لأن الادارة الاميركية الحالية تريد ان ترسي مداميك نشر درع صاروخية في اوروبا الشرقية قبل خروج الجمهوريين من البيت الابيض، فهي تضرب عرض الحائط باعتراضات روسيا ودول اوروبية اخرى على هذا النظام الذي يتوقع ان يؤثر سلبا على التوزان الاستراتيجي بين الدول (تحديدا بين الولايات المتحدة وروسيا والصين)، وعى المعهدات الدولية الخاصة بالحد من انتشار الصواريخ البالستية، وحظر الاسلحة النوية، وتسريع سباق التسلح.
والمدماك الاول سيكون بتوقيع المعاهدة الاساسية بشأن الرادار مع التشيك التي يتوقع ان تصل اليها في الثامن من تموز (يوليو) الحالي او التاسع منه وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس لتوقيع معاهدة بناء قاعدة رادار في منطقة "ميتان برادا"العسكرية على بعد نحو 90 كيلومترا جنوب غرب براغ. واى التشكي، فان المدماك الثاني سيكون بولندا او لينتوانيا في حال فشل المفاوضات مع الاولى.
ظلت علاقات الأمن عبر الاطلسي راسخة لما يقترب من مرور عقد على انتهاء الحرب الباردة. لكن نظام الدفاع الصاروخي الاميركي يعتبر أكثر القضايا الأمنية التي يمكنها أن تحدث خلافات جوهرية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، من جهة، وروسيا الذي ترى فيه تهديدا لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة، من جهة أخرى.
وعاد هذا الموضوع الى الواجهة بقوة مع فوز جورج بوش الابن والجمهوريين، وهم الذين تبنوا التسريع في بناء شبكة الدفاع كاحد قضايا الامن القومي التي تم استثمارها في الحملة الانتخابية على خلفية التباطؤ الذي اظهره الديموقراطيون في المضي قدما في المشروع. وكانت ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون اتخذت في أشهرها الاخيرة، قرارا بتأجيل البت في الموضوع، وهو ما استغله الجمهوريون حتى النهاية، متهمين خصومهم بانهم يتراخون في الدفاع عن الامن القومي الحساس للولايات المتحدة.
وتعود أسباب تأجيل إدارة كلينتون لاتخاذ قرار حاسم، إلى جملة عوامل، أهمها: عدم إغضاب روسيا والصين والاتحاد الأوروبي وبأمل الوصول إلى صيغة توافقية مع تلك الأطراف غير مستفزة لتنفيذ المشروع، والشكوك العميقة في الفاعلية العملية للنظام برمته بعد الفشل المشهور لتجارب اطلاق اختبارية عدة قصدت تصيد صواريخ مهاجمة لأهداف أميركية على الأراضي الأميركية، اضافة الى التكلفة المالية الباهظة للبرنامج والتي تفوق في بعض تقديراتها أربعين مليار دولار.
وفشلت القمم المتعاقبة التي جمعت بوش والرئيس الروسي السابق فلاديمر بوتين، في ايجاد قواسم مشتركة يمكن الاتفاق حولها او صيغة يمكن النطلاق منها بغية رأب الصدع في العلاقات الروسية ـ الاميركية التي تسببها هذا البرنامج.
تعريف الدرع الصاروخية
كما هو مخطط له، فان النظام الدفاعي الصاروخي الجديد (SNEFED ELISSIM LANOITAN - DMN) يتألف من جهاز رادار واحد منصوب في جمهورية التشيك، مصحوبا بعشرة انظمة اعتراض صاروخي منصوبة في بولندا بحلول 2011 ـ 2012.
ويقصد بـ"نظام الدرع الأميركية المضادة للصواريخ" بناء شبكات حماية مكونة من أنظمة صواريخ أرضية، مستندة إلى نقاط ارتكاز جغرافية عدة، قادرة على إسقاط أي صاروخ بالستي عابر للقارات يستهدف الأراضي الأميركية. (الصاروخ البالستي هو صاروخ قذفي يأخذ قبل أن ينفجر بقوة هائلة مسارا من ثلاث مراحل: مرحلة الدفع ثم مرحلة الخروج من الغلاف الجوي ثم مرحلة العودة إليه) .
