دق الغرب ناقوس الخطر مخافة من ان يتسبب النزاع بين جورجيا وروسيا عبر اوسيتيا الجنوبية الانفصالية، في تعليق امدادات النفط التي يؤمنها خط الانابيب المعروف باسم خط باكو ـ تبيليسي ـ جيهان (بي تي جي)، من اسيا الوسطى الى اوروبا والولايات المتحدة.
"طريق حرير القرن 21"، وفق توصيف الرئيس التركي السابق احمد نجدت سازار في حينه، والذي يمر عبر اذربيجان وجورجيا وتركيا، يكتسي اهمية خاصة كونه خفف من قبضة روسيا على الموارد النفطية، ووصفه الرئيس التركي احمد نجدت سازار في حينه انه "طريق حرير القرن 21".
وبالتالي فان الغرب يعتبر ان المعارك الدائرة في القوقاز اضعفت موقع جورجيا كمعبر حيوي لنقل نفط بحر قزوين اليه، وهو ابدى قلقا بشأن سلامة الخط بعد حصول أكبر تعطل في الامدادات في المنطقة عقب انفجار في الاراضي التركية أعلن حزب العمال الكرستاني الانفصالي مسؤوليته عنه، ما ادى الى توقف تدفق نحو 850 ألف برميل من النفط يوميا.
وعقب نشوب الصراع الجورجي ـ الاوسيتي الخميس الماضي عندما أرسلت تبيليسي قوات لاستعادة السيطرة على اقليم اوسيتيا الجنوبية الذي تدعمه موسكو والذي انفصل عن جورجيا في التسعينات، توقفت كميات قليلة من شحنات النفط عبر ميناءي بوتي وباتومي المطلين على البحر الاسود. ويستخدم الميناءان لتصدير منتجات النفط من دول اخرى مطلة على بحر قزوين مثل كازاخستان وتركمانستان اضافة الى الخام الاذربيجاني.
وكانت اولى تداعيات هذه المعارك زعزعة أسواق النفط واثارة قلق المستثمرين في روسيا وبعث مخاوف من صراع أوسع في المنطقة المضطربة المتاخمة لإيران وتركيا وروسيا.
وكانت الولايات المتحدة عبرت عن دعم مادي ومعنوي كبير لخط باكو ـ تبيليسي ـ جيها، كونه يخفض التبعية الغربية حيال نفط الشرق الأوسط ويحد من اهمية استخدام انابيب نفط روسيا التي تصدر النفط الى الغرب، وهو ما سيخفف من قبضة هذه الاخيرة على هذه الموارد.
واعلن الرئيس الاميركي جورج بوش عند افتتاح الخط عام 2005 "ان الولايات المتحدة دعمت الخط بقوة لاننا نؤمن بقدرته على تعزيز امن الطاقة العالمي".
لكن روسيا لم تكن مرحبة لانشاء الخط الا انها قالت انها لن تضع العصي في دواليب المشروع واكدت في حينه ان نفطها لن يمر عبره. وانتقدت في الوقت نفسه الولايات المتحدة وقالت انها لم تكن مصادفة تسمية المشروع بالجيوـ سياسي الاميركي الرئيسي في الساحة السوفياتية السابقة. ودللت في ذلك على تصريح الرئيس الاذربيجاني الراحل حيدر علييف الذي قال ذات يوم، "ان الانبوب الجديد سيسري فيه النفط في اتجاه بينما تسري السياسة في الاتجاه المعاكس". كذلك اشارت الى انه قبل ان يبدأ ملء الانبوب بالنفط، شهدت جورجيا، احد الاطراف المعنية، ثورة ذات اتجاه اميركي.
اذاً، اهمية هذا الخط تكمن في كونه الطريق العملي الوحيد لنفط قزوين الى اوروبا والولايات المتحدة. وهو يقطع جورجيا بطول 249 كيلومترا بينها 55 كيلومترا عبر اوسيتيا الجنوبية فيما يمر بمحاذاة ابخازيا الانفصالية.
ويعتبر باكو ـ تبيليسي ـ جيهان ثاني اطول خط انابيب في العالم بعد خط أنابيب دروجبا من روسيا إلى وسط أوروبا. وهو اول مشروع يربط بين منطقة بحر قزوين التي يعتقد انها تضم ثالث اكبر مخزون للنفط والغاز في العالم، ومنطقة الشرق الاوسط.
ينقل الخط النفط الخام لمسافة 1776 كيلومترا من حقل نفط كونشلي الأذري في بحر قزوين إلى البحر المتوسط. ويبلغ طوله داخل أذربيجان 442 كيلومترا، وفي جورجيا 260 كيلومترا، وفي تركيا 1076 كيلومترا. وهناك 8 محطات ضخ على طول الخط. ويمر خط الأنابيب بباكوعاصمة أذربيجان، وتبيليسي عاصمة جورجيا، وجيهان الميناء التركي على البحر المتوسط. ومن هنا أتت التسمية.
