انه التاريخ يعيد نفسه. الدمى التي كانت في اواخر التسعينيات تلبس ثوب الحقد على الهرم الحريري وتشن حرب إلغاء ضد الرئيس رفيق الحريري، هي نفسها التي لعبت دور خيال المآتى لـترويع الرئيس سعد الحريري وإقصائه عن الحكم بوسائل واساليب خبرها الرئيس الشهيد في اواخر التسعينيات.
ملفات اقتصادية ومالية لا تحصى تمت فبركتها في أواخر التسعينيات.. مَن لا يتذكر مثلا ملف محرقة برج حمود الممولة من الحكومة الايطالية بهدف النيل من الرئيس فؤاد السنيورة؟.
ومن ينسى السياسات الاقتصادية المتطرفة والموجعة التي اكتوى بنارها المئات، لا بل الآلاف بين 1998 و2000، نتيجة فرض ضريبة على مداخيل اللبنانيين من اصحاب المصالح والثروات في الخارج؟ ومن ينسى صاحب هذه السياسات المطبقة اثناء حكومة الرئيس سليم الحص، وهي سياسات يمكن ان يطلق عليها النظرية النحاسية تيمنا بواضعها الوزير شربل نحاس حين كان مستشارا لوزير المال جورج قرم؟
قد تكون مفيدة العودة معه الى هذه الحقبة، ليعرف اللبنانيون ان السنتين المذكورتين كانتا الاسوأ اقتصاديا، حيث زاد حجم الدين بأسرع وتيرة وقارب النمو الصفر.
حين شكل الرئيس سعد الحريري حكومته الوفاقية، افترض ان اولويات الناس المدرجة في البيان الوزاري ستكون اولوية لاعضاء هذه الحكومة. الا انه اصطدم بالتعطيل الذي انتهجه باكرا وزراء 8 آذار داخل مجلس الوزراء، فباتت اولويات الناس كماليات لدى هذا الفريق.
ولائحة التعطيل هنا تطول. فمثلا، حاول سعد الحريري من خلال النهج الاقتصادي الذي استكمله بعد والده، ان يستفيد من الحجم الكبير للودائع في عملية تأهيل البنى التحتية، الا ان الفريق الآخر سعى بكل قواه الى نسف خططه، فقتل مشروع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
كيف ننسى الجلسات الماراتونية للجنة المال والموازنة خلال العام 2010 والتي يدرك العارفون ان المسعى الاساسي من ورائها كان احباط مشروع موازنة 2010 الطموح، والذي كان الاول من حيث حجم الانفاق الاستثماري المدرج فيه. ففي احيان كثيرة، كانت المناقشات داخل اللجنة (التي حولت نفسها الى لجنة تحقيق) تبنى على افتراضات خاطئة، والهدف الوحيد الاوحد هو احراج وزيرة المالية ريا الحسن.
كما ان عبارات قطع الحساب وحساب المهمة باتت من المفردات اليومية التي راح اللبنانيون يستخدمونها لكثرة سماعها، بفعل حملة التشهير العنيفة التي قادها تيار الاصلاح والتغيير وهدفت الى تشويه انجازات الرئيس الشهيد والتشكيك بالحقبة الممتدة من العام 1993، للايحاء بأن ثمة عملية متعمدة لإخفاء المعلومات.
وفي لائحة التعطيل ايضا، مسألة الـ11 مليار دولار التي عمدت الأقلية السابقة الى إثارتها محاوِلةً الإيحاء بأنه إنفاق مخالف للقوانين، رغم المحاولات المتكررة للوزيرة الحسن لشرح ان هذا المبلغ كان إنفاقاً وفق القوانين والأعراف المالية المرعية الإجراء، واستناداً لقانون المحاسبة العمومية والقوانين الخاصة التي أجازت الإنفاق.
