8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

القرصنة في الصومال تقتحم جدول أولويات الدول للمحافظة على أمن البحر الأحمر

يكاد لا يمر اسبوع الا ونسمع عن صيد مهم للقراصنة الصوماليين قبالة السواحل الصومالية وفي البحر الاحمر وخليج عدن، حتى تحول هذا الملف الى مادة طارئة للتداول بين الدول الكبرى التي لها مصالح عريضة جدا في حرية الملاحة وأمنها في البحار الدولية والممارّ ذات الطبيعة الخاصة، وعلى طاولة الامم المتحدة، وفي حلف شمال الاطلسي (الناتو)، لدراسة سبل مواجهة هذه الازمة التي يعتقد البعض انها طارئة لكنها في الحقيقة تعود الى العام 1991.
خطوات عدة اعلن اتخاذها كان ابرزها ارسال قوات بحرية دولية لمحاربة القرصنة (اكثر من 22 دولة تشارك في هذه القوات). وكان اللافت في هذا الاجراء الضوء الاخضر الذي اعطاه الاتحاد الاوروبي لاول عملية بحرية في تاريخه لمكافحة اعمال القرصنة. فيما ارسل حلف شمال الاطلسي سفنا حربية في مهمة مزدوجة لمكافحة القرصنة ومواكبة السفن الناقلة للمساعدات الدولية قبالة الصومال. كذلك، فان تصريحات كثيرة شبه يومية تعد بمواجهة هؤلاء القراصنة الذين استطاعوا ان يقتحموا الاجندة الخارجية للرئيس الاميركي باراك اوباما. فالرئيس الجديد للبيت الابيض الذي يحاول هذه الايام لملمة القوات الاميركية المنتشرة في أنحاء العالم، والتخفيف من المجهود العسكري عبر خطتين للانسحاب من العراق وأفغانستان، اكد التزامه محاربة القرصنة كجبهة جديدة محتملة لحرب اميركية جديدة في إفريقيا.
مجلس الامن الذي مدد نهاية العام الماضي تفويض محاربة القرصنة باستخدام القوة العسكرية، يرى ان هزيمة القراصنة تتطلب اعادة سلطة القانون في الصومال، وانه من الضروري ان يستخدم المجتمع الدولي الاطار القانوني الموجود حاليا لملاحقة القراصنة. لكن الى اليوم لا يزال القراصنة يتحدون المجتمع الدولي وتزداد اهمية كنوزهم والتي كان آخِرَها صيدٌ اميركي ثمين استدعى عملية كوماندوس للافراج عن قبطان اميركي اختطف، سبقها تدخل عسكري فرنسي شبه فاشل ادى الى مقتل احدى الرهائن الفرنسيين.
وفقا للتقرير السنوي للمكتب الدولي للنقل البحري، فإن ظاهرة القرصنة البحرية ارتفعت بنسبة 10 في المئة خلال العام الماضي، وهي أكبر نسبة منذ عام 2003. حيث تم تسجيل 263 هجوما على السفن في عُرْض البحر حول العالم. وتعتبر المياه المحيطة بالقرن الإفريقي بين المناطق الأكثر خطورة في كل أنحاء العالم.ومنذ بداية العام 2009 الى اليوم، خُطفت 23 سفينة مقابل 42 العام الماضي.
موقع الصومال
واهمية البحر الأحمر
يعتبر موقع الصومال استراتيجيا، فهو من ناحية يطل على خليج عدن الذي يعد بمثابة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومن ناحية أخرى يطل على المحيط الهندي الذى يعتبر طريقًأ مائيًا سهلاً ورخيصًا إلى رأس الرجاء الصالح وجنوب شبه الجزيرة العربية والهند وغيرها من دول الشرق الأقصى. ومن ثم كانت هناك صلات وروابط تجارية بين الصومال وبين غيرها من الدول ومع مصر، ومع الجنوب العربي وخاصة في عدن حيث يكوّن الصوماليون جالية كبيرة بها.
ويتحكم خليج عدن في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وقناة السويس، وهو واحد من أهم طرق الملاحة البحرية في العالم، ويقدر عدد السفن التي تعبره سنويا بما بين 16 ألف سفينة و20 الفا ونحو 30 في المئة من الملاحة النفطية العالمية.
وهو يشكل طريقا رئيسيا للتجارة بين أوروبا وآسيا، ويكاد يكون الطريق الوحيد بين روسيا والدول المطلة على البحر الأسود إلى غرب إفريقيا وشرق وجنوب شرق آسيا. كما يكاد يكون الطريق الوحيد لتجارة الدول التي تطل على البحر الأحمر وليس لها منفذ على البحار الأخرى.
ويعتبر البحر الأحمر وخليج عدن الطريق الوحيد لتجارة الدول العربية المطلة عليهما كالأردن والسودان وجيبوتي، وهو طريق شديد الأهمية لتجارة كل من مصر والسعودية.
ويطل كل من اليمن والصومال على المحيط الهندي، وأي ارتباك في الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن يؤثر سلبيا بشكل واضح في مصالح تلك الدول.