وهذا النظام في حال تنفيذه، يطبق للمرة الأولى في العالم من قبل دولة كبرى، وهو ما تحظره معاهدة الحد من الأسلحة البالستية (MBA) الموقعة بين روسيا والولايات المتحدة عام 1972، والتي قصدت بنودها عن عمد حظر إقامة مثل هذه الشبكات القومية الدفاعية وأبقت الأجواء مفتوحة ومعرضة للهجوم المتبادل وذلك كوسيلة ردع لكل الدول، حيث لا تقدم أي دولة على استخدام صواريخ بالستية عابرة للقارات خشية أن يتم الرد عليها بالمثل من قبل الدولة التي تعرضت للهجوم.
ومصادر التهديد المحتملة التي تقوم عليها إستراتيجية نظام الدرع الأميركية والمتوقع انطلاق صواريخ هجومية منها ضد الولايات المتحدة، هي بالدرجة الأولى إيران، والعراق، وكوريا الشمالية، وكوبا وأي دولة تقع تحت تصنيف "الدول المارقة" كما تعتمده واشنطن.
ولصد أي صواريخ باليستية جوالة قد تطلقها هذه "الدول المارقة" أو غيرها على الأراضي الاميركية، تطلق صواريخ اعتراضية تحمل ما يسمى كبسولات التدمير الذكية ذات القدرة على المناورة للتصدي للرأس الحربية الهجومية.
وتنطلق كبسولات التدمير المناورة من مقدمة الصاروخ الاعتراضي على مسافة عالية جداً من سطح الأرض عند تخوم الفضاء، ويعتمد مدى نجاح المنظومة بكاملها على قدرة كبسولة التدمير على إصابة الرأس الحربية للصاروخ المهاجم إصابة مباشرة وهو ما يشبه محاولة صد رصاصة باطلاق رصاصة أخرى عليها.
المبررات الأميركية لتسويغ النظام
ترتكز المسوغات التي تسوقها واشنطن لحلفائها وخصومها على حد سواء، في معظمها على أمرين أساسيين، هما:
1 ـ لا تحدث الشبكة الدفاعية الصاروخية أي تغييرات جذرية في الوضع القائم للأمن والتوازن العالميين، فهذه الشبكة مصممة لصد صواريخ فردية محدودة قد تصدر قصدا أو خطأ عن هذه الدولة "المارقة" أو تلك، وليست مصممة بهدف ـ ولا تستطيع ـ صد هجوم كاسح تكون فيه الصواريخ منهمرة بغزارة سواء أكان مثل هذا الهجوم مصدره روسيا أم الصين، وهي البلدان الأكثر تضررا من اختلال التوازن الذي تحدثه هذه الشبكة. وبالتالي فإن "الردع المتبادل" الذي حفظ التوازن الدولي ما زال قائما والتخوفات من اختلال ذلك التوازن بين القوى الكبرى مبالغ فيها.
2 ـ قد تتطور هذه الشبكة مستقبلا لتضم دول حلف الأطلسي نفسها، وبالتالي الانسجام في الشراكة مع أوروبا وليس الابتعاد عنها.
تناقضات
ويرى خبراء في هذه المسوغات جملة من التناقضات، ابرزها انها تنزع من المشروع قيمته "الدفاعية والدعائية" الكبرى بكونه المكون الجوهري لإستراتيجية الجمهوريين في الدفاع عن المخاطر المحتملة. وبالتالي اذا كان هذا النظام لا يستطيع صد هجوم فاعل من روسيا أو الصين، فإنه من المبالغة تحميله ما لا يحتمل ومحاولة إقناع الرأي العام بحيويته ومركزيته الكبرى.
واضافة الى هذا التناقض، يجدر التساؤل عن قدرة أي من الدول التي يتوجه إليها هذا النظام، أي الدول المارقة، على الاقدام على القيام بمغامرة انتحارية عبر إطلاق صاروخ ضد أراضي الولايات المتحدة.
