ينشغل العالم بأزمة شح الغذاء وارتفاع اسعاره، وعزت دول وهيئات اممية ومختصة جزءا من الازمة الغذائية الى انتاج الطاقة من منتوجات زراعية اساسية او ما يعرف بالوقود الحيوي (الايثانول) ويطلق عليه "الذهب الاخضر" الجديد.
هذا الاسم الجديد بدأ يتداول بقوة في عالم صناعة الطاقة بعد الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار النفط اخيرا.
لكن بين ليلة وضحاها، تحول الوقود الحيوي من "الفانوس السحري" الذي سيخلص العالم من ازمات ارتفاع اسعار الوقود واعتماد القوى الكبرى على الدول المصدرة للنفط في العالم، الى كارثة كبرى قد تقضي على الاخضر واليابس.
فبحسب الارقام الرسمية، يقدر نصيب الوقود الحيوي في سوق الطاقة حاليا بنحو 1.5 في المئة لكنه مسؤول عن 70 في المئة من ارتفاع الاسعار الذي شهدته بعض السلع خصوصا القمح والذرة وقصب السكر التي يستخرج منه الايثانول.
ويقول المستشار الخاص للأمم المتحدة جيفري ساكس، ان ثلث انتاج الولايات المتحدة من الذرة عام 2008 سيذهب الى خزانات الوقود، ما يمثل ضربة قوية لامدادات الغذاء في العالم.
وعلى صعيد البيئة، اظهرت دراسة عملية ان التحول من استخدام البنزين الى الايثانول قد يساهم في تلوث الهواء ويزيد حالات الموت الناجمة عن الدخان الاسود الكثيف.
لكن ما هو الوقود الحيوي الذي يحرم الملايين من طعامهم ليحول الى وقود للسيارات؟
الوقود الحيوي هو الطاقة المستمدة من الكائنات الحية سواء النباتية أو الحيوانية منها. وهو أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة، على خلاف غيرها من الموارد الطبيعية مثل النفط والفحم الحجري وكافة أنواع الوقود الإحفوري (من نفط وفحم وغاز) والوقود النووي.
وبدأت بعض المناطق بزراعة أنواع معينة من النباتات خصيصا لاستخدامها في مجال الوقود الحيوي، منها الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة، وأيضا اللفت، في أوروبا، وقصب السكر في البرازيل، وزيت النخيل في جنوب شرق آسيا.
وفي تبسيط اكثر، فان الوقود الحيوي يتخذ هيئتين الاولى هي الايثانول المستخرج من السكر والحبوب، ويمكن اضافته الى البنزين، والثانية هي الديزل الحيوي المستخرج من الحبوب الزيتية او زيت النخيل ويضاف الى الديزل.
وصناعة الايثانول القائمة على قصب السكر في البرازيل هي الاكبر في العالم حيث يبلغ حجم الاستهلاك المحلي نحو 13 مليار ليتر سنويا والصادرات أكثر من مليارين.
وقدرت بعض التوقعات نمو الصادرات ما يصل الى عشرة مليارات ليتر في غضون سنوات قليلة.
وتشهد البرازيل بناء معمل تقطير جديد للايثانول كل شهر.
لكن الذرة كانت الرابح الاكبر في الولايات المتحدة أكبر مستهلك للطاقة في العالم. ولدى البلاد 97 معملا لانتاج الايثانول في حين يجري بناء 33 مصنعا جديدا.
ومن جانبها، ركزت أوروبا مجهوداتها على الديزل الحيوي الذي ينتج في الغالب من اللفت وكذلك من زيت عباد الشمس وزيت النخيل. وأنتج الاتحاد الاوروبي المؤلف من 25 بلدا 3.2 ملايين طن من الديزل الحيوي في 2005 بزيادة 65 في المئة عن 2004 مما يجعله أكبر منتج للديزل الحيوي في العالم.
ويقول مسؤولون في الصناعة ان المزيد من الذرة في الصين سيتم تحويله لانتاج الايثانول على الرغم من جهود بكين لكبح هذا التوجه ومنع أسعار الغذاء من الارتفاع. وتبحث الصين ايضا استيراد المزيد من نبات "المنيهوت" من تايلندا لانتاج الايثانول.
