تتجه الانظار اليوم الى مجلس النواب حيث تعقد الجلسة 46 لانتخاب رئيس للجمهورية والتي يتوقع ان تنهي فراغا طويلا عطّل البلاد ومؤسساته الدستورية، وأنهك الاقتصاد، وشل القطاعات الانتاجية، وشكل احد الاسباب الرئيسية في خفض معدلات النمو.
وفي ظل الوضع السياسي الداخلي الصعب، تدخل مصرف لبنان على اكثر من مستوى لتحفيز النمو بالتوازي مع محافظته على سياسة تثبيت سعر الليرة. فطرح بداية رزما تحفيزية انعكست ايجابا على زيادة نسب النمو التي كانت قاربت الصفر. الا ان تفاقم الوضع السياسي الداخلي وانعكاساته الاقتصادية وتراجع الوضع التمويلي في المنطقة، دفع مصرف لبنان الى ابتكار هندسة مالية أكسبت الوقت نقديا لانها هدفت الى تعزيز الموجودات في العملات الاجنبية وتوفير السيولة اللازمة لتدعيم ميزانيات المصارف والسيولة الضرورية لتمويل الاقتصاد بقطاعيه الخاص والعام.
هذه المعالجة يجب ان تكون قصيرة وموقتة يقول رئيس لجنة الرقابة على المصارف سمير حمود لـالمستقبل، واصفا السياسة النقدية بـالقبطان القادر على اخذ السفينة الى بر الامان لكن لا يمكنه ان يبحر بها بعيدا، وبالتالي، فان المعالجة الحقيقية يجب ان تكون مالية اقتصادية، وعلى الدولة ان تحسم امرها في معالجة ماليتها، وان تحفز الاقتصاد لجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل وتفعيل النمو.
أسباب عدة دفعت حاكم مصرف لبنان لابتكار هذه الهندسة المالية، لخصها حمود بالنقاط الاتية:
العجز التراكمي الكبير الذي استمر ميزان المدفوعات في تسجيله على مدى ثلاث سنوات بحيث تستنزف وضعيته هذه، الاحتياط النقدي بالعملات الاجنبية.
تناقص حجم التحويلات الواردة الى لبنان رغم انها لا تزال تسجل مستويات مقبولة.
تراجع نمو الودائع في القطاع المصرفي.
تناقص لا بل شح حجم السيولة في دول عدة مهمة يعتمد عليها لبنان، لا سيما دول الخليج.
كل هذه المؤشرات، والتي تقاطعت مع ضبابية سياسية واقتصادية ومالية، دفعت بالسلطة النقدية الى تحمل مسؤولية تأمين حاجات البلاد بالعملات الاجنبية ان للقطاع العام او للقطاع الخاص، سيما وان الحفاظ على مكانة الدولة يقتضي تعزيز مواردها بالعملات.
عادة، يقول حمود، تلجأ المصارف المركزية في العالم الى اعتماد سياسة رفع معدلات لاستقطاب الودائع الاجنبية من الداخل او من الخارج، لكن حاكم مصرف لبنان رفض اتباع هذا الاجراء، على سهولته، لان رفع معدلات الفوائد من شأنه ان يضرب الثقة ويفاقم حالة الركود التي يمر بها لبنان، ويتسبب في تدني تصنيفه بسبب اصداره سندات بفوائد مرتفعة.
اما انعكاسات الهندسة فيحددها حمود بـ:
-تحويل العجز في ميزان المدفوعات الى فائض.
-تعزيز موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية.
-زيادة حجم الودائع في القطاع المصرفي.
-زيادة ايرادات المصارف وارباحها لتكون قادرة في بداية العام 2018 على:
1- مواجهة متطلبات المعيار الدولي (IFRS9) الذي يبدأ تنفيذه في العام 2018، والذي يعتبر من أهم التحدّيات التي ستواجه المصارف لأنه يتطلب زيادة لرساميلها الخاصة، ويحدّد إدارة الاصول المالية والتدفقات المالية لهذه الأصول، والمؤونات التي يجب تكوينها وفقاً للخسائر الائتمانية المتوقعة. وكان مصرف لبنان اصدر في 25 حزيران التعميم رقم 428 الذي يفرض على المصارف تكوين مؤونات بالليرة اللبنانية تحتسب ضمن الأموال الخاصة بما يوازي قيمة الفائض الناتج عن عمليات بيع أدوات مالية سيادية بالليرة اللبنانية وشراء، تلازماً، أدوات مالية بالعملات الأجنبية وذلك تحضيرا لمتطلبات المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 (IFRS9).