ويتوقع العديد من المحللين العسكريين ان تخلق الانعكاسات المترتبة على هذا النظام على المستوى العالمي، مناخا شبيها بأجواء الحرب الباردة حيث التهديدات الأمنية العالمية المتبادلة تكون قارية وتدفع بسباق التسلح أشواطا هائلة إلى الأمام. فهذا النظام يعمل بالدرجة الاولى على الإخلال بالتوازن الإستراتيجي تحديدا مع الصين وروسيا بشكل لا يمكن ان تحتمله هاتان القارتان، كونه يوفر للولايات المتحدة تفوقا إستراتيجيا غير مسبوق عليهما تاركا إياهما مكشوفتي الظهر إستراتيجياً إلى درجة انكشاف قصوى لم تصلاها في أقصى درجات التوتر في حقبة الحرب الباردة. إذ عبر استخدام هذا النظام تستطيع الولايات المتحدة إسقاط أي صاروخ بالستي ينطلق إليها، نظريا، من الصين أو روسيا، بينما لا تستطيع أي من هاتين الدولتين إسقاط أي صاروخ أميركي من المستوى البالستي نفسه. أي أنه في الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة بمنأى عن أي هجوم صاروخي خارجي لأنها تستطيع صده، فإن بلدان العالم كافة تكون معرضة لأي هجوم صاروخي أميركي لأن أيا من دول العالم لا تمتلك قدرة الصد نفسها التي تمتلكها الولايات المتحدة.
وتجدر الاشارة هنا الى ان الرئيسين الروسي الجديد ديمتري مدفيديف والصيني هو جينتاو، دانا خلال لقائهما في بكين، المخطط الاميركي، وهو الموقف الاول المشترك بينهما. واعتبرا ان هذا النظام لا يساعد على خلق توازن استرايتجي ويؤذي الجهود الدولية الرامية الي السيطرة على التسلح وعملية الحد من انتشار الاسلحة النووي.
كذلك، يعمل هذا النظام على تعريض اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ البالستية لخطر الإلغاء.
أما الآن، فنظريا تستطيع الولايات المتحدة أن تقدم على ذلك دون الخوف من أي انتقام من النوع نفسه.
وهناك تخوف من أن هذا النظام لن يقتصر على حماية الأراضي الأميركية تحديدا، وأنه لن يكون سوى المرحلة الأولى من إستراتيجية أمنية أميركية "معولمة" أخطر مما قد يبدو للوهلة الأولى. وستكون هناك مراحل لاحقة في سياق هذه الإستراتيجية تهدف إلى توفير غطاء مماثل من الدفاع الصاروخي لحلفاء واشنطن البعيدين عنها جغرافيا مثل اليابان وتايوان، أي على حدود الصين وفي فضائها الحيوي وبما يحبط تفوقها الإقليمي، ما لا يجلب النوم الهانىء لعيون الإستراتيجيين الصينيين.
وفي جانب الاتحاد الاوروبي، الحليف عبر الأطلسي لواشنطن والشريك التاريخي في حلف شمال الاطلسي "الناتو"، هناك قلق من هذا النظام وشعورها بأن واشنطن لا تلقي بالا للشراكة الأطلسية في تبني إستراتيجيات أمن عالمية، في وقت تنتقد الأورورييين بشدة عندما يقررون في شأن الأمن الأوروبي وحدهم ومن دون استشارتها. وقد قوبلت فكرة النظام الصاروخي بنقد شديد وبرود حتى من قبل بريطانيا الدولة الأقرب سياسيا وإستراتيجيا للولايات المتحدة. ويوازي تصاعد وتيرة مشروع الدرع الأميركية المضادة للصواريخ، على الضفة الأوروبية للأطلسي تصاعد مشاريع "أوربة" أمن القارة الأوروبية من طريق تشكيل قوة أمن أوروبية منفصلة عن الناتو, أو تعميق المكون والهوية الأوروبية لـ"الناتو" نفسه.
لكن على الرغم من كل النقد المباشر وغير المباشر الذي تعرض له المشروع الأميركي من قبل الحلفاء الأوروبيين، والتهديدات التي يستبطنها للشراكة عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، فإن واشنطن مصرة بعناد على المضي فيه حتى مع ما تطرحه بعض الأصوات الأوروبية من احتمالات ولو بعيدة المدى بأن يكون هذا النظام البداية لتفسخ حلف الأطلسي نفسه وانكفاء الولايات المتحدة وأوروبا كل على حدة لإقامة نظام أمن خاص بعيدا عن الشراكة الطويلة بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتطور الحرب الباردة.