وفي تايلندا، تم انشاء 13 مصنعا للايثانول بنهاية عام 2007 مقارنة مع مصنعين فقط في عام 2006.
التصنيع
ظهرت طريقة "فيشر تروبش" التي مكنت من انتاج وقود حيوي ابتداء من مادتي الفحم والغاز وكذلك مادة عضوية والتي تسمى "بي تي ال" والمتمثلة بتحويل الكتلة الحيوية الى سائل، منذ عام 1920.
وفتح هذا الاسلوب العملي المجال امام الاستغلال الامثل لبقايا المحاصيل الزراعية او القطع الخشبية، الا انه ما زال مروداً بسيطاً.
ومنذ فترة طويلة، اهتم المهندسون بالحلول المبتكرة عند الكائنات الحية والتي تعتبر اكثر فاعلية وذات مردود صناعي معتبر.
وعرضت شركة "غرين فيول" الاميركية مفاعلا كيميائيا يستخدم طحالب لتحويل غازات ثاني اوكسيد الكربون او غازات المصانع الى زيت يستخدم في تشغيل محركات الديزل.
ثم ظهرت طريقة تصنيع الوقود النباتي من الجيل الاول باستخدام بذور اللفت وعباد الشمس وفول الصويا والبنجر وقصب السكر والحبوب الزراعية المختلفة حتى بدت علامات لعدم مقدرتها على دعم الطلب العالمي المتزايد على الوقود لكونها تنذر بكارثة بيئية وتؤثر سلبا على الامن الغذائي العالمي.
المنتجون
تعتبر الولايات المتحدة والبرازيل في طليعة الدول المنتجة لهذه المادة. فالولايات المتحدة وجدت في "الذهب الاخضر" ضالتها المنشودة لتطويعها في استخراج الوقود، لعلها تستغني في يوم من الايام عن حروبها المستمرة بحثا عن النفط، متجاهلة ان استخدامها المفرط للحبوب الغذائية لهذا الغرض سيفجر ازمة غذاء عالمية. وهي توجه نحو ربع انتاجها من الذرة لانتاج الايثانول عام 2022، في حين يعتزم الاتحاد الاوروبي توفير 10 في المئة من وقود السيارات من الطاقة الحيوية عام 2020.
وكان الرئيس الاميركي جورج بوش واضحا في تبرير دعمه للوقود الحيوي حين قال انه "يقلل من اعتماد الولايات المتحدة علي النفط من دول غير صديقة".
البرازيل من جهتها، اعلنت عزمها مواصلة انتاج الوقود الحيوي، باعتبار ان نصف السيارات في البلاد تستخدم الوقود الحيوي. وقدرت شركة الامدادات الوطنية البرازيلية ان يصل انتاج الايثانول الى 27 مليار ليتر، مرتفعا بنسبة 20 في المئة على اساس سنوي.
وبحسب تقرير التنمية في العالم لعام 2008، فان الإنتاج العالمي من الإيثانول كوقود بلغ عام 2006 نحو 40 مليار ليتر . أنتج نحو 90 في المئة من هذه الكمية في البرازيل والولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، أنتج نحو 6.5 مليارات ليتر من زيت الديزل الحيوي عام 2006، أنتجت نسبة 75 في المئة منها في بلدان الاتحاد الأوروبي.
وتعتبر البرازيل المنتج الأكثر قدرة على المنافسة ولديها أطول تاريخ في إنتاج الإيثانول. إذ تستخدم نحو نصف إنتاجها من قصب السكر لإنتاج الإيثانول وتفرض استهلاكه. وشرعت بلدان نامية أخرى في تنفيذ برامج لإنتاج الوقود الحيوي تعتمد على قصب السكر أو المحاصيل الأخرى الغنية بالزيوت مثل نخيل الزيت.
لاعب اساسي
دفع ارتفاع أسعار النفط الى مستويات قياسية الوقود الحيوي، من لاعب صغير في سوق متخصصة الى التيار السائد في سوق السلع الاولية البالغة قيمتها مليارات الدولارات ليطلق معه سيلا من المشاريع الجديدة واهتمام المستثمرين، ما أشعل فتيل أسواق السلع الزراعية العالمية.
