8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

2015 .. الفراغ يسد طريق الجمهورية تعطيل المؤسسات يفرمل معالجة الأوضاع الحياتية ويهدّد بوضع لبنان خارج الشرعية المالية الدولية

منذ أيار 2014، دخل لبنان في فراغ رئاسي شلّ المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها المؤسستان التشريعية والتنفيذية. وكان لهذا الفراغ تداعيات سلبية على معدلات النمو التي يتوقع ان تجاور الصفر هذا العام، وعلى مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى حجم الاستثمارات الداخلية والأجنبية، وعلى الاستهلاك.
صحيح ان تردي الأوضاع الاقتصادية وتراجع كافة المؤشرات كان بدأ فعلياً منذ العام 2011 نتيجة الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري. إلا أن إطالة زمن فراغ سدة الرئاسة فاقم الامور، وأثر سلباً على ثقة اللبنانيين في قدرة مختلف الأفرقاء على حل هذه المعضلة التي هي حجر أساس في إعادة دوران عجلة الدولة.
فكيف كانت أبرز انعكاسات هذا الفراغ؟
أولاً: في شلل المؤسسات:
مجلس الوزراء: رغم كل المحاولات التي أجريت لوضع آلية لتفعيل عمل مجلس الوزراء، الا ان المزايدات والمناكفات السياسية، وعدم الالتزام بالاليات الدستورية لعمل مجلس الوزراء، ادى الى شبه شلل في هذه المؤسسة. وهو امر انعكس سلباً على اداء الحكومة في معالجتها الاوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية. ولعل المثال الصارخ الابرز على شلل هذه المؤسسة التنفيذية، عدم قدرتها على إيجاد مخرج سريع لملف النفايات، والتأخر في دفع رواتب الموظفين للمرة الاولى في تاريخ لبنان.
مجلس النواب: انعكس غياب الرئيس شبه شلل في مجلس النواب، حيث لم تنعقد سوى جلستين تشريعيتين، الاولى في تشرين الثاني 2014 والثانية بعد عام اي في تشرين الثاني 2015 والتي لم يكن بالامكان عقدها لولا المبادرة التي قام بها الرئيس سعد الحريري.
وأبرز مثال على انعكاسات شلل مجلس النواب، العقوبة الاقتصادية التي كاد لبنان يتعرض لها لولا اقرار مشاريع قوانين مالية مهمة بالنسبة الى المجتمع الدولي. فلو لم يتم التوافق بين مختلف الاطراف السياسيين على عقد الجلسة التشريعية لتمرير هذه المشاريع، لكان لبنان مهدداً بأن يدرج في نهاية العام على لائحة الدول غير المتعاونة بموضوع مكافحة تبييض الاموال وتمويل الإرهاب والتهرّب الضريبي ومكافحة الجرائم المالية، ولكان أصبح، مثله مثل دولة جزر القمر، خارج الشرعية المالية الدولية. ولكان لبنان أيضاً مهدداً بخسارة مئات الملايين من الدولارات من قروض وهبات رصدت اليه من مؤسسات مالية دولية وصناديق عربية ودولية. هذا ناهيك عن استمرار وجود العديد من مشاريع القوانين العالقة في المجلس النيابي والتي تحمل صفة المهمة جداً بفعل أهميتها على الاقتصاد، وعلى حياة اللبنانيين.
ثانياً: في الانعكاسات الاقتصادية:
خفض التصنيف: إن تعطيل عمل المؤسسات دفع وكالة التصنيف الدولية ستاندرد أند بورز في أيلول الماضي الى تعديل النظرة المستقبلية للتصنيف الائتماني السيادي للبنان من مستقرة إلى سلبية. وقد بررت الوكالة هذا الاجراء بالفراغ الرئاسي وتعطيل عمل المؤسسات وليس فقط لاسباب مالية اقتصادية. وأشارت إلى الأثر السلبي من عدم اليقين السياسي الداخلي وعدم الاستقرار في المنطقة على النمو الاقتصادي في لبنان، واعتبرت أن من شأن استمرار عدم الاستقرار السياسي أن يحدّ من قدرة المسؤولين على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المتوسطة والطويلة الأجل. كما اشارت الى ان سير العمل في الدولة في تراجع، نظراً إلى أن لبنان يشكو غياب رئيس للجمهورية منذ أيار2014، ونظراً إلى فشل مجلس النواب في إقرار موازنة عامة منذ العام 2005 ونظراً إلى أن المجلس صوّت على تمديد فترة ولايته لغاية 2017.
