8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

طربيه لـالمستقبل: لا حماية للاقتصاد إلا بانتخاب رئيس

يتنفس رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور جوزف طربيه، الصعداء ارتياحاً لتمرير مشاريع القوانين المالية التي لو لم يقرها المجلس النيابي لكانت فُرضت على لبنان أقصى عقوبة اقتصادية تقع على بلدان تُفرض عليها عقوبات. فلبنان، يقول طربيه، كان مهدداً بأن يُدرج في نهاية العام على لائحة الدول غير المتعاونة بموضوع مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي ومكافحة الجرائم المالية. ولكان أصبح لبنان مثله مثل دولة جزر القمر، دولة خارج الشرعية المالية الدولية.
وما زاد طين الوضع اللبناني بلّة شلل السلطات... الحكومة معطلة، مجلس النواب لا يجتمع، والفراغ الرئاسي يؤشر الى أزمة سياسية خانقة. كما أن الإرهاب الداعشي الذي تُخاض معركة عالمية ضده، يُحاصر حدود لبنان وينجح أحياناً في التسلل اليه، وهي مؤشرات تسبب قلقاً للمؤسسات المالية العالمية التي تتعامل مع المصارف اللبنانية، حيث هناك خشية من أن يكون ضعف السلطة أو غيابها جاذباً للأموال الوسخة للدخول أو الخروج من لبنان بسهولة.
يتحدث طربيه عن ترابط وثيق بين الاقتصاد والسياسة والأمن، وهو يرى أن العلاج الناجع لحماية الاقتصاد يبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية، وبإعادة تكوين السلطات وانتظام مؤسساتها. فبالنسبة اليه، دور الدولة، من خلال انتظام المؤسسات وتفعيل أعمالها ومهامها، أساسي في تقليل حجم المخاطر الاقتصادية، لأنه بذلك سيتوافر المزيد من الفرص المؤاتية للتوظيف والاستثمار ضمن القواعد السوقية الأساسية. وهذا ما يعزز آمالنا بقدرتنا على تعويض أي نمو فائت أو أي مكاسب فعلية كان يمكن للبنان ومصارفه تحقيقها.
في ما يلي نص الحوار:
[ ما هو تقويمكم بالتفصيل لإقرار مشاريع القوانين المالية التي كانت عالقة في المجلس النيابي؟
- ينبغي التوضيح بداية، أن الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق إقرار هذه القوانين، ما كان ليحدث لو كانت أعمال المؤسسات الدستورية في حال انتظام. فالأصل أن لبنان، ومن خلال هذه المؤسسات تحديداً، أنشأ وطوّر تباعاً منظومة قانونية حديثة ومتكاملة في القطاعين المالي والمصرفي، مع التزام ومواكبة أفضل المواصفات والمعايير الدولية.
إننا نشهد تطوراً متسارعاً للنظام المالي العالمي، بحيث يفرض انفتاح الأسواق المالية على بعضها البعض خضوعها لقواعد وإجراءات معولمة يؤدي عدم مراعاتها الى الخروج من المنظومة المالية العالمية وانغلاق النظام المصرفي اللبناني على ذاته ومقاطعته دولياً مما يعطل عمليات التحويل المالي منه واليه. لذلك، فإن القوانين الأربعة التي أصدرها المجلس النيابي مطلع الشهر الحالي، كانت ضرورة ملحة لحماية النظام المصرفي اللبناني، وكذلك حماية سمعة لبنان كبلد ملتزم قمع تمويل الإرهاب ومكافحة تبييض الأموال. وبالتالي، فإن تأخر لبنان في إصدار هذه القوانين لم يعد معذوراً، مما كان سيعرضه لتدابير بعد نهاية العام كبلد غير ملتزم بالتشريعات الدولية. وقد زاد من خطورة الوضع اللبناني، الشلل البارز للسلطات المسؤولة فيه. فالحكومة معطلة، ومجلس النواب لا يجتمع، والفراغ الرئاسي يؤشر الى أزمة سياسية خانقة. كما أن الإرهاب الداعشي الذي تُخاض معركة عالمية ضده، يحاصر حدود لبنان وينجح أحياناً في التسلل اليه. إن كل هذه المؤشرات هي مصدر قلق للمؤسسات المالية العالمية التي تتعامل مع مصارف لبنان حيث يخشى أن يكون ضعف السلطة أو غيابها جاذباً للأموال الوسخة للدخول أو الخروج من لبنان بسهولة.
