لم تكن الموازنة السعودية مفاجئة في ارقامها. فالعجز الذي تم تسجيله عام 2015، والبالغ نحو 98 مليار دولار، كان متوقعا وان بحجم اقل، وكذلك الامر بالنسبة لباب الانفاق، وان جاء جاء اعلى مما كان متوقعا. انما ما فاجأ الاسواق والمراقبين هو كشف النقاب عن برنامج عمل متكامل وخطة شاملة لاصلاح الاقتصاد السعودي، في خطوة لطالما انتظرتها الاسواق.
فمن خلال هذا البرنامج، لن يعود الاعتماد على ايرادات النفط هو القاعدة الاساسية كما كان في السابق، بل الهدف الاساسي والجوهري منه تنويع مصادر الدخل من اجل تحويل الاقتصاد الى اقتصاد متين وقوي قائم على أسس متينة تتعدد فيه مصادر الدخل.
التغييرات التي شهدتها الموازنة السعودية الجديدة ليست مجرد تعديلات للرد على العجز المالي الناتج عن أسعار النفط الحالية، وإنما هي تغييرات هيكلية في الاقتصاد، يقول وزير الاقتصاد السعودي عادل فقيه، مضيفا أن الإصلاحات ستستمر لسنوات بهدف تطوير الاقتصاد بعيدا من العائدات النفطية.
وتستهدف السعودية في خطوتها الكبيرة هذه التحول إلى اقتصاد يعتمد على تطوير الخدمات ورفع كفاءة الإنفاق العام وتحقيق الكفاءة في استخدام الموارد مع مراعاة الآثار السلبية على المواطنين، بالإضافة إلى التنافسية في بيئة وكفاءة الأعمال، وفق ما قاله خادم الحرمين الشريفين السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز. وتعتبر خطوة رفع الدعم التدريجي عن أسعار الطاقة الخطوة الأبرز في برنامج الحكومة. علما ان المملكة تدعم الطاقة بـ44 مليار دولار وفق تقرير صادر عن الامم المتحدة. وقد اشارت وزارة المالية في بيانها في هذا الشأن الى مراجعة الدعم الحكومي وتقويمه، ويشمل ذلك منظومة دعم المنتجات النفطية والمياه والكهرباء واعادة تسعيرها يراعى فيه التدرج في التنفيذ خلال الخمسة اعوام المقبلة، متحدثة كذلك عن استحداث رسوم جديدة، واستكمال الترتيبات اللازمة لتطبيق ضريبة القيمة المضافة، التي سيبدأ تطبيقها نهاية العام 2016 او بداية العام 2017 وفق ما اعلنه ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي الامير محمد بن سلمان.
كذلك، سيصار الى استطلاع القطاعات التي لم تستغل بشكل جيد مثل السياحة والتعدين والخدمات، كما تم اطلاق برنامج لتحسين الخصخصة.
وكان لافتا ان الايرادات غير النفطية سجلت في العام 2015 زيادة كبيرة بواقع 29 في المئة، بفعل تحسن عملية جباية الضرائب، وفرض ضرائب على منتجات نفطية، وعائدات افضل على الاستثمار.
في 28 كانون الاول 2015، اعلنت السعودية تقديراتها الاولية لموازنة العام 2015. وهي تضمنت عجزا هو الاكبر في تاريخ المملكة وصل الى 367 مليار ريال سعودي اي ما يعادل الـ97.9 مليار دولار اميركي. وبالتوازي، اقر مجلس الوزراء ارقام موازنة العام 2016، والتي تشكل تغيرا جذريا في السياسة الاقتصادية المعتمدة في المملكة منذ اكثر من عقد.
1- موازنة العام 2015
تشير الأرقام التي اصدرتها وزارة المالية السعودية اخيرا، فرقا كبيرا بين الاداء الفعلي للموازنة وبين توقعات العام الماضي.
فوفق التقديرات الاولية المعلنة، سجلت الايرادات ارقاما اقل من التوقعات الرسمية بـ 15 في المئة. في حين سجلت النفقات زيادة نسبتها 13 في المئة عما كان متوقعا. وهو امر انتج عجزا بقيمة 367 مليار ريال سعودي، اي ما يعادل 15 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي.
ايرادات العام 2015
بلغت الايرادات الاجمالية في العام 2015، 608 مليارات ريال سعودي. وهو رقم اقل بنسبة 15 في المئة من التوقعات الرسمية المعلنة سابقا (715 مليار ريال سعودي)، واقل بنسبة 42 في المئة عن مستوى الايرادات المحققة في العام 2014.
ويعود هذا التراجع الى انخفاض اسعار النفط، اذ بلغت الايرادات المحققة من تصدير النفط الخام 444.5 مليار ريال سعودي، ما يوازي 73 في المئة من الايرادات الاجمالية المحققة.