فالحبوب اللازمة لملء خزان سيارة رياضية رباعية الدفع بالإيثانول (240 كيلوغراما من الذرة لإنتاج 100 لتر من الإيثانول) يمكن أن تكفي لتغذية شخص واحد لمدة سنة. ولذلك فإن المنافسة بين الوقود والغذاء منافسة حقيقية. وارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية الأساسية يمكن أن يتسبب في خسائر كبيرة تتعلق برفاهية الفقراء، الذين يعتبر معظمهم من المشترين الصافين للمحاصيل الغذائية الأساسية. ولكن كثيرين من المنتجين الفقراء الآخرين، الذي يعتبرون بائعين صافين لهذه المحاصيل، سوف يستفيدون من ارتفاع الأسعار.
وترى الحكومات في هذه التقنيات الجديدة سبيلا الى تقليل الاعتماد على النفط المستورد وكبح انبعاث غازات ظاهرة الاحتباس الحراري وتعزيز الزراعة المحلية. وأشعل الطلب على تلك التقنيات فتيل توترات في أسواق السلع الغذائية التقليدية.
وبحسب محللي أسواق السلع الاولية في مؤسسة "سايكلوب"، ومقرها باريس، فان الوقود الحيوي وقع "ضحية لنجاحه (حيث) شهدنا ظهور أول التوترات في أسواق الوقود الحيوي البرازيلية والاميركية مع ارتفاع الاسعار".
وفشلت القمة العالمية للغذاء التي انعقدت في روما اوائل هذا الشهر في ايجاد حلول سريعة لهذه الازمة مكتفية باطلاق صرخة الى وجوب العمل على خفض نسب الفقر والتعهد بمضاعفة انتاج الغذاء بحلول العام 2030. واللافت في هذه القمة التي جمعت اكثر من 180 دولة، كان الرفض العلني الذي اصرت عليه دول من اميركا اللاتينية بقيادة البرازيل على توقيع بيان يدين انتاج الوقود الحيوي.
فالرئيس البرازيلي لويز ايناسيو رفض الاتهامات بان الوقود الحيوي هو المسؤول عن ارتفاع اسعار الغذاء وقال ان "الاغذية باتت مرتفعة السعر بسبب الزيادة في استهلاك سكان الدول النامية".
وتعتبر رئيسة برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة جوزيت شيران، ان " زلزالا (تسونامي) صامتا لا يعرف حدودا يجتاح العالم"، فـ"ما يشهده العالم في هذا المجال هو عاصفة ضربت دون سابق إنذار، وقد أغرقت 100 مليون إضافي من البشر في الفقر المدقع". وهي ترى ان ارتفاع الأسعار يجب ان يكون صرخة توقظ العالم وتدفعه للاستثمار على المدى البعيد في مجال الغذاء.
كارثة اخرى
ولم يتسبب الوقود الحيوي في ارتفاع أسعار الغذاء فحسب، بل تخطى التداعيات إلى أبعد من ذلك، فقد أكد خبراء بيئيون من خلال ثلاث دراسات حديثة أن عملية إنتاج الوقود الحيوي يمكن أن تعجل في حدوث التغير المناخي لكوكب الأرض في الكثير من الحالات بشكل هائل.
ووجد الباحثون في الدراسات التي نشرتها مجلة "ساينس" الأميركية ومجلة "تموسفيريك شيمستري اند فيزيكس"، أن زراعة نبات الذرة والشلجم ونخيل الزيت بشكل واسع يؤدي غالبا إلى انبعاث غازات احتباسية أكثر مما يتم توفيره من الوقود الحيوي المستخلص من هذه النباتات، لأن إنتاج الوقود الحيوي يتطلب تدمير غابات مدارية وتحويلها الى أراض زراعية.
وأوضح البروفسور بول كرروتزين الحاصل على جائزة نوبل للكيمياء إن الأسمدة المستخدمة بكثافة في زراع النباتات التي يستخلص منها الوقود الحيوي تؤدي إلى انبعاث كميات اكبر مما كان يعتقد حتى الآن من أحد انواع الزيوت الاحتباسية الخطيرة.
