مجموعة كبيرة من العناوين بدت الإدارة الأميركية مهتمة بإبرازها وتطويرها خلال الاستقبال الاستثنائي الذي خصت به رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري في زيارة العمل التي قام بها الى واشنطن الأسبوع الماضي، والتي أعد لها "برنامج رئاسي" بكل معنى الكلمة.
العنوان الأول يتصل بالتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث سمع سعد الحريري من مسؤولي الإدارة وصولاً الى الرئيس جورج بوش كلاماً أميركياً حازماً يدعم بقوة الرئيس الجديد للجنة التحقيق سيرج براميرتس، ويؤكد تمسك الولايات المتحدة بالتوصل الى الحقيقة أينما كانت وحيثما وصلت وفي أي "مكان" كان، وبضرورة "الاتيان" بالمتهمين الى العدالة.
وهذا الموقف الذي لا يبدو أن ثمة جديداً فيه، يهدف الى القول بوضوح وبصوت عال أن لا تسويات في هذا الموضوع، وأن لا نية لدى واشنطن لإلقاء خشبة الخلاص لأي فريق متورط في الجريمة الإرهابية، خاصة اذا كان هذا الفريق هو النظام السوري.
ولا يخفى في هذا المجال أن هذا الموقف يكتسب أهمية مضاعفة في ظل ما يمكن للنظام في دمشق أن يظنه عوامل استقواء على المجتمع الدولي في هذه المرحلة، لا سيما بعد التطورات التي حملتها نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، واحتمال أن يجير نظام دمشق هذه النتائج لصالحه أو أن يلتقط الأنفاس على أساسها.. أو أن يحاول كسب مزيد من الوقت.
المسار الأمني والاقتصادي الموازي
والعنوان الثاني، وهو ليس جديداً أيضاً، لكن الإدارة الأميركية شاءت التركيز عليه، وهو أن على لبنان الا يبقى حبيسا ضمن مسار وحيد، أي المسار المتعلق بالتحقيق الدولي. فبحسب مصادر أميركية مطلعة، لا بد من مسار آخر مواز يساعد لبنان على تخطي صعوبات المرحلة. وفي هذا المجال يأتي الدعم الأميركي المتجدد لأولويتي الأمن والاقتصاد في لبنان، حيث أبلغت الادارة الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" استعدادها لتقديم الدعم التقني واللوجستي للقوى العسكرية والأمنية اللبنانية تدريباً وتسليحاً ومعدات، وأبلغته دعمها لانعقاد مؤتمر "بيروت ـ 1" في أسرع وقت بعد أن كان لبنان اقترح له موعداً في مطلع العام الجاري.
البند الرئاسي في الـ 1559
أما العنوان الثالث، المتصل بالقرار 1559، فقد ذكرت مصادر أميركية أن ثمة اهتماماً أميركياً متزايداً بالتذكير بالبند الأول في هذا القرار، أي البند الرئاسي، الى جانب الاهتمام بسائر بنود القرار. وفي المعلومات الأميركية أن واشنطن التي اعتبرت منذ البداية ان التمديد للرئيس إميل لحود، تمديد غير شرعي وغير دستوري لبنانياً، نظراً الى الظروف التي حصل فيها، مهتمة أيضاً بأن يكون موقفها واضحاً لجهة أن الرئيس لحود غير شرعي على الصعيد الدولي، ومن زاوية "القانون الدولي". وفي هذا الإطار. تلفت مصادر المعلومات الأميركية الى أن التأكيد على هذه الناحية سيتصاعد خلال الأيام المقبلة، وأن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ستتولى إطلاق "شرارة" هذا الموضوع قريباً جداً، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من عزلة لحود خارجياً.
أما بالنسبة الى سائر بنود الـ 1559، وإضافة الى ان واشنطن تعتبر أن دمشق لم تنفذ بـ "الكامل" ما يتعلق بها، وان الانسحاب السوري "الشامل" لم يتحقق، فإنها ترى ان ما يتصل بسلاح "حزب الله" وبالسلاح الفلسطيني لا بد من تنفيذه، وعلى الأرجح، فإن أوساط الادارة تعتقد أن التنفيذ يجب الا يطول. بيد أن ما لفت أنظار المراقبين في واشنطن، هو التصريح الذي أدلى به سعد الحريري بعد لقائه الرئيس بوش، وأعاد فيه التأكيد على الحوار اللبناني بخصوص سلاح "حزب الله"، الأمر الذي فسّر على نطاق واسع على أنه فرصة متجدّدة تُعطى للبنان من قِبل واشنطن والمجتمع الدولي لإنجاز تقدّم على صعيد الحوار اللبناني الداخلي.
لبنان لا يزال أولوية أميركية ودولية
وإذا كان ما تقدّم ذكره يعني "شيئاً" محدّداً، فهو يعني أنه فيما كان من المنطقي افتراض تقدّم العنوانَين الفلسطيني (بعدَ نجاح حركة "حماس" في الانتخابات الفلسطينية) والإيراني في ظلّ التعقيدات المستمرّة بشأن الملف النووي لطهران، فإن لبنان على الرغم من كل ذلك لا يزال أولوية أميركية. ويستطيع اللبنانيون أن يقدّروا أن ثمة "رهاناً" أميركياً كان منعقداً على تقدّم في العملية السلمية الإقليمية يتحقّق بعد الانتخابات في كل من فلسطين والعراق، لكنهم (أي اللبنانيين) يستطيعون في المقابل أن يقدّروا أن استقرار الوضع اللبناني من وجهة نظر واشنطن مسألة في غاية الأهمية كي لا يكون لبنان ممرّاً الى "تصريف" التطوّرات الفلسطينية والإيرانية، باعتبار أن واشنطن تنظر الى النظام في دمشق بوصفِه "الحلقة الأضعف" في "السلسلة".
