13 تموز (يوليو) 2008,. يوم مفصلي جديد في اعادة ترميم العلاقات الاورو ـ متوسطية بعدما فشل اتفاق ما عرف بـ"مسار برشلونة" الذي ابرم عام 1995، بتعزيز التعاون بين ضفتي المتوسط.
في هذا اليوم، سيعتلي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي المنصة ليعلن في قمة تجمعه و44 رئيس دولة من الدول المتوسطية والاوروبية، اطلاق "مسيرة برشلونة: الاتحاد من أجل المتوسط" الذي من المقرر ان يجمع البلدان المتوسطية والبلدان الاوروبية الأعضاء في الاتحاد الاوروبي والبلدان غير المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
بعد ذلك، ستصدر هذه القمة بيانا سياسيا وقائمة بالمشاريع الاقليمية المنوي تنفيذها ضمن هذا الاتحاد، والتي كان ساركوزي عرضها في زيارة له لتونس في نيسان (ابريل) الماضي، ومنها "مشكلة اقتسام المياه وإدارة الموارد المائية، ومشاريع تنظيف المتوسط من التلوث، وخطة تطوير الطاقة الشمسية، والطاقة النووية، واقتراح فرنسي لإنشاء هيئة إقليمية تسهل نقل التكنولوجيا والخبرات النووية الضرورية للمساعدة في إدارة مشكلة النفايات وأمن الطاقة النووية المدنية، والخطوط السريعة البحرية، وأمن الملاحة البحرية والحماية المدنية، وإيجاد حيز علمي متوسطي عبر التعاون بين الجامعات وتعزيز حرية تنقل الطلاب، والإدارة المشتركة لتيارات الهجرة".
الاتحاد من اجل المتوسط، هو مبادرة "منقحة" كان ساركوزي اطلقها ابان حملته الانتخابية تحت شعار "لا حلم اوروبيا من دون حلم متوسطي"، وطرحها عقب فوزه بالرئاسة الفرنسية، على عدد من العواصم المتوسطية التي قام بزيارتها وحملت في حينه اسم "الاتحاد المتوسطي" قبل ان تدخل قمة بروكسل الاوروبية تعديلات جوهرية عليها.
وتقضي فكرة ساركوزي بانشاء اتحاد متوسطي ينقل العلاقة بين ضفتي الأبيض المتوسط إلى طور جديد، اتحاد يريد تحويل الحوض المتوسطي إلى ساحة للتعاون والتكامل الاقتصادي تتقاسم فيه الدول المعنية ثمار علاقة أكثر حركية وازدهارا.
لكن تساؤلات كثيرة تطرح حول قيام هذا الاتحاد، سيما وان ساركوزي اراد من خلال مشروعه الالتفاف على ادخال تركيا على الاتحاد الاوروبي. وهو ما كان عبر عنه صراحة قبل ان يصبح رئيسا في مدينة تولوز الفرنسية المطلة على المتوسط، حيث ركز في احد خطاباته على رفضه القاطع انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وأراد أن يخرج هذه الجبة الكبيرة التي سماها الاتحاد المتوسطي حتى يجد مكانا لتركيا خارج الاتحاد الأوروبي.
كذلك يلقى مشروع ساركوزي تحفظا عربيا على اشراك اسرائيل في الاتحاد في غياب ضغط اوروبي فاعل لحل النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وعبره الاسرائيلي ـ العربي. كما ان العرب ينظرون الى هذا المشروع كصيغة اوروبية مدروسة سلفا للتطبيع المجاني مع اسرائيل.