لقد كان لبنان مبادراً في إعداد القوانين الجديدة بالتشاور بين المصرف المركزي ووزارة العدل وجمعية المصارف، وإحالة مشاريعها من قبل الحكومة الى المجلس النيابي منذ ربيع العام 2012. لكن التطورات السياسية اللاحقة، وشغور موقع رئاسة الجمهورية، ثم تعثر العمل التشريعي لفترة طويلة، حال دون بلوغ هذه المشاريع المحطة الأخيرة لتحويلها الى قوانين نافذة.
هذه الأوضاع تفهمتها جيداً المرجعيات والمؤسسات الدولية المعنية، آخذة في الاعتبار أيضاً أن التأخير التشريعي ليس مرده مطلقاً رفض هذه القوانين ومضامينها. لذا لم تتخذ أي إجراءات بحق لبنان ومؤسساته المالية. لكن قرب انقضاء المهل القصوى وتصاعد الحرب المالية العالمية ضد تمويل الإرهاب وتوسيع آليات ووسائل مكافحة الجرائم المالية والتهرب الضريبي والفساد، فرض ايقاعاً لا يمكن معه قبول المزيد من التأخير.
[ ما هي انعكاسات نتائج إقرار هذه القوانين على الأجواء السياسية وعلى الوضع الاقتصادي؟
- إن إقرار هذه القوانين يؤشر الى تحسن الأجواء السياسية القائمة بأبعادها الداخلية والإقليمية. لكننا نأمل أن تكون استجابة الكتل النيابية، بما تمثله سياسياً، وتجاوز المعوقات التي كانت تحول دون انعقاد الهيئة العامة لمجلس النواب، قد فتحت فعلياً كوة في الجدار السميك. كذلك برزت إشارة ايجابية في تأكيد الإجماع السياسي على عدم تعريض لبنان أو مؤسساته لأي محاذير أو مخاطر مالية ذات طابع دولي.
ولقد لمسنا من خلال جولاتنا، كجمعية مصارف، على المراجع ورؤساء الكتل النيابية، تجاوباً مع دعواتنا لتحييد الاقتصاد وقطاعاته الى الحد الأقصى الممكن عن التجاذبات السياسية وتداعياتها، كذلك الحرص الشديد على دور لبنان وتفاعله الإيجابي مع المتطلبات الدولية في شتى المجالات، خصوصاً في المجالين المالي والمصرفي، حيث يحوز بلدنا ومؤسساتنا مواقع متقدمة في التزام القوانين ومكافحة تبييض الأموال. وهذا ما يحفظ دورنا ووجودنا وانسياب أعمالنا وعملياتنا في الأسواق الدولية، بما فيها إصدارات الدين الحكومية بالعملات الأجنبية.
ومن ناحية أخرى، والى جانب انعكاسات عدم إقرار هذه المشاريع سلباً على الأوضاع الاقتصادية والسياسية، فإن الشق الأمني مهم جداً وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحسن الاقتصاد. فكلما تعرضت البلاد لنكسات خطيرة، فإن حالة من القلق تنتشر فوراً، وهذا الأمر ينعكس على مجمل المؤشرات الاقتصادية. فعملية إرهابية واحدة تكفي لشل الحركة الاقتصادية. كما حصل مثلاً في باريس حيث تراجعت البورصة، أو في حادثة شرم الشيخ التي ضربت بسرعة القطاع السياحي.
