8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

استقلال كوسوفو.. "صندوق الشرور" في البلقان

على الرغم مما يمكن ان ينتج عن اعلان الألبان استقلال اقليم كوسوفو من سلسلة تفاعلات قد تؤثر سلبيا على العلاقات الدولية، الا ان الغرب يبدو مصمما على مساعدة الاقليم على الاستقلال الذي يتوقع ان يشهره غدا الاحد حتى مع المعارضة القوية التي تبديها روسيا وصربيا بهذا الشأن.
فهل يؤدي هذا الاعلان احادي الجانب، والذي يأتي عشية اجتماع وزراء الخارجية الاوروبيين بعد تعثر المفاوضات الطويلة بينه وبين صربيا التي تؤكد احقيتها في الاقليم، الى تصاعد دخان الحرب في منطقة البلقان؟
بلغراد تهدد وتتوعد بـ"ابطال هذا الاعلان" الذي يقوم به "ارهابيون" حسب توصيفها، وانها "لن تسمح باي لحظة بصنع مثل هذا الكيان"... اما روسيا التي تؤيدها في هذا الاتجاه، فتقول انها ستستعمل حق النفض في مجلس الامن اذا تطلب الامر ذلك، لا بل ترى ان استقلال الاقليم "سيفتح صندوق الشرور" و"سيشكل تهديدا لامن اوروبا"،.
الاتحاد الاوروبي يربط الاعتراف باستقلال الاقليم بخطة اهتيساري وخصوصا الضمانات المتعلقة بحماية الاقلية الصربية في هذا الاقليم.
ووفقا لخطة وسيط الامم المتحدة مارتي اهتيساري الذي اوصى باستقلال كوسوفو تحت رعاية دولية، فانه ايا كان الخيار، فان اجراءات الاستقلال يجب ان تشتمل على فترة انتقالية مدتها 120 يوما. علما ان برلمان كوسوفو كان صادق على هذه الخطة التي رفضتها موسكو وبلغراد ودعمتها الولايات المتحدة وعدد كبير من دول الاتحاد الاوروبي.
وبحسب الترتيبات المقررة، يطلب الاقليم بعد اعلان استقلاله من الاتحاد الاوروبي ارسال بعثة مقررة سابقا، ومن حلف شمال الاطلسي (الناتو) ان يواصل قيادة قوة حفظ السلام.
ويتوقع ان يوافق وزراء خارجية الاتحاد بعد غد على ارسال البعثة المكلفة من دون تفويض من الامم المتحدة، "تأطير" الخطوات الاولى لاستقلال الاقليم.
ويقول ديبلوماسيون ان قرار نشر 1800 شخص ضمن البعثة الاوروبية التي من شأنها ان تحل محل بعثة الامم المتحدة في كوسوفو، سيتم خلال اجتماع الغد. وبحسب هؤلاء، فان مهمة هذه البعثة التي ستحدد باربعة اشهر، هي توفير الامن والدعم لكوسوفو، وستؤمن الخبرة والقدرة البشرية في مجالات الامن والمسائل التشريعية والحوكمة الرشيدة.
وعشية الاعلان الاحادي الجانب، اعلنت حكومة الاقليم ان غالبية دول الاتحاد الاوروبي ستعترف بدولة كوسوفو، "الا ان الامانة العامة للاتحاد ستصدر بيانا تعلن فيه ان جميع دول الاتحاد تأخذ في الاعتبار الحقائق الجديدة في كوسوفو، بحسب الناطق باسم حكومة الاقليم فاضل حسيني. واوضح ان هذه الصيغة تأتي نزولا عن رغبة الاعضاء المتحفظين على اعلان الاستقلال من جانب واحد. وهو يؤكد ان دول الاتحاد الاوروبي ستعلن بشكل فردي كل على حدة اعترافها باستقلال كوسوفو، مشيرا الى ان هناك 3 دول او 4 ضمن الاتحاد ستؤجل قرار الاعتراف الى وقت لاحق بسبب اوضاعها وظروفها الخاصة.
واعلن الاتحاد الاوروبي في وقت سابق هذا الاسبوع انه سيحاول اقناع روسيا بان استقلال كوسوفو يشكل حالا خاصة ولن يشكل سابقة لانفصال مناطق اخرى من الاتحاد السوفياتي سابقا.
لكن روسيا تحذر من ان اعلانا احادي الجانب لاستقلال كوسوفو سيؤدي الى "تدمير" مبادئ القانون الدولي في اوروبا وسيشكل تهديدا لامن القارة. ورأت على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف ان استقلال كوسوفو ستترتب عليه "ردود فعل متعاقبة في اجزاء عدة من العالم بما في ذلك في اوروبا"، مضيفا "ان ما نراه هنا هو اشاعة مفهوم الكليل بمكيالين، لا يجوز الالتفاف على القانون الدولي".
ويذهب لافروف ابعد من ذلك، اذ يعتبر ان الاعتراف الاوروبي يفتح "صندوق الشرور".
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر صراحة عن هذه المخاوف حين قال "إن أي إقدام على إعلان استقلال إقليم كوسوفو الصربي هو بمثابة خطوة غير شرعية وغير أخلاقية، وإن روسيا لن تدعم أي إعلان استقلال من طرف واحد حتى لو كان مدعوما من قبل المجتمع الدولي".