ولبنان اليوم مهدد، مرة أخرى، بخفض تصنيفه إذا ما استمر الشلل السياسي والإداري. وهذا يعني ان اقتصاد لبنان وماليته سيتحملان تكاليف إضافية، كما أن المصارف ستضطر الى تشكيل مؤونات جديدة وزيادة رساميلها لمواكبة المتطلبات المفروضة، وهو ما من شأنه أن يقلص ربحيتها من جهة ويتسبب في ارتفاع في بنية الفوائد من جهة أخرى.
إصدارات اليوروبوندز: في 30 تشرين الأول 2015، أصدرت وزارة المالية سندات خزينة بالدولار بقيمة 1300 مليون دولار أميركي بهدف تمويل استحقاقات الدين بالعملات الأجنبية للنصف الثاني من العام 2015. وقامت بعملية استبدال اختياري قيمته 318 مليون دولار أميركي من أصل السندات المستحقة بتاريخ 19/01/2016. كما أصدرت سندات من فئة الـ20 سنة للمرة الأولى من ضمن هذه العملية. وقد توزعت قيمة مجموع السندات المصدرة البالغ 1600 مليون دولار أميركي على ثلاثة آجال كالتالي:
-500 مليون دولار لمدة 9 سنوات تستحق سنة 2024 بفائدة 6,25 في المئة.
-500 مليون دولار لمدة 13 سنة تستحق سنة 2028 بفائدة 6,65 في المئة.
-600 مليون دولار لمدة 20 سنة تستحق سنة 2035 بفائدة 7,05 في المئة.
وفي شباط2015 ، قامت وزارة المالية بإصدار سندات يوروبوندز بقيمة 2,2 ملياري دولار مقسمة كالآتي:
-800 مليون دولار لمدة 10 سنوات تستحق في العام 2015 بفائدة 6,20 في المئة.
- 1,4 مليار دولار لمدة 15 عاماً بفائدة 6,65 في المئة.
وفي نهاية آذار 2014، قامت وزارة المالية بعملية استبدال سندات بقيمة 1،4 مليار دولار تستحق في 2020 و2026. وكانت مقسمة كالآتي:
-600 مليون دولار لسندات العام 2020 بفائدة 5,8 في المئة.
-800 مليون دولار لسندات العام 2026 بفائدة 6,7 في المئة.
وبالنظر إلى هذه الإصدارات، لا بد من الاشارة الى ملاحظتين مهمتين:
الأولى أنه في الإصدار الأخير قبل خلو سدة الرئاسة في آذار 2014، بلغ متوسط الفوائد على الاصدار 6,25 في المئة. بينما بلغ معدل الفوائد على الاصدارات التي تمت خلال العام 2015، 6,56 في المئة، وهو مؤشر على مدى انعكاس هذا الارتفاع على خدمة الدين العام.
أما الملاحظة الثانية، فهي حجم الطلب الذي جاء في آخر إصدار لهذا العام، والذي لم يتجاوز المبلغ المطلوب للاكتتاب، وهي أول مرة تحصل في اكتتاب لسندات يوروبوندز.
في بعض المؤشرات الاقتصادية الأخرى:
[النمو: بلغ النمو 2 في المئة في 2014، ومتوقع صفر في المئة نهاية 2015 بحسب حاكم مصرف لبنان رياض سلامه.
[إشغال الفنادق: بلغت نسبة إشغال الفنادق في بيروت في 10 أشهر من العام 2015، 56 في المئة مقابل 51 في المئة في الفترة نفسها من العام 2014، أي بانخفاض قدره 5 في المئة.
[المؤشر الاقتصادي العام لمصرف لبنان: في أيار 2014 بلغ 183,8. في حين بلغ في آب 2015، 266,6 أي بتراجع نسبته 6,06 في المئة.