فهل ينجح الاتحاد الجديد في تأسيس شراكة حقيقة مع دول المتوسط الجنوبية في ظل الفوارق الكبيرة بين الضفتين؟ وما هي الضمانات التي تحول دون فشله كما حدث مع عملية برشلونة؟. وهل يعني قيامه دفنا لمسار برشلونة الذي انطلق عام 1995، ام اعادة النبض اليه؟ وهل يمكن ان يحقق الاتحاد من أجل المتوسط ما عجزت عنه عملية برشلونة على المسار السياسي من إيجاد حل شامل وعادل للصراع العربي ـ الإسرائيلي والتوصل الى سلام قبل نهاية هذا العام؟ أم ان الوضع سيستمر على ما هو عليه ولن تضفي المبادرة الجديدة سوى أعباء مالية وادارية على عاتق الشراكة الأوروـ متوسطية؟
قبل الدخول في التفاصيل، لا بد من الاشارة الى ان الاتحاد من أجل المتوسط يضم جميع دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، منها دول تطل على المتوسط وأخرى تقع شمال القارة الأوروبية. أما الدول المطلة على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط فهي دول المغرب العربي، المغرب الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا بالإضافة إلى مصر والأردن ولبنان وسوريا والسلطة الوطنية الفلسطينية وتركيا وإسرائيل.
قمة بروكسل.. خلافات وتباين
واجه الاقتراح الفرنسي لفترة طويلة انتقادات من دول شمال المتوسط خصوصا من المستشارة الالمانية انغيلا ميركل التي رأت انه يقسم الاتحاد الاوروبي بين الدول المطلة على البحر المتوسط وحليفاتها "الشماليات". كذلك، رأت المانيا في مشروع ساركوزي محاولة لابراز الدور الفرنسي على الساحة الدولية، وتحديداً المتوسطية، على حساب الدور الاوروبي، وهو ما دفعها الى رفض التسمية الاولى لهذا الاتحاد حيث كان ساركوزي يسعى الى ان يكون اسمه اتحاد الدول المتوسطية، ما يعني ان عضويته ستكون مقتصرة على الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أي باستبعاد أي دولة اوروبية اخرى لا تشاطىء المتوسط. لكن برلين رفضت هذا الامر وحرّضت على عدم السماح لفرنسا بمثل هذا الدور المهم، وبادرت الى طرح تسمية ثانية هي الاتحاد من اجل المتوسط، لتمرير مشاركة الاتحاد الاوروبي في هذا الاتحاد، وقطع الطريق على باريس لتصدر مثل هذه المنظمة الاقليمية المهمة.
وبعد "عملية تجميل" جذرية خضع لها مشروع ساركوزي في بروكسل، وافق قادة دول الاتحاد الأوروبي في 15 اذار (مارس) الماضي، على اقرار المشروع تحت اسم "عملية برشلونة: الاتحاد المتوسطي"، من أجل تأسيس شراكة اقتصادية وسياسية وثقافية عبر ضفتي المتوسط.
كانت هذه القمة كافية لاظهار حجم الخلافات بين الدول الأوروبية، حيث ان معظم الدول انتقدت المشروع كونه يتجاهل المشاريع والمبادرات الأورو ـ متوسطية السابقة ويحكم عليها بالفشل. كما يهدد، وفق دول الاتحاد، المصالح الحيوية لدول متوسطية أخرى مثل اسبانيا لها علاقات تجارية واقتصادية متطورة بالدول العربية المتوسطية. ورأت هذه الدول أن المشروع الفرنسي يقسم الاتحاد الأوروبي لمصلحة المشاريع الفرنسية.
كذلك، فان البعض رأى ان المشروع يهدد مسيرة برشلونة ويفتقد الموارد المالية المستقلة، اذ ترفض بلدان الشمال الغنية، (المانيا والسويد والنمسا وهولندا)، تمويل اتحاد يستبعدها من آليات قراراته.
لكن الرئيس الفرنسي، اوضح في نهاية القمة في بروكسل، ان الاتحاد المنوي قيامه "سيؤدي إلى تعزيز مسيرة برشلونة عبر إقامة مشاريع اقليمية من أجل تنظيف البحر الأبيض ووضع نظام حرية تنقل الطلاب وإقامة حيز للأمن وسوق للطاقة". وشدد على ان المتوسط "يشهد السلام أو الحرب". واعتبر الاتفاق الجديد بمثابة "الاستثمار السياسي الاوروبي في مسيرة برشلونة".