وأضاف كروتزين أن استخدام النفايات الزراعية ونفايات الغابات أو الحشائش التي لا يستخدم فيها الكثير من الأسمدة في انتاج الوقود الحيوي يعتبر صحيا بالنسبة للمناخ.
وأشار البروفسور جوي فراجيون، المشرف على هذه الدراسات من منظمة "نيتشر كونسيرفين" لحماية البيئة، الى ان إخلاء الغابات من أشجارها باستخدام النيران في اندونيسيا لزراعة محاصيل تدخل في انتاج الوقود الحيوي يتسبب في انبعاث كميات من ثاني اوكسيد الكربون اكثر من 400 مرة مما يمكن توفيره من خلال إنتاج زيت النخيل في المساحة نفسها هذا العام.
أكبر ارتفاعات لأسعار الغذاء
بحسب منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، فان اكبر ارتفاعات اسعار الغذاء كانت على الشكل التالي:
ـ ساحل العاج: الأسعار في اذار (مارس) 2008 فاقت ضعف مستوياتها منذ عام.
ـ السنغال: أسعار الحبوب في شباط (فبراير) 2008، بلغت ضعف مستوياتها منذ عام، بينما ارتفع سعر الدخن بنسبة 56 في المئة.
ـ نيجيريا: خلال الأشهر الخمسة الماضية تضاعفت أسعار الدخن والذرة الرفيعة في سوق "داوناو" شبه الإقليمية المهمة.
ـ الصومال: كاد سعر دقيق القمح في أسواق الأقاليم الشمالية يسجل ارتفاعا بمقدار ثلاثة أضعاف خلال العام الماضي.
ـ السودان: سجلت أسعار القمح في العاصمة الخرطوم زيادة ناهزت الـ90 في المئة مقارنة بعام مضى.
ـ أوغندا: ارتفعت أسعار الذرة في آذار (مارس) 2008 بمقدار 65 في المئة مقارنة بمستوياتها في أيلول (سبتمبر) 2007.
ـ إثيوبيا: بلغت أسعار الذرة ضعف مستوياتها في آذار (مارس) 2008 مقارنة بعام مضى، بينما سجل القمح ارتفاعا مقداره 42 في المئة.
ـ موزمبيق: سجلت أسعار الذرة في العاصمة مابوتو، زيادة بمقدار 43 في المئة مقارنة بعام مضى.
ـ الفيليبين: زادت أسعار الأرز بمقدار 50 في المئة خلال الشهرين الماضيين.
ـ سريلانكا: كادت أسعار الأرز في آذار (مارس) 2008 تبلغ ضعف مستوياتها منذ عام مضى.
ـ بنغلادش: ارتفعت أسعار الأرز في آذار (مارس) 2008 بمقدار 66 في المئة خلال عام.
ـ طاجيكستان: وصلت أسعار الخبر في شباط (فبراير) إلى ضعف مستوياتها للفترة نفسها من 2007.
ـ أرمينيا: ارتفع سعر دقيق القمح بمقدار الثلث عن الفترة نفسها من العام الماضي.
ـ هايتي: تذكر التقارير أن أسعار الأغذية يتراوح ارتفاعها بين 50 في المئة و100 في المئة مقارنة بعام مضى.
البديل
وفي محاولة للحد من حجم هذه المشكلة، تعتزم شركة "الجينول" الاميركية انتاج الايثانول من الطحالب وهي وقعت عقدا مع شركة "بيوفيلدز" المكسيكية بقيمة 850 مليون دولار لاستزراع الطحالب بطريقة تجعلها تحول المياه وضوء الشمس وثاني اوكسيد الكربون الى وقود حيوي.
كذلك فان المملكة العربية السعودية طرحت على لسان وزير النفط علي النعيمي درس ايجاد بديل اخر للطاقة، وهو الطاقة الشمسية التي "تشكل موردا وفيرا ومجانيا متاحا للجميع"، بحيث ستبدأ جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في ايلول (سبتمبر) 2009 بوضع دراسات حول هذه الطاقة.
فهل يختم هذا الاقتراح "المجاني"، مصانع الايثانول في العالم بـ"الشمع الاحمر"؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.