[ ماذا جنب إقرار هذه القوانين، لبنان محلياً ودولياً؟
- لقد كنا في منتهى الصراحة والصدق في إبلاغ مخاوفنا للمرجعيات كافة، وعبر الإعلام أيضاً. هذه تشريعات جوهرية مطلوبة من المجتمع الدولي، وتأخير صدورها كان سيؤدي إلى إدراج لبنان على لائحة الدول غير المتعاونة بموضوع مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي ومكافحة الجرائم المالية، وهذا أمر يؤدي إلى إعاقة العمليات المالية من لبنان وإليه. ولكان لبنان مع دولة جزر القمر، الدولتان الوحيدتان خارج الشرعية المالية الدولية.
هذا شأن حيوي لا يتعلق حصراً بالقطاع المالي، بل أكثر بمعيشة اللبنانيين وباستقرار الأوضاع المالية في البلد. فإذا لم نلتزم القواعد المالية العالمية، لا يمكننا أن نتلقى تحويلات ولا أن نجري تحويلات مالية، بمعنى آخر ستجف السيولة عن لبنان وستنقطع عنه تحويلات المغتربين وسيعجز اللبنانيون عن تمويل نفقات أولادهم في الخارج. وكل هذه الأمور لا يستطيع بلد في العالم تحملها، وهذه أقصى عقوبة اقتصادية تقع على بلدان تُفرض عليها عقوبات اقتصادية. والحمد لله على تجاوزنا هذه المرحلة ونجاح المؤسسات السياسية في لبنان في تحقيق هذا الإنجاز التشريعي الحيوي.
إننا نعيش في محيط خطر، إنما الوضع المصرفي في لبنان ثابت وهو أمر مهم جداً، لأنه رغم كل التطورات الحاصلة، ما زال القطاع المصرفي اللبناني يحقق نمواً في حين أن القطاعات الأخرى في المنطقة لم تعد تحقق نمواً كما في السابق بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية وتدهور أسعار النفط.
[ هل يمكن أن يساهم إقرار هذه القوانين في تحسين العلاقة مع المصارف المراسلة؟
- في المبدأ، تعتمد المصارف اللبنانية أفضل الآليات والمواصفات الدولية وأكثرها تشدداً من الناحية الرقابية في تعاملاتها الخارجية وفي إدارة علاقاتها مع شبكة المصارف العالمية المراسلة. ولا شك أن تطوير منظومة القوانين المالية يساهم بفعالية في تأكيد التزام مصارفنا أقصى التدابير والإجراءات الجديدة لمنع مرور أي عملية مشبوهة.
ومن المهم التأكيد أيضاً أن إدارات المصارف تتعاون الى أقصى الحدود مع حاكمية المصرف المركزي للحفاظ على سلامة القطاع المصرفي وعملياته من جهة، ومواصلة الالتزام بأفضل المعايير الدولية للعمل المصرفي من جهة موازية. وهذا ما يحقق مصلحة استراتيجية للمصارف، ويكرس تميزها في المنطقة وخارجها لجهة السلامة والثقة واحتفاظها بأفضل علاقة مع المصارف العالمية المراسلة.
[ هل أنتم راضون على التعديلات التي أدخلت على قانون مكافحة تبييض الأموال والتصريح عن الأموال عبر الحدود؟ هناك من يقول إن هذه التعديلات قد طالت الى حد كبير السرية المصرفية التي لطالما تغنى بها لبنان والتي تُعتبر العمود الفقري للقطاع المصرفي. فهذه السرية هي سبب أساسي في النسبة المرتفعة للتحويلات من الخارج. فهل تتوقعون تراجع حجم هذه التحويلات مع إقرار هذه التعديلات؟
- لقد أوضحنا في مناسبات متعددة أن سلامة القطاع المصرفي، وحماية مؤسساته وتعاملاته الدولية هدف استراتيجي دائم لا تستقيم معه إثارة مخاوف أو هواجس من المس بالسرية المصرفية. فالقوانين الجديدة لا تتضمن تعديلاً جوهرياً في موضوع الحفاظ على قانون السرية في لبنان، باستثناء حالات التهرب الضريبي الموصوفة، والتي يتيح القانون الجديد للدول تبادل المعلومات في ما بينها وبين لبنان. وقد جاء هذا الإجراء الجديد محاطاً بتوافر شروط الجدية في الاتهام بالتهرب الضريبي.