[إقفال الشركات: أقفل نحو 350 مؤسسة تجارية في وسط بيروت فقط.
[المعاملات العقارية: بلغ عدد المعاملات العقارية في أيار 2014، 6339 عملية وقيمتها 991,2 مليون دولار. وانخفض الى 5803 معاملات وقيمتها 692,25 مليون دولار في تشرين الاول 2015.
[رخص البناء: انخفضت مساحات البناء المرخصة من مليون و392 الف متراً مربعاً في أيار 2014، إلى 934 ألف متر في أيلول 2015. أي بتراجع قدره 558 ألف متر مربع.
[مؤشر اسعار الاستهلاك: انخفض هذا المؤشر من 101,32 في أيار 2014، الى 96,84 في تشرين الاول 2015. وهذا يدل على تراجع الطلب رغم انخفاض اسعار النفط وتراجع سعر صرف اليورو.
[ميزان المدفوعات: سجّل ميزان المدفوعات عجزاً بقيمة 2،17 ملياري دولار في الاشهر العشرة الأولى من العام 2015 بعدما كان حقق فائضاً في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2014 بقيمة 776 مليون دولار.
[تسليفات كفالات: تراجع عدد الكفالات الممنوحة من الشركة بواقع 22,49 في المئة في 11 شهراً الى 617 كفالة مقابل 796 كفالة في الفترة نفسها من العام 2014.
[المالية العامة: تعكس نتائج المالية العامة في الأشهر التسعة الاولى من هذا العام تراجع النشاط الاقتصادي، ولا سيما على صعيد الاستهلاك. وبلغ العجز الاجمالي حتى ايلول نحو 3931 مليار ليرة بزيادة 582 مليار ليرة عن العجز المحقق في الفترة نفسها في العام الماضي، وارتفعت نسبة العجز من مجمل النفقات المحققة من 21,9 في المئة الى نحو 26 في المئة.
[الايرادات: مقارنة 7 أشهر من عام 2014 مع 7 أشهر من عام 2015:
تراجع الرسوم العقارية بنسبة 12 في المئة من 382 مليار ليرة الى 424 ملياراً.
تراجع رسم التبغ والتنباك بـ19 في المئة من 165 مليار ليرة الى 133 ملياراً.
تراجع إيرادات الضريبة على القيمة المضافة بـ3,5 في المئة من 2077 مليار ليرة الى 2005 مليارات.
تراجع الرسم الجمركي على الاستيراد 4,66 في المئة من 438 مليار ليرة الى 417 ملياراً.
تراجع ايرادات مرفأ بيروت 27 في المئة من 82 مليار ليرة الى 60 ملياراً.
[الدين العام: أظهرت إحصاءات جمعيّة المصارف ووزارة المالية ارتفاعاً في الدين العامّ الإجمالي خلال شهر تشرين الأوّل من العام 2015 إلى 69,04 مليار دولار مقابل 65,07 مليار دولار في ايار 2014. وهذا يعني زيادة بنحو 4 مليارات دولار اي نحو 6 في المئة منذ بدء الفراغ.
في الختام، ان نظرة الى المؤشرات الاقتصادية في العقدين الاخيرين تؤكد وجود تلازم إيجابي متين بين الاستقرار السياسي وبين انتعاش هذه المؤشرات. فلقد تبين خلال تلك الفترة انه بمجرد توافر حكومة توحي بالثقة والاستقرار السياسي والامني، فان ذلك ينعكس ايجاباً على أداء الاقتصاد.
من هنا، فان الاسراع في انتخاب رئيس للجمهورية أمر مهم جداً لما لإطالة مدة الفراغ من انعكاسات سلبية على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. فانتخاب رئيس سيسمح بتشكيل حكومة جديدة تكون من أولوياتها الشأنين الاقتصادي والمالي، وتضع خطة يكون محورها ثلاثة عناصر طارئة:
أولاً: إعادة تفعيل النمو وإطلاق عجلة الاقتصاد.
ثانياً: إعادة الانتظام إلى المالية العامة ووضع خطة للجم العجز المالي في موازنة الدولة.
ثالثاً: معالجة التحديات الملحة لا سيما أزمة النازحين السوريين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00