ولان 30 في المئة من الملاحة النفطية تمر بالبحر الأحمر، فإن الدول العربية النفطية لا بد أن تتأثر بارتباك الملاحة في هذا الممر خصوصا دول الخليج العربية التي يمر جزء كبير من صادراتها النفطية إلى أوروبا عبره.
وهكذا يصبح هذا الممر مهما لكل من العراق والكويت والسعودية والبحرين وقطر والإمارات وعُمان.
كذلك تتأثر الملاحة في قناة السويس بارتباك الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لأنهما يعتبران امتدادا للقناة، إذ لا بد أن تمر السفن العابرة لقناة السويس بالبحر الأحمر إما قبل العبور أو بعده، وبالتالي فإن دخل مصر من القناة يتأثر بما يحدث من قرصنة في البحر الأحمر وقناة السويس.
ويرى خبراء ان انتقال الملاحة العالمية من البحر الأحمر إلى طريق رأس الرجاء الصالح سيكون أثره كبيرا على دخل قناة السويس، كما يمكن أن يكون سيئا على موانئ اليمن والصومال وتصدير النفط.
كذلك، يخشى أن تؤثر أعمال القرصنة على وصول المعونات الإنسانية التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي للصومال، وعلى نشاط الصيد في المنطقة.
ومن الناحية العسكرية، يشكل البحر الأحمر أهمية خاصة للولايات المتحدة. فقد استخدم في حرب الخليج الثانية.
وهو أداة الربط بين الأسطول الاميركي السادس في البحر المتوسط (أمام محافظة العريش)، والخامس في الخليج العربي الموجود قبالة سواحل البحرين وكذلك أسطولها السابع المرابط في المحيط الهندي.
وفي المنظور العربي يكتسب البحر الأحمر أهميته من كونه الرابط بين الأمن القومي العربي وامن الدول العربية المطلة عليه وأمن منطقة الخليج.
ولهذه الاسباب مجتمعة، جذبت أعمال القرصنة الصومالية الاهتمام الدولي بأمن أحد أهم الممار الملاحية الدولية في العالم قاطبة، ولكن، لم يصاحب ذلك اهتمام مماثل بإنهاء معاناة الصومال كدولة، وهي المصدر الأم لعمليات القرصنة.
وفي موازاة ذلك، تبرز تساؤلات عن سبب الصمت الاسرائيلي والدور الذي تلعبه في عمليات القرصنة، والجهة التي لها مصلحة في الضغط على مصر تحديدا بتحويل خط سير السفن التجارية بعيدا عن قناة السويس وإفقاد مصر دخلا يتجاوز 15 مليون دولار يوميا .
ويرى احد المحللين أن هناك طرفا لم يسمه، يريد دفع المجتمع الدولي إلى القناعة بضرورة إخضاع هذه المناطق لوصاية من نوع أو آخر، تمكنها من السيطرة على منافذ حيوية، بدعوى توفير حركة النقل الآمن ولاسيما بالنسبة لإمدادات الطاقة.
تاريخ القرصنة
بدأت ظاهرة القرصنة منذ انهيار الدولة الصومالية عام وسيطرة عصابات أمراء الحرب وميليشياتهم القبلية على أجزاء الصومال المختلفة.
لكن ضعف هذه العصابات في ملء الفراغ بعد انهيار الدولة، وفر امام سفن الصيد الاجنبية ذريعة لنهب خيرات شواطئ الصومال. عندئذ، بدأ الصيادون المحليون يشكون أن شباكهم الصغيرة وغيرها من معدات صيد الأسماك تتعرض للتدمير من قبل هذه السفن العملاقة، ما ادى الى مواجهة مباشرة بينهم وبين السفن الأجنبية في المناطق القريبة من الشاطئ الصومالي.
وراح هؤلاء الشباب يطاردون هذه السفن باستخدام زوارق سريعة وبنادق مما يدافعون بها عن أنفسهم في فوضى الحرب الأهلية.
وهكذا، أصبحت المياه الصومالية محط سفن الصيد الكبير التي تمارس الصيد.
لكن بعد أن أصيب هؤلاء الشباب بالإحباط بعدما تولت مليشيات أمراء الحرب حماية سفن الصيد، تحولوا إلى السفن التجارية بدل سفن الصيد، وأصبح الهدف بعد ذلك سهلا باستخدام زوارق سريعة مسلحة بمجموعة من الأسلحة. فبعد الاستيلاء على السفينة التجارية وطاقمها يطلبون الفدية مقابل إطلاق سراحهم (تفيد تقديرات بأن القراصنة حصلوا على نحو 30 مليون دولار خلال عام 2008 فقط كفدًى). وقد انضمت إليهم لاحقا مليشيات أمراء الحرب بعد أن رأى رجالها أن هذه الطريقة أسرع في الكسب من العمل لدى أمراء الحرب،
وهنا بدأت القرصنة تنحرف عن مسارها لتتعرض للسفن التي تقوم بإيصال المساعدات الغذائية من برنامج الأغذية العالمي للصوماليين أنفسهم الذين تتعرض حياتهم للتهديد جراء الكوارث الطبيعية والحروب الأهلية.