كذلك اعتبر رئيس وزراء سلوفينيا يانيش يانسا، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي، ان "الاتحاد من اجل المتوسط سيحاول اعطاء دفع" لعملية برشلونة، ويؤكد انه لا يهدف الى "دفن العملية بل الى تحديثها".
ابرز البنود
اذاً، وبعد ادخال التعديلات اللازمة، أُقر مشروع ساركوزي وفيه تشديد على انه ليس بديلا من عملية برشلونة "بل انه يمثل اضافة مؤثرة للتعاون على هذا المسار" على أن يخضع لآليات الاتحاد الأوروبي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية المحافظة على المكتسبات التي حققتها عملية برشلونة خصوصا برنامج العمل الذي اعتمده مؤتمر برشلونة عام 2005 ولمدة خمس سنوات، وبرنامج العمل لعام 2008 الذي تبناه وزراء الخارجية في لشبونة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2007.
وينص المشروع على تعيين رئاسة مشتركة للاتحاد، بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط، على أن تعقد اجتماعات القمة مرة كل عامين، أو كلما استدعت الظروف ذلك ويكون اختيار الرئيسين بتوافق الآراء. كما ينص على انشاء لجنة تكون قادرة على تسيير المهام المنظمة لاجتماعات قادة الدول الأعضاء والوزراء والخبراء، والعمل كآلية في حالة الأزمات التي قد تنشأ في المنطقة الأوروـ متوسطية.
ويؤكد المشروع على ان الاتحاد من أجل المتوسط وعلى الرغم من ارتباطه بعملية برشلونة طبقا للتسمية التي اطلقت عليه لإرضاء عدد من الدول الأوروبية وأيضا جنوب المتوسط، إلا أنه سيشكل مسارا جديدا للتعاون بين ضفتي المتوسط، ربما تكون قاصرة على اقامة المشاريع ذات الطابع الاقليمي والوطني. وهناك شبه اتفاق بين قادة دول الاتحاد الأوروبي ان تكون هذه المشاريع مرتبطة بمجالات البنية الأساسية والتلوث البيئي والطاقة والحماية المدنية.
التمويل
هذا الامر سيقود حتما الى مشكلة التمويل، حيث انها تتركز حول مساهمات القطاع الخاص والتعاون الثنائي مع الاتحاد الأوروبي اضافة الى المؤسسات المالية الدولية وغيرها من الصناديق الإنمائية. وكلها مصادر غير دائمة انما تعتمد على مدى جدوى المشاريع المطروحة بالنسبة لخطط التنمية في الدول أعضاء المبادرة، لاسيما وانه لا يوجد تخصيص موارد مسبقة من جانب الاتحاد الأوروبي. كما يصعب اللجوء الى الآلية المالية لعملية برشلونة وسياسة الجوار الأوروبي، الا اذا كانت المشاريع تتفق وتتلاءم مع أهداف البرامج الاقليمية للاتحاد الأوروبي وفي اطار هذه الآلية.
وهذا يعني ان مردود هذه المبادرة سيتوقف بالدرجة الأولى على مساهمات الشركاء المتوسطيين والمشاركة الناشطة للقطاع الخاص في الدول الأعضاء، وهو ما قد يفرض العديد من القيود على فرص تنفيذ عدد كبير من المشاريع.
وترى دول الجنوب أن توافر الموارد المالية والاستثمارات المباشرة ستكون المعيار الأساسي للنجاح، وتطالب بإنشاء مصرف متوسطي لتمويل مشاريع التنمية الإقليمية.
لكن دول الشمال تقابلها برفض ضخ موارد إضافية من موازناتها، كما ترفض تحويل آلية تسهيل الاستثمار التابعة للبنك الأوروبي للاستثمار، إلى مصرف إقليمي متوسطي.