يجب أن يقدم طلب المعلومات المتعلق بالتهرب الضريبي الى وزارة المالية اللبنانية من قبل مثيلاتها الأجنبية، ولا يقبل الطلب في لبنان إلا إذا كان مستنداً الى حكم مبرم بتجريم المستعلم عنه بالتهرب أو بالاحتيال الضريبي، أو أن يتضمن الطلب معلومات جدية أو قرائن دامغة بحصول التهرب. وإذا كانت المعلومات المطلوبة تتعلق بحسابات مصرفية، وبالتالي خاضعة لقانون السرية المصرفية في لبنان، يجب أن يُحال الطلب الى هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان التي يرأسها الحاكم والتي يعود اليها القرار النهائي بموضوع رفع السرية المصرفية عن الحساب. إن هذه الإجراءات تشكل تميزاً لبنانياً باستمرار احترام السرية المصرفية وحصر التراجع عنها بالحالات الفاضحة للتهرب. ونشير في هذا المجال الى أن قانون الضرائب اللبناني، لا يخضع التحويلات للرساميل والأموال الواردة من الخارج الى الضريبة في لبنان، مما يريح أصحاب الحسابات المصرفية في لبنان من مراجعات السلطات الضريبية في لبنان لهذه التحويلات بغاية فرض أي ضرائب عليها لأنها معفاة قانوناً، ومحمية بالسرية المصرفية تجاه السلطات اللبنانية مما يحفظ جاذبية لبنان وقطاعه المصرفي كنقطة توجه للرساميل آمنة في ظل أحكام القانون.
[ هل لديكم مخاوف أخرى في المستقبل؟ ومما أنتم قلقون؟ وما هي انعكاسات الفراغ الرئاسي على عملكم وعلى الأداء الاقتصادي ككل؟ وكذلك ما هي انعكاسات التعطيل الحكومي والنيابي المستمر على الوضع الاقتصادي؟
- أكدنا باستمرار كجمعية مصارف، وأيضاً ضمن إطار الهيئات الاقتصادية، وجوب حماية الاقتصاد الوطني وعدم تعريضه إلى أي اهتزاز ولا سيّما في ظل التداعيات الناشئة عن أوضاع إقليمية متفجرة وتنامي الإرهاب المتنقل. ولا شك أن العلاج الناجع يبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية، وبإعادة تكوين السلطات وانتظام مؤسساتها، ضمن مسار يضمن إعادة إقرار موازنة دستورية كمدخل إلزامي لانتظام المالية العامة، وإدارة التعامل الكفوء والمؤسساتي مع أزمة الدين العام ووقف صعود مؤشره قياساً الى الناتج المحلي. فهذا المسار كفيل وحده بتخفيف العجز، وإخراج الاقتصاد من حال التباطؤ غير المسبوقة في النمو وفق التقارير الصادرة عن أعلى المرجعيات المحلية والدولية مثال صندوق النقد الدولي.
إن دور الدولة من خلال انتظام المؤسسات وتفعيل أعمالها ومهامها، أساسي في تقليل حجم المخاطر الاقتصادية. وعندها سيتوفر حكماً المزيد من الفرص المؤاتية للتوظيف والاستثمار ضمن القواعد السوقية الأساسية. وهذا ما يعزز آمالنا بقدرتنا على تعويض أي نمو فائت أو أي مكاسب فعلية كان يمكن للبنان ومصارفه تحقيقها باعتبار أن المصارف اللبنانية هي في الغالب ذات صفة إقليمية وتتمتع بثقة عالية لدى المتمولين والمستثمرين في المنطقة.