ودانت بلغراد من وصفتهم بانهم "ارهابيون" يعتزمون اعلان استقلال اقليم كوسوفو الصربي، مؤكدة بانها "ستبطل" هذا الاعلان. وقالت "لن نسمح باي لحظة بصنع مثل هذا الكيان.. الحكومة الصربية ستبطل كل عمل غير مشروع حول اعلان استقلال احادي الجانب لهذه الدولة الزائفة على الاراضي الصربية".
وكان فوز الزعيم الصربي المتشدد تومسلاف نيكوليتش في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة التي جرت في 20 كانون الثاني (يناير) 2008، عقبة اساسية امام استقلال الاقليم. فهو صرح بأن "على صربيا التخلي عن الاتحاد الأوروبي إذا ما أعلنت كوسوفو استقلالها وأيدتها دول الاتحاد".
لمحة تاريخية
يخضع اقليم كوسوفو لادارة الامم المتحدة منذ العام 1999، لكنه يبقى جزءا من صربيا. وانتقلت السيطرة على الاقليم الى المنظمة الدولية اثر حملة القصف التي خاضتها قوات حلف شمال الاطلسي (الناتو) ضد القوات الصربية.
وجاء تدخل "الناتو" لايقاف القمع العنيف الذي تمارسه صربيا ضد العرقية الالبانية في حملة تطهير عرقي شهدها الاقليم اواخر العقد الاخير من القرن الماضي.
وبحسب الامم المتحدة، يوجد اكثر من 220 الفا من سكان كوسوفو من غير الالبان يعيشون كلاجئين في صربيا والجبل الاسود بعدما اجبروا على النزوح عن الاقليم.
يبلغ عدد سكان كوسوفو نحو مليونين، 90 في المئة منهم ألبان معظمهم مسلمون، و5 في المئة صرب، و5 في المئة قوميات وأعراق أخرى.
بدأت صربيا السيطرة على إقليم كوسوفو عام 1912. وبعد سلسلة من المؤتمرات الدولية أهمها سان ستيفانو، وبرلين، ولندن، وباريس، آل الإقليم رسميا في نهاية المطاف إلى صربيا وأصبح جزءا منها. ثم خضعت كوسوفو في الحرب العالمية الثانية لألبانيا التي كانت خاضعة بدورها لإيطاليا.
ويعتبر الصرب اقليم كوسوفو مهدا لقوميتهم منذ ان خسروا المعركة ضد العثمان عام 1389 وفقدوا استقلالهم لمدة 500 عام. لذلك فهم يستصعبون التنازل عن الاقليم.
في العام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية، ضم إقليم كوسوفو إلى يوغوسلافيا الفيدرالية. وفي عهد الرئيس جوزف بروز تيتو، عاشت كوسوفو حكما ذاتيا ضمن إطار اتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية إلى أواخر السبعينات من القرن العشرين.
لكن الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش ألغى عام 1989 الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به ألبان كوسوفو، وحكم الإقليم بالحديد والنار مستخدما أساليب بوليسية وقمعية عنيفة.
وجاهد اهالي كوسوفو لمواجهة الاضطهاد بعد الغاء الحكم الذاتي، وتم تأسيس حزب الاتحاد الديموقراطي الالباني الذي تزعمه الاستاذ الجامعي ابراهيم روغوفا.
وشكل تموز (يوليو) 1990 مفصلا في حياة اهالي كوسوفو الذين اجروا استفتاء عاما كانت نتيجته معبرة عن رغبة الغالبية العظمى في الانفصال عن صربيا وإقامة جمهورية مستقلة.
في 24 ايار (مايو) 1992، انتخب الألبان روغوفا رئيسا لجمهوريتهم التي أطلقوا عليها اسم "جمهورية كوسوفو"، ولم تعترف بها صربيا.
وحاول روغوفا كسب تعاطف المجتمع الدولي ونيل اعترافه بجمهورية كوسوفو. لكنه لم ينجح فكون الشباب الألباني خلايا عسكرية سموها "جيش تحرير كوسوفو".
كان العام 1998هو العام الذي لفت أنظار العالم بقوة إلى خطورة الأوضاع في كوسوفو حيث دخل "جيش تحرير كوسوفو" في صراع مع الجيش الصربي، فارتكب الأخير مجازر وحشية ضد المدنيين الألبان، مما أجبر المجتمع الدولي على التحرك.
وبعد مفاوضات اجريت في فرنسا في شباط (فبراير) عام 1999 بين الالبان والصرب برعاية "الناتو"، وافق الطرف الألباني على الخطة الدولية لإحلال السلام في كوسوفو التي كان من أفكارها الرئيسية وضع الاقليم لفترة من الوقت تحت إدارة الأمم المتحدة، لكن الصرب رفضوا الخطة.
وهو ما دفع قوات "الناتو" الى شن حملة جوية ضد القوات الصربية في 24 اذار (مارس) 1999، لإرغامها على الانسحاب من كوسوفو. ونجح "الناتو" بعد 48 يوما من الغارات المتواصلة، في اجبار الصرب على الانسحاب.
وبعد دخول قوات الأطلسي إلى إلاقليم ثم صدور قرار مجلس الأمن الرقم 1244 في 10 حزيران (يونيو) 1999، تتولى إدارة الإقليم "وبصفة موقتة" إدارة مدنية تابعة للأمم المتحدة مهمتها الأساسية تهيئة الإقليم للدخول في مفاوضات الوضع الدائم. ومنذ ذلك التاريخ لم يتم أي نقاش دولي حول مستقبل الإقليم منذ رحيل القوات الصربية عنه.
فهل نرى في المستقبل القريب علم دولة جديدة يرفرف في البلقان؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00