النمو الاقتصادي.. عبارة لطالما سمعها اللبنانيون منذ عشرات السنوات من دون ان يدركوا اهميتها على حياتهم ومعيشتهم. فكثيرون منهم لا يعلمون ان النمو الاقتصادي هو العامل الاكثر اهمية في قياس مدى نجاح اي بلد او فشله في ما يفعله او ما يوفره لهم. فالبلد الناجح هو ذلك الذي يتمكن من زيادة الدخل الحقيقي بهدف تحسين معيشة مواطنيه، وتوفير فرص عمل لهم، وتأمين الخدمات المطلوبة لاشباع حاجاتهم، وتقليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين طبقات المجتمع، وغيرها من الاهداف.
ولهذا الغرض، فان النمو الاقتصادي مهم، وتراجعه يطلق صفارة الانذار الى ارتفاع في مستويات البطالة، وهو مؤشر خطير على المسار الانحداري الذي يسلكه الاقتصاد.
ولان النمو منخفض في لبنان منذ حوالى الاربع سنوات بعدما بلغ مستويات عالية جدا وصلت الى نحو 9 في المئة في العام 2010، تداعى عدد من الخبراء والمتخصصين في الشأن الاقتصادي لاستطلاع الاصلاحات المطلوبة لاعادة اطلاق عجلته، وتحقيق نمو مستدام تستفيد منه كل شرائح المجتمع، وذلك في طاولة مستديرة نظمها معهد المشرق للدراسات الاستراتيجية.
اسباب عدة عرضها الحاضرون لتراجع النمو، اولها غياب الثقة، كما قال وزير السياحة ميشال فرعون الذي كان حاضرا الجلسة، والمعوقات التي وضعت امام اقرار مشروع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، كما قال المستشار الاقتصادي للرئيس سعد الحريري، مازن حنا. ولان الانفاق كان جاريا في مجمله ما ادى الى ترهل البنى التحتية والتي هي المحرك الاساسي للاستثمارات وبالتالي النمو... ولان لبنان فشل في خلق وظائف جديدة، علما انه يحتاج الى خلق 30 الف فرصة عمل جديدة سنويا، وفق ما اعلنه الرئيس السابق لجمعية الصناعيين اللبنانيين نعمت افرام... ولان الاوضاع السياسية تسببت في تراجع حاد في الاستثمارات... ولغياب رؤية اقتصادية خلال الفترة المذكورة كان من شأنها ان تحدد اولويات انعاش الاقتصاد...
اسباب عدة طرحت خلال النقاش ليصار بعدها الى اقتراح حلول، منها مثلا وجوب وضع نموذج نمو في لبنان، وفق حنا، وإعادة تحديد دور كل من القطاعين العام والخاص وفق ما اقترح كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس نسيب غبريل، ووضع خطة حكومية واضحة، والعمل على خلق آلية من شأنها ان تساعد في تحفيز النمو، وتطبيق اللامركزية. اضافة الى السعي من اجل احتواء عجز المالية العامة وتقليص الانفاق الجاري، وتطوير القاعدة التشريعية لتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم..
بداية النقاش كانت مع مدير المعهد سامي نادر الذي لفت الى اهمية النمو ليس فقط على المستوى الاقتصادي، وذلك من أجل تحرير قوى الانتاج الحية، ولكن ايضا على المستوى الامني والاجتماعي، حيث ان لا استمرارية للخدمات الاجتماعية في ظل الركود وغياب الإصلاحات الهيكلية، اما من الناحية الامنية وفي ظل ما تشهده المنطقة من صعود للتطرف، يكتسب النمو بعدا استراتيجيا مهما، كونه يفتح نافذة في جدار اليأس ويساهم في خلق فرص عمل، ويفتح آفاقا جديدة امام الشباب لا سيما في المناطق المحرومة.
ثم تطرق فرعون الى مسألة غياب الثقة والاستثمار في السنوات الاخيرة فقال نحن اليوم نعاني ازمة ثقة تحجب المستثمرين عن المجيء الى لبنان والاستثمار فيه. والقى الضوء على اهمية القطاع الخاص والدور المنوط به لتفعيل النمو، فـالدولة تنفق اليوم على قطاعات غير منتجة لكن اساسية كالامن وملف النازحين، وهي قطاعات لا تخلق فرص عمل او تحفز النمو. ما نحتاج اليه هو وجود رؤية تحدد المشاريع المنوي الانفاق عليها والتي من شأنها ان تخلق فرص عمل، وتعرض للاولويات، يقول. لكن هذه الرؤية تحتاج الى وجود موازنة تحدد ابواب الانفاق وطرقه.