انطلاقة الخط تبدأ من اذربيجان، الدولة الحليفة لواشنطن في حربها على الارهاب، كما تشارك بقوات في العراق، لتمر داخل اراضي جورجيا لينتهي الى ميناء جيهان المطل عى البحر الابيض المتوسط، متفادية المرور في روسيا وارمينيا وايران والعراق وسوريا.
لكن الخط يمر، ولاميال محدودة في اقليم ناغو كاراباخ الذي يسيطر عليه الانفصاليون الارمن منذ اكثر من عقد. وهو يتفادى عند مروره في جمهورية جورجيا اقليمين انفصاليين اخرين شمال البلاد، كما انه يمر ولفترة قصيرة في مناطق كردية داخل تركيا.
اما قدرة ضخه فتبلغ مليون برميل يوميا. وهو ينقل أكثر من 1 في المئة من إمدادات النفط العالمية.
تملك شركة "بريتش بتروليوم" البريطانية 30 في المئة من الخط، الى جانب نحو عشرة شركاء بينهم "شفرون" و"كونوكوفيليبس" و"بتروفاك" الاميركية.
وكانت شركة يونانية فازت بأول عقد لإنشاء الخط والتي بلغت قيمته 4.9 مليارات دولار. وكان الكونسورتيوم المسؤول عن المشروع أعلن في العام 2005 أن عقدا منح لشركة "كونسوليدايتد كونستراكتورز إنترناشونال كومباني" اليونانية ينص على مد أنابيب في أذربيجان. أما العقد الثاني فأبرم مع مجموعة تضم شركتي "سباي كاباغ" الفرنسية و"بتروفاك الأميركية" يقضي بمد أنابيب في جورجيا وإنشاء بنى تحتية في أذربيجان وجورجيا.
وفي ما يتعلق بالجزء التركي من خط الأنابيب، ابرمت عقود منفصلة مع شركة "بوتاس" الرسمية للأنابيب. وأعلن الكونسورتيوم إنشاء شركة قابضة تسمى شركة خط أنابيب باكو ـ تبيليسي ـ جيهان.
ويمكن تبرير مسارعة الاتحاد الاوروبي عبر الرئاسة الفرنسية الحالية الى التوسط لايجاد حل لهذا النزاع والتدخل الشخصي للرئيس نيكولا ساركوزي في هذه القضية منعا لانفجارها بشكل لا يمكن وضع حد لها، الى ان الاتحاد الاوروبي يعلق اهمية كبيرة على هذه المنطقة القوقازية للحد من اعتماده على النفط والغاز الروسيين، وباعتبارها الممر الأول لنقل الطاقة من بحر قزوين إلى الغرب وهو مسار يتجنب الاراضي الروسية من خلال المرور عبر جورجيا.
وفي الاطار نفسه، القى الاتحاد بثقله وراء مشروع خط الانابيب "نابوكو" الذي يتوقع أن يبدأ تشغيله عام 2013 وسينقل غاز بحر قزوين إلى تركيا ومنها إلى غرب أوروبا.
روسيا تؤمن حاليا نحو 25 في المئة من حاجات الاتحاد الاوروبي للنفط الخام ونصف حاجته من الغاز الطبيعي. وبالتالي، فان موسكو، ومن خلال توغلها العميق في جورجيا الدولة السوفياتية السابقة بحجة حماية رعاياها في اوسيتيا الجنوبية الساعية للانفصال عن جورجيا، فانها تحاول التقليل من قيمة الهجوم المضاد للغرب في المنافسة المميتة في الطاقة، اي خط الانايبيب الذي يعتبر شريانا اساسيا لنقل النفط من بحر قزوين وحقول اسيا الوسطى الى المرفأ التركي على المتوسط.
وفي المقابل، فان بعض النواب الاميركييين يبدون قلقا من ان تؤدي السيطرة الروسية على اسواق الغاز الاوروبية والتخوف من حرب باردة، الى ان يكون الشتاء الاوروبي قارصا اذا ما قرر "كرملين غاضب" اقفال الصمامات امام الدول الاوروبية وهو ما قد يعزز الانقسامات في حلف شمال الاطلسي (الناتو) اذا شعر اعضاء "الناتو" بانهم مرغمون على التغاضي عن مغامرة روسيا في امبراطوريتها السابقة والتي تسمى الان "الجوار القريب".
لكن محللين يستبعدون ان تكون روسيا تحاول السيطرة على خطوط النفط والغاز لان "الناتو" سيعتبره حينها تهديدا وجوديا لامنه ومثل هذا الامر يتطلب ردا عسكريا. ويعتقدون في المقابل ان المعارك في جورجيا ستدفع على المدى البعيد المستثمرين الى الاحجام عن الاستثمار في حقول النفط والغاز في بحر قزوين.
وهكذا يدخل النفط مجددا في قلب الصراعات السياسية الدولية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.