2- رفع زيادة معيار كفاية رأس المال من 12 في المئة الى 15 في المئة، من خلال تعميم وسيط اصدره حاكم مصرف لبنان استنادا الى التعميم الاساسي رقم 44 حول الاطار التنظيمي لكفاية رساميل المصارف العاملة في لبنان.
فائض السيولة
هذه الهندسة النقدية خلقت سيولة فائضة بالليرة لدى المصارف، كما تسببت بزيادة مفاجئة في ربحية القطاع (1.2 مليار دولار في ثمانية أشهر وفق الميزانية المجمعة للمصارف التجارية)، ما استدعى تدخل لجنة الرقابة في اطار صلاحياتها الرقابية حول طريقة ادارة هذه السيولة والارباح حفاظا على المودعين.
ومن هذا المنطلق، يقول حمود ان لجنة الرقابة عملت على خطين متوازيين: الاول فرضت على المصارف اقتطاع حصة من أرباحها لمواجهة المؤونات المطلوبة في اطار المعيار الدولي IFRS9، والثاني زيادة معيار كفاية رأس المال من 12 في المئة الى 15 في المئة خلال السنوات: 2016 (14 في المئة) و2017 (14.5 في المئة) و2018 (15 في المئة)، منها الاموال الخاصة الاساسية التي سترتفع من 8 في المئة الى 10 في المئة في الفترة المذكورة.
وبالتوازي، يعمل مصرف لبنان على تشجيع التسليف بالليرة من خلال برامج تحفيزية (الاقراض السكني، تمويل مشاريع متوسطة وصغيرة، وتشجيع المصارف لكي يكون هناك رسملة افضل في قطاع تقنيات المعرفة والإقتصاد الرقمي).
وقال حمود: نحن مطمئون الى ان العائدات التي تحققت للمصارف سوف تستعمل لغايات زيادة رساميلها وتعزيز اوضاعها ومواجهة التحديات المستقبلية، موضحا ان هذه الارباح لم تستثن من الضريبة، وبالتالي فان وزارة المالية لم تحرم من ايراداتها من هذه الهندسة المالية.
وقدّر حجم الهندسة بما بين 10 مليارات دولار الى 11 مليارا، وهي مستمرة ضمن عمليات محدودة مشترطة بان تستقطب المصارف ودائع من الخارج. ونفى ما قيل ان المصارف تمنح فوائد مرتفعة لقاء هذه الودائع، فالذي حصل ان بعض المصارف قام باشراك مودعيه من الخارج بجزء من العائدات التي حققها، في عملية محدودة جدا. وبالتالي من الخطورة القول ان الفوائد على الودائع ارتفعت الى 20 في المئة او 25 في المئة، فهي لا تزال لا تتجاوز الـ4 في المئة او الـ5 في المئة على ودائع العملات.
وعن امتصاص السيولة الفائضة بالليرة، قال حمود انه كان يمكن توظيفها في مشاريع انتاجية لو لم يكن حجم الاقتصاد ضئيلا. ولكن في ظل هذا الوضع، يأتي دور وزارة المالية ومصرف لبنان، فـرغم ان وزارة المالية ترى انها ليست في حاجة سريعة الى الاستدانة، الا انه في ظل استمرارية العجز في الموازنة، تتطلع الوزارة الى رؤية مستقبلية لتغذية العجز تتعدى مدة الموازنة لسنة واحدة، وبالتالي فهي رأت ان امامها فرصة للاستدانة بفوائد مخفضة.
واكد حمود ما كشفته المستقبل ان الوزارة تتطلع الى اصدار سندات خزينة لخمس سنوات بعائد 5 في المئة والتي يمكن ان يصل حجمها الى نحو 3 الاف مليار ليرة. كما ان مصرف لبنان سيصدر من جهته شهادات ايداع مؤقتة بالليرة حفاظا على الكتلة النقدية.
زيارة واشنطن
كانت الزيارة الى الولايات المتحدة جيدة جدا، يقول حمود لاسيما ان صندوق النقد والبنك الدوليين يركزان دوما على متانة القطاع المصرفي وقوته في ظل الاضطراب الحاصل، مع التركيز على تواصل حجم التحويلات، وإن خفت وطأتها، ومع الانفاق في الداخل.
وعن علاقة المصارف اللبنانية بالمصارف المراسلة، قال حمود ان المصارف المراسلة بدأت اخيرا تتخذ اجراءات قاسية للحد من المخاطر او ما يعرف بالـDERISKING ، وبالتالي، فان هذه الاجراءات ليست موجهة فقط ضد المصارف في لبنان التي اُقفل بعضها حساباته لدى المراسيلن، انما في العديد من بلدان العالم.