دراسة لـ"ماساتشوستس"
في دراسة أعدتها مجموعة من علماء برامج الدراسات الأمنية والعسكرية في معهد "ماساتشوستس" الاميركي للتكنولوجيا (ام اي تي) ومن بينهم محللون قدامى لبرامج الدفاع الصاروخية، اعتبرت النظام الدفاعي الاميركي بانه فاشل. ويقول واضعو هذه الدراسة انه من الناحية العلمية البحتة قد لا تكون مبادرة الدرع الصاروخية الاميركية في النهاية سوى مبادرة سياسية في المقام الأول قبل أن تكون عسكرية كما يبدو من محتواها. ذلك انه باستثناء كوريا الشمالية، لا تملك اي دولة معادية لواشنطن بما في ذلك ايران، قدرات تمكنها من ممارسة تهديد صاروخي مباشر على الأراضي الاميركية الا اذا اعتبرت واشنطن ان روسيا معادية وفق مفهوم الحرب الباردة التي توشك على التجدد بثوب جديد.
كذلك، تعتبر الدراسة انه وإمكان العديد من البلدان، وليست روسيا فقط، تطوير منظومات مضادة للدرع المضادة نفسها، أبسطها إخفاء الرأس الحربية الحقيقية التى يحتويها الصاروخ المهاجم في بالون ضمن مجموعة من البالونات المضللة ذات الأغشية المعدنية التي تستهدف إرباك مستشعرات توجيه كبسولة التدمير وعدم قدرتها على تمييز البالون الذي تحتوي الرأس الحربية الحقيقية عن باقي البالونات ما يجعل تحقيق إصابة مباشرة أمراً شبه مستحيل.
وتشير الدراسة الى ان ما أكده بوتين من ان روسيا سترد على منظومة الدفاع المضاد للصواريخ الاميركية باهظة الثمن بانتاج منظومات أرخص منها بكثير وفاعلة بما يكفي لمجابهة هذه المنظومة، "أمر يبدو مطابقا للحقائق العلمية التي تقول ان منظومة الدرع الصاروخية مهما تقدمت او تطورت يمكن التغلب عليها باجراءات قد يكون بعضها بسيطا وغير مكلف".
اجراءات مضادة
وحددت الدراسة مجموعة من الإجراءات المضادة التي يمكنها إفشال مبادرة الدرع الصاروخية، و"هي تنقسم الى 3 أقسام رئيسية منها ما يتعلق بقهر النظام نفسه وما يتعلق باعاقة تحديد وكشف هوية الرأس الحربية او منع الصاروخ الاعتراضي من إصابة الرأس الحربية الهجومية. ولقهر نظام الدفاع، يمكن إما إطلاق عدد من الصواريخ دفعة واحدة بما يفوق قدرة الدرع على الاعتراض او تحميل كل صاروخ بعدد من الرؤوس الحربية الحقيقية وليس رأسا واحدا... او في حال الهجمات الكيميائية والبيولوجية نشر تلك المواد على شكل عبوات ذخيرة صغيرة لكن كثيرة". اضافت "من أجل إعاقة تحديد هوية الرأس الحربية يمكن اللجوء الى نشر نسخ طبق الأصل من الرأس الحقيقية مع أهداف خداعية او اخفاء الرؤوس الحربية في بالون بين كثير من البالونات المزيفة ذات الأغشية المعدنية او تغليف الرأس الحربية بآلاف القصاصات المعدنية الصغيرة العاكسة راداريا او تخبئة الرأس الحربية ضمن شظايا ومخلفات محركات الدفع للصاروخ الهجومي. وللهدف السابق نفسه يمكن كذلك الى جانب التشويش على رادارات رصد انطلاق الصواريخ الهجومية اما استهلال الهجوم بعدة تفجيرات لتعمية مكاشيف الاشعة تحت الحمراء او تغليف الراس الحربي بغلاف مبرد من النيتروجين السائل ليصبح غير مرئي من قبل المكاشيف والمستشعرات تحت الحمراء. كما يمكن صنع الراس الحربي وغلافه بشكل يجعله يعكس اشعة رادارية اقل او ببساطة استهلال الهجوم بمهاجمة الرادارات الرئيسية لنظام الدرع الصاروخية والاقمار الصناعية التي ترصد الصواريخ راداريا وتلاحق احداثياتها وان كان الهدف الاخير صعب المنال".