أمثلة بسيطة منعت الرئيس سعد الحريري من تنفيذ طموحاته وتحسين مستوى معيشة اللبنانيين، رغم الفرصة الذهبية التي مرّ بها لبنان بين 2009 و2010، حين حقق الاقتصاد مؤشرات لم تكن في الحسبان، خلقت لنا، للمرة الاولى، فسحة لنزيد انفاقنا الاستثماري. والفضل في هذه الفرصة يعود الى التصحيح المالي الذي اعتمده فريق الرئيس الشهيد، رغم انه حورب منذ مؤتمر باريس 1.
حرب الالغاء لم تنته داخل مجلس الوزراء. فبعد الانقلاب على حكومة سعد الحريري، بدأت تعلو اصوات تطالب بـ عملية استئصال للسياسات الاقتصادية التي أرساها الرئيس الشهيد، وبـوجوب محو هذا الارث المسؤول عن كل مصائب الدنيا، من فقر، وتهميش للعطاءات الاجتماعية، وهجرة، وبطالة، وفساد...
تذكيراً لهذه الاصوات فإن هذا الارث هو الذي عمل على اعادة لبنان الى دوره على الخارطتين الاقليمية والعالمية، وهو الذي ثبّت الاستقرار الاقتصادي بعد حرب ضروس دكّت مداميك كل القطاعات من دون استثناء، وهو الذي حافظ على تراث النظام الاقتصادي الحر والمبادرة الفردية، كما انه هو الذي أتى بالمنفعة على المواطن وصان حقوقه المدنية وعزز الممارسة الديموقراطية.
كما أن هذا الارث هو الذي ساهم في تحقيق انجازات مالية تجلّى ابرزها خفضا في نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الى 138 في المئة اليوم من 180 في المئة قبل نحو 4 سنوات. وهو انجاز لا يمكن الاستهانة به لانه مكّننا، للمرة الاولى، من ان نتحكم بمسار المالية العامة، وان نلحظ في مشروع موازنة العام 2010 الراقدة في ادراج المجلس النيابي، زيادة ملحوظة في الانفاق الاجتماعي والانفاق على البنى التحتية.
واليوم، جاءت حكومة الانقلاب ببيان فضفاض اريد منه تصحيح النمط الاقتصادي، وهي من اخطر العبارات الواردة في بيانها الوزاري لانها تهدد بتغيير وجه لبنان الإقتصادي، ومن شأنها تهريب رؤوس الاموال.
لا بد من الاشارة اخيرا الى ان صورة الماضي استعيدت داخل حكومة من لون واحد تتشابك فيها وجهتا نظر اقتصاديتان، الاولى تدعو الى الحفاظ على المبادرة الفردية وتسهيل عمل القطاع الخاص وتقليص عبء الدين العام على الاقتصاد عبر تخفيف حجمه على الناتج المحلي. اما الثانية فتختلف كليا، اذ تطالب بعدم الاكتراث الى التصحيح المالي، ومعالجة التحديات الاقتصادية عبر خطوات عدة، ابرزها اعادة نظر جذرية في السياسات المالية والاقتصادية. ومعروف ان اصحاب هذه النظرية يطالبون بان تدير الدولة القطاعات كافة وان تنفق عليها، وبعدم اشراك القطاع الخاص. كما تعتمد هذه النظرية على ان حل التحديات يكون عبر انفاق اكبر، وإعادة النظر في السياسات الضريبية حيث تفرض ضرائب على رؤوس الاموال والارث والمدخرات والتحويلات وارباح المصارف، وهذا ما سيؤدي حتما الى نسف مقومات الاقتصاد اللبناني ومحو الجاذبية التي يتمتع بها.
هذا موجز بسيط للحرب التي تعرض لها الرئيس سعد الحريري، وللممارسات الكيدية التي واجهها في مسلسل مستمر منذ حرب الالغاء ضد الرئيس رفيق الحريري.
فريق حاقد لا يتقن السياسة الا من منطلق كيدي. وليس ادهى من التعاطي بالشأن المالي من منطلق كيدي، يتغطى بشعار التصحيح فيما مؤداه لا يوصل الا الى التخريب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.