يذكر انه في مسار برشلونة طرح برنامجان للتمويل هما "ميدا 1" و"ميدا 2" ولكن لم يصار الى توزيعها بشكل متكافئ بين دول الجنوب. وكانت الدول الأوروبية تعيب على دول الضفة الجنوبية تباطئها في إقامة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي أحد الأعمدة الرئيسية لإعلان مسار برشلونة.
رفض ليبي.. وتريث عربي
منذ بضعة اسابيع، بدأت موجة احتجاج اخرى على مشروع ساركوزي، لكنها جاءت هذه المرة من دول جنوب المتوسط. فقد اغتنمت دول عربية فرصة اجتماع منتدى البحر المتوسط في العاصمة الجزائرية لتطلب "ايضاحات حول نتائج" انضمام اسرائيل الى الاتحاد من اجل المتوسط المقترح.
فغالبية الدول العربية تتحفظ على اشراك اسرائيل في الإتحاد في غياب ضغط أوروبي فاعل لحل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وعبره الإسرائيلي ـ العربي، وتنظر إلى مشروع الإتحاد كصيغة أوروبية مدروسة سلفا للتطبيع المجاني مع اسرائيل.
وكانت الدول العربية استبقت انعقاد القمة في باريس الشهر المقبل، بسلسلة مؤتمرات لفهم طبيعة الإتحاد من أجل المتوسط.
فدول جنوب المتوسط تشكك في الهدف المعلن من انشاء الإتحاد، وتقترح منح الأسبقية لحل الخلافات السياسية قبل التفكير في أي تكتل اقتصادي. وترى في فشل مشروع برشلونة المتوسطي سببا لتغليب كفة اقتراحها.
ولم يتردد الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي في انتقاد مشروع "صديقه" ساركوزي، قائلا: "لن نخوض باي حال غمار مخاطرة قد تمزق الوحدة العربية والافريقية". ووصف مشروع الاتحاد بانه "طعم" واعتبره "مهينا".
لكن، على الرغم من موقف القذافي، فان باريس تؤكد، انها لا تتوقع مواقف مناهضة لمشروع الاتحاد من قبل حلفائها العرب، كما لا تتوقع تكرار تشكيل جبهة ضد مشاركة اسرائيل في الاتحاد كما حدث من قبل مع عملية برشلونة وادى الى اصابتها بالشلل. وتؤكد ان "هذه التصريحات لا تدهشنا فليبيا سبق ان رفضت الانخراط في عملية برشلونة لانها ضمت اسرائيل وكانت تميل لمصلحة اوروبا.. ما يطمئننا هو انه لم تتبن اي دولة اخرى الخط الليبي نفسه".
وإلى جانب الخلاف العربي ـ الإسرائيلي، تبرز الخلافات المغربية ـ الجزائرية بسبب النزاع على الصحراء الغربية، وهو ما أصاب إتحاد المغرب العربي بالشلل، وجمد هياكله واعاق عقد قمة زعماء دول المغرب العربي منذ أربعة عشر عاما.
كذلك، تسبّب إغلاق الحدود المغربية ـ الجزائرية في تقسيم الإتحاد إلى شطرين وحال دون تنقل الأشخاص والبضائع، وخلق نوعا من الفرقة بين الدول المغاربية لدرجة أن كل بلد مغاربي راح يتفاوض بشكل منفرد مع الإتحاد الأوروبي وهو ما أفضى إلى تشتيت القوة التفاوضية المغاربية.
وربطت الجزائر انضمامها الي الاتحاد من اجل المتوسط بثلاثة شروط، بدءا باعتذار فرنسا عن جرائمها في الجزائر إبان فترة الإستعمار، مرورا بتسوية القضية الفلسطينية، ووصولا إلى الضغط على المغرب للقبول باقتراح تقرير مصير ما تسميه الجزائر الشعب الصحراوي.
وازاء كل هذه الخلافات، تدعو الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا صاحبة المشروع، إلى الإنطلاق من نقاط التفاهم وتأجيل الخوض في المواضيع الخلافية بغية خلق اتحاد يسمح بتنمية دول جنوب المتوسط يقي دول شمال الضفة من تصدير الهم الأفريقي نحو أوروبا.