[ التقيتم مؤخراً بعثة صندوق النقد الدولي التي كانت تزور لبنان. فهل تبلغتم أي مخاوف من الصندوق حيال الوضع الاقتصادي أو انتقاد جديد لانكشاف المصارف اللبنانية على دين لبنان السيادي؟
- مهمات صندوق النقد وبعثاته الى لبنان تواصلية وروتينية. هم يبدون بعض الهواجس المتعلقة بمحفظة المصارف من الديون الحكومية. نحن نتفهم هذه الهواجس ونجيب على تساؤلاتهم ونسعى دوماً الى احتوائها ومعالجتها. في المقابل، فإن مديري الصندوق يتفهمون جيداً معادلاتنا القائمة على أن تواصل التمويل مشروط حكماً بعدم تعريض الجهاز المصرفي وأموال المودعين لأي مخاطر حقيقية. وهذه معادلة تحترمها الحكومة، حيث تحرص وزارة المالية تكراراً على تأكيد التزامها أصول الاستدانة وسداد المستحقات قي مواعيدها.
ونحن نقوّم بإيجابية تقويم الصندوق للقطاع المصرفي اللبناني، وإشاداته المتكررة بإمكاناته وبالدور الحيوي الذي يضطلع في تأمين النمو الاقتصادي المستمر على نطاق واسع. كما يشيد مديرو الصندوق (بعثة المادة 4) بالرقابة المتشددة التي تمارسها السلطات على النظام المالي، مع التأكيد على ضرورة توخي اليقظة المستمرة وبذل الجهود لتقوية الإطار التنظيمي. كذلك أهمية زيادة الاحتياطات الرأسمالية الوقائية، وتحسين القواعد الحاكمة لتصنيف القروض واعادة هيكلتها، وتعزيز إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
[ هل أنتم قلقون من احتمال خفض تصنيف لبنان؟
- لا خوف من خفض تصنيف لبنان في المستقبل. فالمصارف تتمتع بفوائض سيولة وهي قادرة على تلبية حاجات الدولة وتجنب أي تعثر. فالتعثر أمر غير وارد نهائياً نتيجة السيولة المرتفعة والأرقام التي تحققها المصارف اللبنانية والتي تؤشر الى مدى الثقة بها وبالاقتصاد ككل.
[ أثرتم في اجتماعكم الأخير مع حاكم مصرف لبنان مسألة المصارف اللبنانية العاملة في العراق واضطرارها الى تكوين مؤونات في حال لم تتم تسوية وضعها مع المصرف المركزي العراقي. فإلى ماذا أفضت الاتصالات والمفاوضات في هذا الشأن؟
- من الواضح أن إعلان المصرف المركزي العراقي بأن فرعيه في أربيل والسليمانية لم يعودا مرتبطين به إدارياً أو تنظيمياً أو ماليا،ً قرار سياسي خطير مغلف بقشرة مالية. وفي ظل هذا الواقع فإن كل المصارف، بما فيها اللبنانية، باتت أسيرة هذه الأزمة لجهة اضطرارها لتكوين مؤونات على المبالغ المودعة قبل نهاية العام الجاري.
ونظراً للمضمون السياسي للمشكلة، فنحن نبذل، وبالتنسيق مع المصرف المركزي اللبناني، المساعي الضرورية بحيث نأمل أن يتم تجميد مفاعيل القرار، أو على الأقل عدم إعطائه مفعولاً رجعياً بما يساعد على تحرير المبالغ المودعة في فرعي المصرف المركزي في أربيل والسليمانية.