مدير ستاتيستيكس ليبانون ربيع هبر عرض لاستطلاع رأي اجري اخيرا حول رأي المواطنين في مسائل عدة. بحسب هذا الاستطلاع، 92 في المئة من المستطلعة اراؤهم رأوا ان لبنان يسير في الاتجاه الخطأ ومن بينهم 94 في المئة من المسيحيين. 56 في المئة منهم كان متشائما، واستحوذ الموضوع الاقتصادي على 96 في المئة من اهتماماتهم، تلاه الكهرباء (95 في المئة) والمياه (95 في المئة)، والبطالة (95 في المئة)، وموضوع الاسرى المحتجزين (95 في المئة)، والملف الامني (93 في المئة)... ما يعني ان الملف المعيشي تفوق على الملف الامني. كما ان 95 في المئة من المستطلعة اراؤهم، قالوا ان السياسيين لا يعيرون اهمية لمسألة البطالة.
وكانت لمسألة الازمة السورية تداعياتها على الاقتصاد في لبنان، لاسيما على صعيد تراجع الاستثمار والسياحة والتجارة الخارجية، وفق رئيس الوحدة الاقتصادية في بنك عوده، مروان بركات. فبسبب الازمة، كان هناك تأجيل في القرارات الاستثمارية الكبرى وبنسبة 15 في المئة عن العام 2010. كما حصل تراجع في الاستثمار المباشر بنسبة 24 في المئة خلال الفترة بين 2010 و2015. ورغم تحسن السياحة اخيرا، الا ان عدد السياح ما زال أقل بـ38 في المئة عن العام 2010. اما الصادرات البرية، فتأثرت هي الاخرى وكانت اقل مما تحقق في العام 2010 بـ22 في المئة.
لكن بركات اشار الى عوامل مخففة حالت دون تسجيل النمو مستوى سلبيا، ابرزها ديمومة الاستهلاك، والرزم التحفيزية التي اطلقها مصرف لبنان، ونقل البضائع عن طريق مرفأ بيروت بدلا من البر.
وعرض بركات لـمتطلبات تقنية من اجل رفع النمو من 2 في المئة حاليا الى 6 في المئة خلال 5 سنوات ابرزها:
تعزيز الاستثمار الخاص من 27 في المئة الى 32 في المئة في 2019، على ان تواكبها زيادة في نسبة الاستهلاك الخاص بـ9 في المئة سنويا.
العمل على زيادة الصادرات بواقع 15 في المئة في السنة خلال السنوات الخمس المقبلة (من خلال برامج تحفيزية للتصدير مثلا، وتشجيع الصادرات ذات القيمة المضافة).
رفع الاستثمار العام (على الطرق والمياه ووسائل النقل والاتصالات،..) الى 5 في المئة من الناتج المحلي بعدمات كان واهنا في السنوات الاخيرة ولم يتعد الـ2,5 في المئة ، لكن من دون ان يؤثر ذلك في المالية العامة.
احتواء عجز المالية العامة ونسب الاستدانة، والعمل على احتواء ارتفاع النفقات الجارية بنسبة 4 في المئة سنويا خلال السنوات الخمس المقبلة.
تأمين تمويل للقطاع الخاص بواقع 5 مليارات دولار وهو ما يتطلب نموا بواقع 11 في المئة سنويا في الودائع المصرفية في السنوات الخمس المقبلة. وبالتالي تحويل عجز ميزان المدفوعات الى فائض وراتفاعا بواقع 12 في المئة في حجم الاموال الوافدة الى لبنان.