وعن وضع المصارف اللبنانية في تركيا التي شهدت عملتها تدهورا حادا، قال حمود ان المصارف العاملة في تركيا تعمل تحت اشراف لجنة الرقابة التركية التي تتواصل معها دائما لجنة الرقابة في لبنان، وانها تلتزم تنفيذ كل متطلبات المؤونات هناك. واوضح ان جزءا من الارباح التي حققتها المصارف في لبنان والتي لها فروع في تركيا يمكن ان يكون اقتطع منها لتكوين مؤونات.
قانون التبادل التلقائي
وفي موضوع التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية الذي اقره مجلس النواب اخيرا والذي اثار جدلا بسبب مسه بالسرية المصرفية، تساءل حمود ما بين المحافظة على السرية المصرفية او الالتزام بالمعايير الدولية، ماذا نختار؟، ليضيف في العام 1956، اخترنا السرية المصرفية لحماية القطاع المصرفي ولبنان واليوم نختار المعايير الدولية لحماية القطاع المصرفي ولبنان ايضا. وشدد على اننا لا نزال نحافظ على السرية المصرفية في كل ما لا يتعارض مع المعايير الدولية وخاصة في ما يتعلق تبييض الاموال او جرم التهرب من الضرائب.
وختم قائلا: نحن نملك القوة وقادرون على المحافظة عليها اليوم، واصفا السياسة النقدية بـالقبطان القادر على اخذ السفينة الى بر الامان لكن لا يمكنه ان يبحر بها بعيدا.
يجب ان تكون هذه الفترة قصيرة وموقتة، يقول، فحلول السلطة النقدية لا يمكن ان تكون أبدية، وبالتالي، فان المعالجة الحقيقية هي مالية اقتصادية.. على الدولة ان تحسم امرها في معالجة ماليتها، وان تحفز الاقتصاد لجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل وتفعيل النمو.
نص تعميم رفع نسب الملاءة إلى 15%
وقع حاكم مصرف لبنان التعميم الوسيط رقم436 فرض بموجبه على المصارف رفع نسبة ملاءتها الى 15 في المئة عام 2018.
وتنشر المستقبل نص التعميم:
نودعكم ربطاً نسخة عن القرار الوسيط رقم 12348 تاريخ 30/9/2016 المتعلق بتعديل القرار الاساسي رقم 6939 تاريخ 25/3/1998 (الاطار التنظيمي لكفاية رساميل المصارف العاملة في لبنان) المرفق بالتعميم الاساسي رقم 44.
قرار وسيط رقم 12348
تعديل القرار الاساسي رقم 6939 تاريخ 25/3/1998
حاكم مصرف لبنان،
بناءً على قانون النقد والتسليف، لا سيما المواد 70 و174 و175 منه،
وبناءً على القرار الاساسي رقم 6939 تاريخ 25/3/1998 وتعديلاته المتعلق بالاطار التنظيمي لكفاية رساميل المصارف العاملة في لبنان،
وبناء على قرار المجلس المركزي لمصرف لبنان المتخذ في جلسته المنعقدة بتاريخ 28 ايلول 2016،
يقرر ما يأتي:
المادة الأولى: يلغى نص المادة العاشرة من القرار الاساسي رقم 6939 تاريخ 25/3/1998 ويستبدل بالنص التالي:
على المصارف ان تطبق الحدود الدنيا لنسب الملاءة بالاضافة الى احتياطي الحفاظ على الأموال الخاصة (Capital Conservation Buffer) المشار اليه ادناه، بحيث تصل في نهاية العام 2018 الى النسب المحددة في الملحق رقم (5) المرفق ربطاً.
المادة الثانية: يلغى نص البند (1) من المادة 11 من القرار الاساسي رقم 6939 تاريخ 25/3/1998 ويستبدل بالنص التالي:
1 ــــ يكون احتياطي الحفاظ على الأموال الخاصة (Capital Conservation Buffer) من بين العناصر المقبولة ضمن فئة حقوق حملة الأسهم العادية على ان يبلغ 4،5% من الموجودات المرجحة وذلك وفقاً للملحق رقم (5) المرفق ربطاً.
المادة الثالثة: يلغى نص الملحق رقم (5) المرفق بالقرار الأساسي رقم 6939 تاريخ 25/3/1998 ويستبدل بالنص الجديد المرفق.
المادة الرابعة: يعمل بهذا القرار فور صدوره.
المادة الخامسة: ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.