وبحسب الدراسة، فانه "لمنع الصاروخ الاعتراضي من اصابة الرأس الحربي يمكن للجهة المهاجمة اطلاق الصواريخ الباليستية على ارتفاعات منخفضة او الاعتماد على اطلاق صواريخ باليستية قصيرة المدى من سفن وغواصات تنتشر قرب سواحل المنطقة المستهدفة او اضافة دافعات نفاثة الى الراس الحربي لاكسابه القدرة على المناورة والهرب من كبسولة التدمير".
ورأت ان هزيمة النظام الدفاعي تعتمد اساسا على مدى فعالية ذلك النظام في ظروف الهجوم الحقيقي بعيدا عن معطيات اختبارات الاطلاق التي يتم التحكم في ظروفها ومدى قدرته كذلك على مجاراة اي ظروف غير متوقعة وخاصة اي اجراءات مضادة مجهولة قد يتفتق عنها عقل "المارقين".
اعتراض روسي واقتراحات متبادلة
تتهم روسيا الولايات المتحدة باستخدام اساليب الحرب الباردة لاقناع اوروبا باستضافة الدرع المضادة للصواريخ. وشن الرئيس الروسي السابق فلاديمر بوتين حملة شرسة ضد النظام الدفاعي الاميركي واعتبره خطرا على الأمن القومي الروسي.
واقترح بوتين في المقابل، في قمة الثماني في ألمانيا، بأن تتقاسم كل من موسكو وواشنطن استخدام نظام للرادار في أذربيجان، لإنشاء درع صاروخية تقوم على حماية القارة الأوروبية بأكملها. ورأى انه بموجب هذا الاقتراح، لن تكون هناك الحاجة لأن تنفذ روسيا تهديدها بإعادة توجيه صواريخها باتجاه أوروبا.
وكان بوتين حذر في لهجة اعادت التذكير بالحرب الباردة، في لقاء مع الصحافيين الأجانب قبيل القمة، قائلا "إذا تنامت القدرات النووية الاميركية في أوروبا، فستكون لنا أهداف جديدة فيها.. ن الأمر متروك للجيش الروسي لتحديد هذه الأهداف".
وقال الرئيس الروسي "ليس لدى إيران ولا كوريا الشمالية الأسلحة التي تقول واشنطن إنها تريد إسقاطها، لقد قيل لنا إن الدرع الصاروخية تستهدف شيئا هو في الحقيقة غير موجود، ألا يبدو ذلك مضحكا".
وعبثا حاول الرئيس الاميركي في القمة نفسها تطييب خاطر بوتين، عندما اكد أن خطة بلاده لبناء جزء من الدرع الدفاعية الصاروخية في جمهورية التشيك وبولندا هو إجراء "دفاعي بحت" لا يستهدف روسيا وعرض على بوتين التعاون.
كذلك، هاجم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الخطة الدفاعية الاميركية بشدة، قائلا ان ايران لا تمتلك صواريخ طويلة المدى، ودفع عوضا عن ذلك بأن الدرع يهدد الامن القومي الروسي.
وهو ما عبر عنه ايضا الجنرال الروسي المتقاعد نيكولاي روديونوف الذي تولى في حينه مسؤولية ملف حماية العاصمة الروسية من الهجمات الصاروخية، بقوله في حديث لصحيفة "فريميا نوفوستي"، ان الولايات المتحدة طرحت حلا من شأنه إقناع روسيا بالتراجع عن الاعتراض على إنشاء المنظومة في أوروبا يقضي بالسماح لممثلي روسيا بالدخول إلى منشآت هذه المنظومة في التشيك وبولندا ليتابعوا عملها. إلا أن الاميركيين يشترطون لتطبيق هذا الحل سماح الجانب الروسي لممثلي الولايات المتحدة بدخول منشآت تابعة لمنظومة الدرع الصاروخي الروسية.