في حين سجلت زيادة قياسية في الايرادات غير النفطية بواقع 29 في المئة، وذلك بفعل تحسن عملية جباية الضرائب، وفرض ضرائب على منتجات نفطية، وعائدات افضل على الاستثمار. ويرى محللون ان هذا النوع من الايرادات يعتبر مكونا اساسيا في الموازنة يجب على السلطات السعودية ان تعززها، نظرا الى ان اسعار النفط ستبقى منخفضة على المدى المتوسط.
نفقات العام 2015
في المقابل، بلغت النفقات في العام 2015، 975 مليار ريال، مسجلة مستويات اعلى مما كان متوقعا لها بـ13 في المئة. وعزت وزارة المالية تجاوز الإنفاق المقدر الى المكرمات الملكية التي اعلنت في كانون الثاني 2015. ولكن رغم ذلك، جاءت النفقات في العام 2015 أقل بنسبة 12 في المئة عن مستواها عام 2014، وهو أول انخفاض في النفقات الفعلية منذ عام 2002.
تمويل العجز
لمواجهة الارتفاع الكبير في العجز، اصدرت السلطات السعودية عام 2015 سندات (بيعت معظمعها الى مؤسسات حكومية مستقلة)، كما سحبت من احتياطاتها الضخمة بالعملات الاجنبية. وقد بلغ حجم ما تم سحبه في الاشهر الاحد عشر الاولى من العام 2015، اكثر من 95 مليار دولار، وبقي للمملكة اليوم احتياطات بقيمة 627 مليار دولار.
الدين العام
ونتيجة لعجز الموازنة، ارتفع الدين العام 97.7 مليار ريال ليصل الى 142 مليارا في نهاية العام 2015. وهو ما يوازي نسبة 5.8 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، ارتفاعا من 1.6 في المئة الى الناتج عام 2014.
ميزان المدفوعات
سجل الحساب الجاري في ميزان المدفوعات أول عجز له منذ العام 1998 ليبلغ 155 مليار ريال (41 مليار دولار) بما يوازي 6.2 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وانخفاضا من فائض محقق في العام 2014 بقيمة 288 مليار ريال (76.9 مليار دولار).
ماذا يعني كل ما تقدم؟
بعد نشر هذه الارقام، راح العديد من المراقبين والمحللين يتوقعون سيناريوهات قاتمة عن الاقتصاد السعودي في المستقبل، رابطين توقعاتهم هذه باستمرار انخفاض اسعار النفط، وبالعجز المالي المسجل. بعضهم رأى مثلا ان ربط الريال السعودي بالدولار الاميركي سينهار، وانه امر سيؤدي إلى انخفاض في قيمة العملة المحلية، وبالتالي التضخم. وبعضهم الاخر رأى ان المملكة تتجه الى الافلاس.
كلا السيناريوين مبالغ فيه. فاؤلئك الذين توقعوا افلاس المملكة، اجروا عملية حسابية بسيطة. هم اعتبروا انه في حال سجلت المملكة عجز بواقع 100 مليار دولار سنويا، فان الاحتياطات الاجنبية التي تملكها ستزول في خمس سنوات. وهذا الامر قد يكون صحيحا في حال لم تفعل السعودية اي شيء لتمويل عجزها الا اللجوء الى السحب من احتياطاتها. لكنه مستبعد تماما.
اما بالنسبة الى الذين ابدوا قلقا من مسألة سعر الصرف، فهم لم يتنبهوا الى ان قيمة العقود المستقبلية لسنة للريال، وصلت الى 7.3 في المئة في الآونة الأخيرة، وهو أعلى مستوى منذ أسوأ أيام أزمة النفط عام 1999.
وهنا، لا بد من الاشارة الى المستوى المرتفع جدا من الاحتياطات الأجنبية والمستوى المنخفض جدا للدين إلى الناتج المحلي الإجمالي (5.8 في المئة).
ففي اواخر العام 1999 واوائل العام 2000، سجلت المملكة العربية السعودية نسبة دين الى الناتج قريبة من المئة في المئة (103 في المئة عام 1999). وكان لدى السلطات امكانية واسعة على الاقتراض.
واليوم، أعربت وزارة المالية عن استعدادها لرفع نسبة الدين لتمويل جزء من العجز. وسيتم تغطية الجزء المتبقي من خلال الخصخصة والسحب من الاحتياطات، على ان يتم خفض هذا العجز كما هو مبين في موازنة العام 2016.
يشار الى ان الهيئة العامة للطيران المدني السعودية اعلنت منذ ايام، النية في خصخصة مطارين في جدة والدمام العام المقبل، حيث ستتم خصخصة مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة خلال الربع الثاني من العام المقبل، ومطار الملك فهد الدولي الواقع في الدمام في الربع الذي يليه. وسيتم السماح للشركات الأجنبية بالاستثمار في مطارات المملكة التي ستتم خصخصتها دون الحاجة لشركاء محليين. كما تم وضع سقف للاستثمارات المحلية في بعض المطارات عند 25 في المئة لضمان أن تحصل الشركات الأجنبية على نسبة غالبية في عقود التشغيل.