وبحسب الاستراتيجية الاوروبية، من شأن الاتحاد من اجل المتوسط ان يزيد فرص التنمية في دول جنوب المتوسط بشكل يسمح بخلق فرص عمل للعاطلين، وهو ما سيوقف، بمنظور أمني، تدفق المهاجرين غير الشرعيين نحو أوروبا، ويقلل من فرص ارتماء الشباب المغاربي خصوصا في احضان التطرف الذي بات يشكل مصدر قلق رئيسي لأوروبا مع تزايد نشاطات تنظيم "القاعدة" في بلاد المغرب الإسلامي.
الهوة بين ضفتي المتوسط
لكن المعنيين يطرحون تساؤلات كثيرة حول مدى نجاح هذا المشروع وسط اتساع الهوة بين الضفتين الشمالية والجنوبية.
فالعالم العربي يرى ان هناك تسع مؤسسات أو منظمات تقترح فرنسا إقامتها، لكنها مرتبطة جميعها بمشاغل الشمال الأوروبي، والضفة الشمالية، والأمن، والهجرة، والطاقة. وهي عناوين تهم حاجات أوروبا، ومستقبلها ولا تهم مستقبل العالم العربي أو الضفة الجنوبية.
كذلك تشهد السواحل الشرقية للمتوسط نزاعات كبيرة بدءا بالصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، والتطورات في لبنان بكل ما فيها من تأثيرات وتداعيات خارجية، ومشكلة انقسام قبرص، وغيرها من النزاعات.
وفي الشق الاقتصادي، فان الهوة كبيرة جدا. فمثلا، لا يتجاوز دخل الفرد في المنطقة الجنوبية الـ3 الاف دولار مقابل نحو 30 الفا في البلدان الاوروبية. اضف الى ذلك، مشكلة البطالة التي تعد من أكبر التحديات التي تهدد استقرار مجتمعات شمال افريقيا، وقلة فرص العمل وغيرها من الفوارق التي تؤثر سلبا على مجيء الاستثمارات الاوروبية الى هذه المنطقة.
وتشير احصاءات رسمية الى ان هذه الاستثمارات المباشرة لم تتعد الـ2 في المئة وهي نسبة متدنية جدا قياسا لوجود منطقة جنوب المتوسط في جوار اتحاد يعتبر اكبر تكتل اقتصادي في العالم.
كذلك، هناك معوقات أخرى تعمق من فجوة الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، وتكمن في طبيعة التبادلات التجارية التي تتميز بالتنافسية أكثر مما يطغى عليها الجانب التكاملي. كما أن مستوى التبادلات التجارية البينية بين دول جنوب المتوسط تبقى ضعيفة جدا وهو ما زاد من التعقيد والتعطيل في إنجاز منطقة للتبادل التجاري الحر في آفاق 2010.
ولا بد من الاشارة الى ان دول جنوب حوض المتوسط تبقى في تبعية سلبية للاتحاد الأوروبي، بحيث ترتبط بشكل واسع في تبادلاتها التجارية الخارجية مع دول الاتحاد الأوروبي التي تراوح بين 50 في المئة و65، في وقت تراوح نسبة التبادلات البينية بين دول حوض المتوسط بين 3 في المئة و6 في المئة.
ولا يمكن التخفيف من حدة الهوة الثقافية بين الضفتين، والتي تأخذ أبعاداً عدائية تتمثل في تكرار الأعمال الاستفزازية ضد الثقافة والدين الإسلامي في أوروبا تقابلها في الجنوب تظاهرات عدوانية ضد الغرب المسيحي والاعتداءات المتكررة على المسيحيين.