واعتبر روديونوف أن الاميركيين يسعون إلى وضع الدرع الصاروخية الذي يحمي العاصمة الروسية تحت مراقبتهم. وقال "لو كانت الفكرة حماية أوروبا من صواريخ إيرانية فعلا لفرض هذا إنشاء درع صاروخية قرب إيران في تركيا أو إيطاليا. أما أن ينشر الاميركيون مكونات درعهم الواقية قرب روسيا في الأراضي التشيكية والبولندية فهذا يعني أن روسيا هي المستهدفة". وأكد أنه يرى أن كل الاقتراحات الاميركية تهدف إلى تحويل الأنظار عن الهدف الرئيسي إلا وهو وضع ما يحمي موسكو من صواريخ تحت مراقبة العسكريين الاميركيين.
وطالبت روسيا بمنحها حقا دائما في الوصول الى المواقع التي ستستخدم في اوروبا الشرقية. لكنها، ووفق ما اكده وزير خارجيتها، لم تتلقَ استيضاحات رسمية من واشنطن.
من جهته، كشف مدير دائرة اميركا الشمالية في وزارة الخارجية الروسية إيغور نيفيروف "ان المفاوضين الاميركيين عرضوا على الجانب الروسي التواجد في مواقع الدرع الصاروخية في التشيك وبولندا، لكنهم يقولون الآن، إنه يتعين علينا الاتفاق بهذا الشأن أيضا مع الجانبين البولندي والتشيكي، اللذين لديهما وجهة نظرهما بهذا الخصوص. وأكدنا مرات أن تواجد مراقبينا الدائم في هذه المنشآت ضروري، لأنه سيساعد حقا على الوثوق بأن هذه المنشآت ليست ضد روسيا".
وكانت واشنطن عرضت على روسيا، توفير معلومات تفصيلية مفصلة وموجزة في الوقت ذاته عن قدرات النظام الدفاعي المراد نصبه في التشيك وبولندا، إلى جانب تبادل المعلومات معها في كل ما يتعلق بأي معلومات إنذار مبكر يتم الحصول عليها من النظام المعني. لكن موسكو ظلت متمسكة برفضها للفكرة من أساسها. وليس ذلك فحسب، بل هدد بوتين علناً بتعليق عضوية بلاده في معاهدة "القوى التقليدية في أوروبا"، في حال تجاهل واشنطن لروسيا ومضيها قدماً في تنفيذ خطتها الدفاعية، وذلك بعد التهديد بتوجيه القوات الصاروخية الاستراتيجية الروسية صواريخها البالستية العابرة للقارات إلى المنشآت التشيكية والبولندية.
والمحت روسيا الى وجوب الاخذ في الاعتبار المعارضة في بعض الدول الاوروبية لنشر الدرع الصاروخية.
انتقاد اوروبي
بالفعل، ظهرت اصوات معارضة داخل العديد من الدول الاوروبية. فشركاء المستشارة الالمانية انجيلا ميركل في الائتلاف الحاكم، انتقدوا بشدة خطط الولايات المتحدة، قائلين ان المشروع قد يؤدي الى سباق جديد للتسلح يعيد الى الإذهان فترة الحرب الباردة.
وحذر وزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير واشنطن من محاولة تقسيم اوروبا الى "قديم" و"جديد" بخططها. وشتاينماير عضو بالحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي يحكم مع المحافظين بزعامة ميركل.
وذهب رئيس الحزب الديموقراطي الاشتراكي كورت بيك الى ابعد من ذلك، داعيا الاتحاد الاوروبي الى الوقوف صفا واحدا ضد المشروع الذي تعتبره روسيا تعديا على نطاق نفوذها السابق ومحاولة لتغيير ميزان القوى بعد الحرب الباردة.
وقال بيك في تصريحات لصحيفة "بيلد" الالمانية "لا نحتاج الى صواريخ جديدة في اوروبا.. لا يريد الحزب الديموقراطي الاشتراكي سباقا جديدا للتسلح بين الولايات المتحدة وروسيا في الاراضي الاوروبية. ينبغي لاوروبا ان تتحدث بصوت واحد في هذه المسألة".
وفي سياق متصل، نشرت شبكة الدراسات الامنية الدولية تقريرا كتبه بروكس تيغنر عن سياق العمل المتبع في خطة نشر الدرع الصاروخية ومدى جدية تاثيره على الارض وكيفية ارتباط نظام الدرع بحلف "الناتو"، وكان من اهم الاستنتاجات:
"ان اوروبا حاليا تدرس التعقيدات المرتبطة بتفاصيل الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة في مجال الدفاع الصاروخي.