اما حنا فرأى من جهته انه لا يوجد نموذج نمو معتمد في لبنان، وان هذا الامر يجب ان يكون من اولى التوصيات التي ستصدر عن هذه النقاشات. وقال: قبل ان نتساءل حول الاسباب التي دفعت الى الفشل في تحقيق نمو، فلنسال اولا لماذا لا يوجد في لبنان الى اليوم قانون للشراكة بين القطاعين العام والخاص. واذا استطاع احد منكم الاجابة عن تساؤلي، عندها فقط نستطيع ان نحدد لماذا لم يتحقق نمو في السنوات الاربع الاخيرة. اضاف في العام 2009، كان لبنان يحتاج الى الف ميغاوات اضافية لكن لم يكن هناك قانون يرعى الشراكة مع القطاع الخاص ويحمي الاستثمارات التي كانت مرتفعة في حينه. وبالتالي لم نستطع ان نؤمن التمويل اللازم لهذا المشروع الحيوي. واقتراح سلسلة خطوات من اجل تعزيز النمو، ابرزها:
خلق بيئة مؤاتية لجذب الاستثمار.
الاستثمار في البنى التحتية.
اقرار مشروع قانون الشراكة.
اصلاح الضمان الاجتماعي.
اقرار خطة استقرار اقتصادي.
تطوير الخدمات المالية.
العمل على وضع تحليل قطاعي وتحديد القطاعات القادرة على النمو والتي تتمتع بميزات تفاضلية، وتلك القادرة على خلق فرص عمل جديدة.
انشاء لجنة بين القطاعين العام والخاص لتذليل العقبات.
الممثل المقيم في مؤسسة التمويل الدولي طوماس جايكوبس، رأى من خلال تجربته ان لبنان لم يعد قادرا على خلق فرص عمل جديدة بسبب الضعف الذي يعانيه على صعيد البنى التحتية والمؤسسات.
اما العوامل التي تعوق النمو فهي بحسب جايكوبس، غياب الحوكمة الاقتصادية، وضعف الاتصالات، والطاقة، والمناخ الاستثماري، والنقل، والتعليم... يجب العمل على تسويق فكرة الوصول الى نمو مستدام من شأنه خلق فرص عمل، وتحديد القطاعات التي تؤدي الى تحفيز النمو وتلك التي يؤدي اصلاحها الى اصلاح قطاعات اخرى كما في مسألة الكهرباء مثلا.
الرئيس السابق لجمعية الصناعيين اللبنانيين نعمت افرام، قال ان النمو مهم جدا لبلوغ حماية اجتماعية وامنية واطلاق الطاقات. ونبه الى مشكلة اساسية وهي نسب العجز المرتفعة والزيادة المطردة في حجم الدين. وهو من الداعمين بقوة لاقرار مشروع قانون اشرلكة كونه يساهم في اعادة النمو الى الصعود. المطلوب اليوم توفير 30 الف فرصة عمل في السنة والا فنحن نهدد استقرار البلد.
الاقتصادي غسان حاصباني، زاد على افرام في مسألة المطالبة باقرار مشروع قانون الشراكة، بدعوته لتفعيل قانوني الاتصالات والكهرباء الصادرين في 2002 لان من شأنهما خلق فرص عمل وفيرة، وتحديد دور الدلوة بالمخطط فقط وترك التنفيذ للقطاع الخاص. إضافة الى اعادة النظر في مسألة الحكومة الالكترونية والتي تخفف من وطأة الفساد.
رئيس مجلس إدارة مرفأ بيروت المدير العام للاستثمار حسن قريطم عرض لتجربة المكننة في المرفأ والتسهيلات التي حصل عليها التجار جراء ذلك.
اما المصرفي فؤاد رحمة، فشدد من جهته على اهمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، داعيا الى وضع قانون يحدد كيفية انشاء الشركات، والى تطبيق اللامركزية.
وائل السنيورة شدد من جهته على مسألة تطبيق الحوكمة واهميتها في منح الثقة، ودعا الى وضع حوافز للشركات من اجل ادخال شركاء وان تخرج من الطابع العائلي.
اما غبريل فلفت الى التراجع الحاد في ثقة المستهلك وكذلك في ثقة المستثمر، والى انخفاض الاستثمارات المباشرة من 1,8 مليار دولار في 2010 الى 1,4 ملايين دولار في 2014. واذ اشار الى تراجع لبنان 24 مرتبة في تقرير التنافسية العالمية، رأى انه لا توجد ارادة سياسية لتطبيق الاصلاحات المنشودة، لافتا الى اننا نتحول الى اقتصاد يسيطر عليه القطاع العام، وداعيا الى اعادة تحديد هذا الدور.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.