2- موازنة العام 2016
عند قراءة ارقام موازنة العام 2016، لا بد من التوقف عند ثلاث حقائق هي:
الاولى: لن تخفض المملكة انتاج النفط.
الثانية: لن تتراجع النفقات بشكل ملحوظ، بهدف دعم القطاع غير النفطي للاقتصاد من جهة، ومن اجل الحفاظ على الإنفاق العسكري من جهة أخرى. فالقطاعات الحيوية بالنسبة للمواطن، مثل الصحة، التعليم، الأمن، والإسكان لم تمس.
الثالثة: وجود وعي متزايد بالحاجة إلى إصلاح الاقتصاد وجعله أقل اعتمادا على عائدات النفط.
نفقات الموازنة
يبلغ المجموع العام لنفقات موازنة العام 2016، 840 مليار ريال سعودي، وأقل بقيمة 20 مليارا فقط عن موازنة العام 2015.
وقد ارسلت المملكة من خلال عدم اجرائها خفضا دراماتيكيا لحجم النفقات، رسالة واضحة بانها سوف تواصل دعم النمو الاقتصادي رغم انخفاض اسعار النفط.
وللمرة الاولى، تم استخدام شكل مفصل جدا للموازنة، وتحديد عناصر الانفاق بالتفصيل كالاتي:
الخدمات العسكرية والأمنية 25 في المئة.
التعليم 23 في المئة.
الخدمات الصحية والاجتماعية 12.5 في المئة.
دعم الموازنة 22 في المئة (توزيع جديد لتغطية أي نقص في الإيرادات).
إيرادات الموازنة
تقدر الايرادات الاجمالية يف العام 2016، بـ514 مليار ريال. ورغم عدم وجود تحليل تفصيلي لابواب الايرادات، لكن التقديرات تشير الى نسبة 70 في المئة من هذه الايرادات ستتأمن من الصادرات النفطية، ونحو 30 في المئة من موارد غير نفطية (الرسوم ورسوم الخدمات الحكومية وتعرفات الجمرك).
الدعم
أعلنت الحكومة خفض دعم الطاقة ونيتها بيع بعض المؤسسات المملوكة للدولة في السنوات الخمس القادمة، وكذلك رفع أسعار المياه المنزلية والكهرباء وأسعار البنزين والغاز.
وشملت التعديلات رفع سعر البنزين 91 اوكتان الى 0.75 ريال للتر الواحد من 0.45 ريال، وزيادة سعر البنزين 95 أوكتان إلى 0.90 ريال من 0.60 ريال.
برنامج التحول الوطني
الخطوة الاكثر اهمية التي جاءت بالتوازي مع اعلان في موازنة العام 2016، كان اطلاق السلطات السعودية لحملة اصلاح كبيرة خلال هذا الشهر، في إطار برنامج التحول الوطني (NTP) .
رغم انه لا توجد تفاصيل حتى اليوم حول هذا البرنامج، الا ان الواضح ان خفض الدعم المشار اليه واطلاق عمليات الخصخصة تأتي من ضمنه.
ويرى محللون ان برنامج التحول الوطني سيكون بمثابة خارطة طريق للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، لتحفيز القطاع الخاص من جهة وجعل الاقتصاد أقل اعتمادا على عائدات النفط من جهة اخرى.
ويتوقع ان تشمل اصلاحات برنامج التحول الوطني ادخال الضريبة على القيمة المضافة التي من شأنها ان تزيد الإيرادات غير النفطية للحكومة بشكل كبير.
وبالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تسعى الحكومة الى مضاعفة الناتج المحلي الاجمالي بحلول العام 2030 مع ادخال استثمارات بقيمة 4 تريليونات دولار في ثماني صناعات اساسية، من البتروكيميائيات إلى المعادن والصلب والألمنيوم والسيارات والتصنيع الكهربائي، والسياحة، والرعاية الصحية.
في الختام، لابد من الاشارة الى ان الاصلاحات التي اعلنتها المملكة ليست جديدة تماما. فصندوق النقد الدولي يقدم منذ سنوات النصيحة للملكة بادخال بعض منها. لا بل ان المملكة شرعت في أوائل العام 2000 الى الاعلان عن مثل هذه الاصلاحات. لكن، عندما بدأت أسعار النفط ترتفع إلى مستويات قياسية، باتت الخحاجة الى اجراء هذه الإصلاحات أقل إلحاحا.
واليوم، تلقى خطوة السعودية في تطبيق الاصلاحات والاعلان عن اجراءات خفض العجز في موازنتها، تنويها وترحيبا من كثير من المحللين على خارطة الطريق الجديدة.
فيتش
ذكرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، ان المملكة سجلت نجاحا بتقليص حجم العجز في الموازنة، خاصة بعدما تضمنت إصلاحات مهمة تتركز على ضبط الإنفاق العام. وأوضحت أن الموازنة المالية للسعودية تبدو إيجابية لأنها تحتوي إصلاحات مهمة تتركز على ضبط الإنفاق العام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.