ان هدف الحكومة الاميركية زيادة نظامها الدفاعي الصاروخي الوطني بمواقع رادارات وطائرات اعتراضية جديدة في بولندا والجمهورية التشيكية، يطرح التساؤل حول أولوية دور الناتو في الدفاع الصاروخي والمفاهيم القديمة حول قوة الردع. وفي فرنسا نسأل: إلى أي درجة يمكن ان يجلب هذا النظام الاميركي الممتد الحماية للأراضي الأوروبية؟
ان هذه مسألة تقنية بحتة، أما سياسيا فنحن نسأل: ما هو شكل العلاقة بـ"الناتو"؟ وهل سيكون هناك تقاسم للمعلومات من قبل واشنطن حول معلومات الإنذار المبكر؟ ومن الذي قد يتخذ القرار بالقيام باطلاق الصواريخ في حالة الدفاع؟
وبحسب قول روبير رنكيه، نائب مدير الشؤون الاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، فـ"نحن بحاجة إلى فهم افضل للنيات الاميركية".
ايران تسخر
طهران من جهتها تعتبر ان المزاعم التي تعلنها واشنطن من اجل نشر برنامجها الدفاعي لحماية حلفائها من تهديدات ايرانية، بانه "نكتة العام"، فـ"مدى الصواريخ الايرانية لا يصل الي اوروبا.. إضافة إلى ذلك أوروبا هي أكبر شريك تجاري لنا، فأين هو المنطق وراء إمكان قيامنا بشيء كهذا"
وتضم الترسانة العسكرية الإيرانية صاروخ "شهاب ـ 3" الباليستي، ويبلغ مداه 1300 كيلومتر، على الأقل، وهو قادر على بلوغ إسرائيل.
التوقيع مع التشيك
بين الثامن من تموز (يوليو) الحالي والتاسع منه، تصل وزيرة الخارجية الاميركية الى براغ لتوقيع المعاهدة الاساسية حول انشاء الرادار. لكن مدى جاهزية المعاهدة الثانية حول تواجد افراد القوات المسلحة الاميركية في التشيك للتوقيع لا يزال مجهولا.
وكانت الحكومة التشيكية صادقت في الثاني عشر من ايار (مايو) الماضي رسميا على المعاهدة التشيكية ـ الاميركية الرئيسية بشأن بناء القاعدة في المنطقة. ولكي يصبح التوقيع ناجحا يجب ان يصادق على الوثيقة مجلسا البرلمان وبعد ذلك يوقعها الرئيس التشيكي فاتسلاف كلاوس عملا بالقوانين التشيكية.
ووجهت براغ انتقادات لموسكو، وقال رئيس وزرائها، ميرك توبولانك، إنه لن يطلب من روسيا إذنا لإقامة محطات اميركية رادارية في بلاده. واوضح ان التشيك تعاونت مع روسيا في مواضيع كثيرة، لكنها هي التي تملك وحدها القرار في ما يتعلق بشؤونها الداخلية.
بولندا والبديل الليتواني
تبحث الولايات المتحدة عن بديل لبولندا في حال فشلت المفاوضات معها، حيث يدور الحديث عن وضع نظام رادار في ليتوانيا. فبولندا تشترط تحديث جيشها، مقابل نشر صواريخ اعتراضية ضمن الدرع الصاروخي الاميركية. وهو ما عبر عنه بصراحة رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بقوله "لن تظهر قاعدة اميركية للدفاع المضاد للصواريخ في بولندا إلا عندما تكون وارسو واثقة من أنها ستوطد أمن البلد".
وابعد من ذلك، أوضحت وارسو لواشنطن بشكل قاطع، أنه "إذا لم تراع الرغبات البولندية في المفاوضات، فأن بولندا ستبدأ بكشف الأسرار الاميركية".
كان تصريح نائب وزير الخارجية البولندي فيتولد فاشيكوفسكي مقتضبا، لكن ما قاله كان كافيا لإثارة ضجة ديبلوماسية كبيرة.
ويوجد سيناريوان لنهاية تلك الضجة: إما أن يوافق بوش على مطالبة وارسو بالدفع بسخاء عن إمكان نشر الصواريخ الاميركية في إطار موقع الدرع الصاروخية، وإما أن يتخلى البيت الأبيض عن بولندا، ويواصل التفاوض مع بلد اخر عرف فيما بعد انه ليتوانيا.