حارس مجاني
كذلك، تدرك دول جنوب المتوسط أن أوروبا لم تكن لتلتفت إلى الأوضاع المتردية في جنوب المتوسط لولا الشعور بالتهديد. لذلك ترفض الدول العربية لعب دور البوليسي المراقب لسواحل شمال المتوسط. فأعداد المهاجرين غير الشرعيين في ارتفاع مستمر، والسبيل الوحيد لإيقاف موجة الهجرة حسب دول الجنوب، يمر حتما عبر اقرار مشروع "مارشال" جديد لتنمية جنوب المتوسط بعيدا عن الحسابات الأمنية والخطط السياسية التي تريد تطبيق مبدأ "درء المخاطر خير من جلب المنافع".
ولعل ذلك ما فهم من كلام ساركوزي في أول خطاب له حول الإتحاد من أجل المتوسط في طنجة المغربية في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي حين قال إن الإتحاد يضمن حرية تنقل الأشخاص والتحكم فيها بشكل جماعي، وفي فضائه يتم تنظيم وضمان الأمن بطريقة جماعية.
تركيا
اضافة الى هذا التريث العربي، يتوقف نجاح قمة باريس على مشاركة تركيا التي لم تبد حماسا لمشروع ترى فيه محاولة لـ"تطييب خاطرها" من قبل بعض الدول التي رفضت انضمامها للاتحاد الاوروبي ومن بينها فرنسا.
ويعترف المسؤولون في باريس بان "مشاركة انقرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة انضمامها للاتحاد الاوروبي". لكنهم يضيفون ان "الاتحاد من اجل المتوسط مشروع متعدد الابعاد وهو ما يمكن الدول الراغبة في التعاون من العمل من دون ان يستطيع الغائبون تعطيلها".
رئاسة "الاتحاد"
والتصويت الاسرائيلي
ينص مشروع الاتحاد على تعيين رئاسة مشتركة للاتحاد، بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط. واقترح ساركوزي على ان يتولى الرئيس المصري حسني مبارك الرئاسة حاليا عن دول جنوب المتوسط كخيار سهل في بداية الطريق. لكن بالتأكيد ستبرز تعقيدات في وقت لاحق. فهل سيصوت الاسرائيليون لرئيس عربي لا تربط دولته علاقات باسرائيل؟
الاتحاد.. محاولة لإحياء مسار برشلونة؟
اظهر التقويم الأوروبي لمسار برشلونة في ذكراه العاشرة، الكثير من المعوقات التي تحول دون إتمام الأهداف المعلن عنها في برشلونة في سنة 1995، مما جعل دول الاتحاد الأوروبي تستنجد بالسياسة الجديدة من أجل استكمال التجربة بدمج دول الحوض المتوسط في السياسة الجوارية الأوروبية بهدف إنجاز الإصلاحات الداخلية المنشودة داخل هذه الدول، بحيث تشترط دول الاتحاد الأوروبي من الدول التي تريد المشاركة في برامجها وأخذ نصيبها داخل السوق الأوروبية، ضرورة احترام القيم السياسية المشتركة. وفي الأخير، يحاول الاتحاد الأوروبي أن يبعث مسار برشلونة الى الحياة، وإعادة إنقاذ ما تم دفنه بتغيير التسميات من مسار برشلونة إلى الاتحاد من أجل المتوسط، وفي الوقت الذي يستوجب فيه، كما صرح القذافي في تعليقه على المشروع "أن يفصل الطرفان فيه الثوب لنفسهما، فإن الذي نراه الآن ونسمعه أن طرفا واحدا يفصل الثوب وعلى الطرف الآخر أن يلبسه".
في النهاية، يبقى السؤال الحرج ماثلاً: إلى أي حد ستتعامل فرنسا بانفتاح وشفافية إزاء قضايا الحوار المتوسطي الساخنة وهل ستتدخل من أجل توجيه الحوار ولمصلحة من؟ لمصلحة الحوار ومبادرة الاتحاد من أجل المتوسط أم لمصالح أخرى ترتبط بملفات ضاغطة مترابطة مع أجندتها الداخلية الإقليمية والخارجية الدولية؟
المصادر: موسوعة ويكيبيديا، موقع وزارة الخارجية الفرنسية، موقع جامعة الدول العربية، ومقالات في صحف عربية واجنبية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.