلسلة من دون إصلاحات ومن دون ضرائب. صحيح يكون شعبياً أفضل، ولكن ماذا يحصل بعد أشهر؟ ماذا سيحصل إذا انهارت الليرة؟ هل نقول يا ريت؟ لا؟ حينها يكون البلد قد انهار.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.