إذاً، إن العناوين الثلاثة التي ركّزت الإدارة الأميركية عليها أثناء استقبالها الرئاسي لسعد الحريري، هي بمثابة رسائل قوية في اتجاهات متعدّدة لبنانياً وعربياً وإقليمياً، تفيد أن لبنان لا يزال يحظى بمظلة دولية "واقية".
واشنطن والمبادرات العربية
من ناحيته، كان واضحاً أن سعد الحريري يريد توظيف الدعم الأميركي في اتجاهين رئيسيين. الأول داخلي، بحيث تشعر قوى 14 آذار أنها لا تزال تستطيع الاعتماد على موقف دولي لم تبدّل التطوّرات الأخيرة من أولوية لبنان فيه من جهة، ويشعر "حزب الله" أن الركن الأبرز في 14 آذار، أي الحريري نفسه، إنما نجح في "شراء" وقت إضافي لصالح الحوار، طالما أن الدعم الأميركي لمؤتمر "بيروت ـ 1" ليس مشروطاً.. أي أن الحريري يريد أن يطمئن "حزب الله" بأن المجال لا يزال مفتوحاً لصوغ تسويات لبنانية من جهة أخرى. أما خارجياً، فلم يكن خافياً أن سعد الحريري نجح في تحقيق نوع من "المصالحة" بين الموقف الأميركي ـ والدولي ـ عالي النبرة تجاه النظام السوري والملتزم بقوة رفض ترويع اللبنانيين كما قال بوش ورايس من ناحية، وبينَ المبادرات والتحركات العربية على خط ما يسمّى ملف الأزمة بين لبنان وسوريا من ناحية ثانية.
وليس سراً القول إن الإدارة الأميركية تعاطت بنسبة من الحذر حيال ما طُرح عربياً في هذا الإطار، مما فهمت واشنطن فيه أن ثمة حركة عربية تشذّ عن الإيقاع الدولي. وكان مهماً جداً أن يُعلن الحريري، ومِن البيت الأبيض بالذات، أن الهدف الرئيسي للمملكة العربية السعودية ولمصر هو مساعدة لبنان على كسب استقراره، على اعتبار أن البلدين العربيين يدعمان التحقيق الدولي المؤسّس على قرارات دولية واضحة، ويدعمان بقوة وقف مسلسل الاغتيالات في لبنان، وانهما إن يحرصان على استقرار المنطقة العربية وعلى عدم تجرّعها كؤوساً مُرّة إنما يحرصان على استقرار لبنان الذي هو مرآة لاستقرار المنطقة. وإضافة الى ذلك، شكّل إعلان الرئيس فؤاد السنيورة عن تحرك للوزير المصري اللواء عمر سليمان لمعالجة مسألة السلاح الفلسطيني، إشارة بالغة الأهمية الى أن "نقطة البداية" هي مطلب لبناني من سوريا وليس العكس. وبهذا المعنى، فإن كلام الحريري عن تأييد اللبنانيين للتحرّك العربي الداعم لأمنهم واستقرارهم، إذ يأتي في ظل موقف دولي قوي، إنما يشكّل مصدر طمأنة للبنانيين، بأن لبنان يحظى بمظلّة دولية واقية، وبنوع من "الوفاق" العربي ـ الدولي، ولو بدَت "الأساليب" مختلفة بين الجانب العربي والجانب الدولي.
الاستقبال الرئاسي لسعد وريث بطل استقلال 2005
على أن أهمية زيارة سعد الحريري الى واشنطن، و"هذه" الطريقة في استقباله، لا تكمن فقط في المواقف الأميركية التي تبلّغها وسمعها، ولا في المعطيات المتوافرة عن هذه المواقف التي ستتصاعد تباعاً بعدَ البيان الرئاسي الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي أخيراً، سواء كان هذا التصعيد في كلام تعلنه رايس أو في كلام عن لبنان وسوريا يضمّنه الرئيس بوش خطابه عن "حال الاتحاد" غداً، بل تكمن أهمية طريقة استقباله في واشنطن، في المغزى العميق للتعاطي الأميركي مع والده ا لشهيد ومعه تالياً. فرفيق الحريري في الولايات المتحدة هو بطل استقلال لبنان، الذي لولا مواقفه قبل استشهاده، ثم لولا استشهاده، لما كان استقلال 2005,. وفجأة يجد "الوريث" نفسه في "وهج" هذا المعطى.
ومحق سعد الحريري، في رده على اسئلة الإعلاميين، إذ قال إن هذا الدعم ليس تدخلاً في الشؤون اللبنانية، ولا وصاية جديدة على لبنان، بل مواقف يجب الاستفادة منها لحماية البلد واستقراره وتطوير مساره الاستقلالي الديموقراطي.
والمهم الآن أن تدخل هذه المعطيات كافة في حساب كل الفرقاء، ولا سيما فريق 14 آذار الذي يستعد للتحرك الشعبي في 14 شباط. أي أن يُبقي المبادرة في يده.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.