[ ما هي الربحية الصافية المتوقعة للقطاع المصرفي هذا العام؟ وماذا تتوقعون أن تكون نسبة نمو ودائعكم؟ وهل أنتم راضون عن أداء القطاع لهذا العام؟ وهل لديكم خطط مستقبلية لمواجهة الضغوط التي تمارس عليه؟ وهل برأيكم المصارف اللبنانية وبحجمها الحالي قادرة على مواجهة هذه التحديات، أم أنكم تحبذون الاندماج؟
- نتوقع أن يحافظ القطاع المصرفي على معدلات أرباحه هذا العام والأعوام القادمة، مع استمرار تسجيل نمو بين 5 و6 في المئة في المؤشرات الأساسية وهي نسب إيجابية ربطاً بالأوضاع القائمة، وكافية لاستمرار انسياب التمويل الى القطاعين العام والخاص، علماً أنه لدى المصارف فوائض مهمة قابلة للتوظيف عند توافر الطلب والفرص المؤاتية.
ورغم تنامي ركود الاقتصاد، فإن القطاع المصرفي بموجوداته المحلية البالغة أكثر من 182 مليار دولار، أي ما يزيد عن 3.5 أضعاف الناتج المحلي، مرتكزاً الى قاعدة ودائع تفوق 150 مليار دولار، وبمساحة انتشاره إقليمياً ودولياً وبمزاياه الخاصة، يحافظ على تألقه مستثمراً ما اكتسبه من مرونة فائقة في إدارة التعامل مع أحداث طارئة، وما راكم من خبرات أثبتت جدواها في استيعاب تداعيات حالات متكررة من اختلال الاستقرار الداخلي والتأثيرات الخارجية.
[ الموضوع الذي يشغل بال المصارف اليوم هو ظاهرة تجنّب المخاطر. فما هي الإجراءات التي يتخذها القطاع المصرفي على هذا الصعيد؟
- بالفعل، توسع أخيراً انتشار ظاهرة تجنّب المخاطر De-Risking. هذه الظاهرة ارتبطت أصلا باحتمال عدم تمكّن المصارف أحياناً من الالتزام بمتطلبات الحيطة والحذر والعناية الواجبة Enhanced Due-Diligence التي تفرضها السلطات الرقابية، مثل التشدّد بالحصول على المعلومات الواجبة عن الزبائن (KYC) وغيرها من إجراءات التحقق عن العملاء والعمليات المصرفية والمالية. هنا قد يلجأ المصرف إلى الابتعاد عن بعض الزبائن أو العملاء أو القطاعات، وقد يفضّل عدم التعامل مع هذه الأنواع من الزبائن والعمليات، وهذا ما يعرف بظاهرة De-Risking.
هنا تكمن إشكالية المعالجة. ففي حال اعتماد المصرف خيار التخلي عن بعض العمليات أو العملاء، يكون قد خسر بعض الزبائن من باب الشك، وساهم في الوقت ذاته في تنامي ظاهرة صيرفة الظلّ Shadow Banking. وبذلك تبرز مشكلة جديدة، وهي إمكانية ظهور قنوات مالية غير خاضعة لأي نوع من أنواع الرقابة.
ومن ناحية أخرى، فإن الاستمرار بالتعاطي مع زبائن أو قطاعات تثير الريبة من ناحية احتمال تورّطها في غسل أو تبييض الأموال، قد يدفع المصارف المراسلة إلى فرض عقوبات على هذه المصارف، وهنا يواجه المصرف مشاكل أخرى هو في غنى عنها.
الحل الموضوعي يتطلب تشدداً أكثر في الرقابة الداخلية، والتوسع في جمع المعلومات والمعطيات الهادفة الى تطبيق أشمل لقاعدة أعرف عميلك، وتوسيع آليات التنسيق والتفاعل المباشر وشبه الفوري عند الاقتضاء، ما بين السلطات الرقابية والقضائية والأمنية والقطاع المصرفي في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وغيرها من العمليات التي تقع تحت مسمى الجرائم المالية بما فيها أموال التهرب الضريبي والفساد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00