فقبل نحو الشهر، أعلن وزير الدفاع الليتواني يوزاس أوليكاس، أن ليتوانيا تود نشر عناصر من الدرع الصاروخية في أراضيها على غرار بولندا والتشيك. إلا أنه لم يصدر حتى الوقت الحاضر أي تصريح رسمي حول إجراء مفاوضات. وأغلب الظن أن هذا كان سرا من أسرار البيت الأبيض.
وبعد هذا تعين على الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية طوم كيسي، إقناع جميع الأطراف المعنية بأن نائب وزير الخارجية البولندي لم يكشف أي أسرار. وأعلن أن قيادته تنظر في إمكان نشر عناصر من الدرع الصاروخية في ليتوانيا. ومن ثم أعلن جيف موريل، وهو ناطق باسم البنتاغون "نحن نأمل في أن نتمكن قريبا من التوصل إلى اتفاق مع البولنديين.. لكننا سبق أن قلنا دائما إن هناك خيارات أخرى متاحة بالنسبة لنا.. هناك العديد من الدول الأوروبية الأخرى التي يمكن أن تستضيف الصواريخ الاعتراضية.. وليتوانيا هي واحدة منها".
ومع قرب ترك بوش لمنصبه في كانون الثاني (يناير) المقبل، قال الناطق الاميركي "المخاوف من أن تكون الإدارة المقبلة غير مؤيدة لخطط الدفاع الصاروخي هي أحد العوامل المؤثرة في المفاوضات الاميركية مع بولندا". أضاف "لا أريد أن أضع جدولا زمنيا لذلك.. ولكن من الواضح أن الوقت مهم. ونحن نريد التوصل إلى اتفاق" مشيرا إلى الحاجة لمعالجة القدرات الصاورخية الباليستية المتنامية لإيران. واستطرد قائلا " هذا هو السبب في أننا لم نغلق الباب.. وربما نضطر إلى اتباع الخيارات الاحتياطية".
ارث سلمي
تفيد معلومات ان بوش يريد أن يرث خليفته "إرثا سلميا". والمقصود بهذا الإرث، هو الاتفاق الخاص بالأسلحة الإستراتيجية الهجومية، وهو اتفاق وقعته واشنطن وموسكو من أجل تحديد المخزون من الأسلحة النووية الهجومية.
ونص الاتفاق، مثلا، على أن تكف روسيا عن إنتاج الصواريخ الملقبة بالشيطان وهي صواريخ مجهزة 12 رأسا نوويا. وحتى لا تعاود روسيا إنتاج هذه الصواريخ التي لا يعرف الاميركيون كيف يتصدون لها قد توافق واشنطن على تمديد هذا الاتفاق الذي تنتهي مدته في كانون الاول (ديسمبر) 2009.
ولكي توافق موسكو أيضا على تمديد الاتفاق، قد تكون واشنطن مستعدة لتعليق العمل في مشروع الدرع الصاروخية في الأراضي التشيكية والبولندية.
سباق "السيف" و"الدرع"
لكن الخوف هو ان نعود الى معادلة السباق بين "السيف" و"الدرع"، وهو تنافس مستمر منذ قرون بين الاسلحة الدفاعية (السيف) والاسلحة الهجومية (الدرع)، مع العلم ان هذا التنافس يتطور دوما لمصلحة السيف.
فمع حلول العام 2012، ستكون الصواريخ البالستية الروسية العابرة للقارات قادرة على تجاوز تلك الدرع، ما سيؤدي إلى العودة من جديد إلى هذا السباق.
ولان هذه المعادلة تتحكم بالعلاقات الاميركية ـ الروسية، اصبحت الدرع الصاروخية الاميركية بمثابة "السيف" المشهر على رقبة روسيا، ودفعها إلى تقوية "درعها" وتطوير قوتها النووية الهجومية ضمن حدود ردة الفعل المشروعة والطبيعية على السياسة الأميركية.
المصادر: موسوعة ويكيبيديا، وكالة انباء نوفوستي الروسية، وزارة الدفاع الاميركية، معهد "ماساتشوستس"، ومقالات في صحف عربية واجنبية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.