وحاليا، هناك من يثير مخاوف من أن يصبح القراصنة عملاء لما يعرف بالإرهاب الدولي، ومن أن الأموال التي تدفع فدية لهم تستخدم لتأجيج الحرب الأهلية وللشباب أو المتمردين الإسلاميين الذين تصفهم بالمتطرفين.
التدويل
اهتمام الدوائر الدولية بالقرصنة بلغ ذروته في قرارات مجلس الأمن رقمي 1814 و1816 ثم القرار 1838. وقد اشتمل القرار 1816 بناء على طلب الولايات المتحدة وفرنسا، على مبدأ جواز دخول السفن الحربية إلى المياه الإقليمية الصومالية بموافقة حكومتها لمكافحة القرصنة البحرية، فيما طالب القرار 1838 الدول بأن تتعاون مع حكومة الصومال.
وفي خليج عدن الان عدد كبير من الأساطيل الحربية الاميركية والأوروبية والآسيوية بهدف معلن هو حماية السفن التجارية لهذه الدول من القرصنة الصومالية المتزايدة وهو ما يقابل بقلق عربي من خطر تدويل البحر الأحمرالذي تسعى اليه هذه الدول بحُجة مكافحة القرصنة.
ويُعد الموقف اليمني هو الأكثر انتباها وحذرا لما يجري في خليج عدن، المقترن أمنه وسلامته بما يجري في البحر الإقليمي للصومال.
وكان وزير خارجية اليمن أبو بكر القربي واضحا، عندما عبّر عن مخاوفه من كثافة الأساطيل الغربية المُنتشرة في خليج عدن بدعوى مكافحة القرصنة، مؤكدا أنها تمثل تهديدا للأمن القومي العربي، وقال إن هذا الانتشار قد يؤدّي إلى تدويل البحر الأحمر.
وقد جاءت تحرّكات اليمن عبر ثلاثة محاور، أولها، محاولة إقناع عدد من الدول العربية الرئيسية المطِلة على البحر الأحمر، التعاون الجماعي لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. والثاني اتخاذ عدد من الإجراءات البحرية في حدود الإمكانات اليمنية المُتاحة، كنشر 1000 جندي من خفر السواحل و16 زورقا حربيا مجهّزا بمختلف المُعدّات البحرية العسكرية في خليج عدن وباب المندب، وتكثيف الدوريات الأمنية على مدار الساعة.
أما المحور الثالث، فهو السعي إلى أن يكون اليمن مركزا إقليميا لجهود مواجهة القرصَنة الصومالية.
كذلك، عبرت العديد من دول المنطقة عن مخاوفها، سواء من تفشي القرصنة، أو من آثارها وتداعياتها المحتملة.
فمصر التي عانت القراصنة الصوماليين الذين خطفوا عددا من سفن الصيد والبضائع المصرية في الفترة الماضية، والتي يعنيها أمن البحر الأحمر، نظرا لصلته الوثيقة بأمن الملاحة في قناة السويس، التي تعد المصدر الثاني للدخل القومي بعد السياحة، لا تمانع من أي تحرك دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، شرط التزام القانون الدولي للبحار، وألا تمَس هذه الجهود سيادة وأمن الدّول المُطلة على البحر الأحمر.
وتنطلق الرؤية المصرية من اعتبارين متلازمين، أولهما، أن ما يجري في خليج عدَن وثيق الصلة بأزمة الدولة في الصومال وغياب المصالحة فيها، ومن هنا، أهمية القيام بعمل عربي مدعوم دوليا لإعادة بناء الدولة الصومالية سلميا، ومِن ثَمّ عودتها إلى مظلّة الدول الطبيعية.
والثاني، ضرورة الحرص على تنسيق الجهود والمبادرات المقترحة لمكافحة القرصنة في خليج عدن مع قواعد القانون الدولي ذات الصلة، ومع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وأن توضع الضّمانات الكافية التي تكفل شرعية وقانونية هذه الجهود.
وفي اجتماع طارئ عقد في القاهرة، أكد ممثلو الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، أن مسؤولية أمن الملاحة في المنطقة تقع على عاتق هذه الدول. ودانوا عمليات القرصنة في السواحل المقابلة للصومال ، إلا أنهم شددوا على احترام استقلال الصومال وسيادته وأشاروا إلى أن ظاهرة القرصنة ناتجة عن تدهور أوضاع هذا البلد. في الختام، فان فراغ الأمن في الصومال ومصادر التسلح العديدة للفصائل الصومالية المتنازعة، وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لتأمين الخطوط البحرية والممار المائية، كلها عوامل ستجعل مكافحة القرصنة والقراصنة عملا شبه مستحيل وان تحول خليج عدن والبحر الاحمر الى مربع امني بحري لسفنها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00