8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أمري على الله: "نحن" ذهبنا و"أنتم" تعودون

ليس منطقياً ولا طبيعياً أن يفترض "كهل" أنه يستطيع أن يقدّم خلاصة تجربته الى الشباب على أنها "حقيقة مثبتة". ذلك أن منطق الأمور وسنّة الحياة يقولان إن كل جيل يخوض وربما ـ بل على الأرجح ـ لا يعير تجربة الأجيال السابقة والاهتمام اللازم، وكل جيل سيدخل لا محالة "في الحائط" قبل أن يكتشف عندما يغدو مخضرماً أن ليس كل ما قام به صحيحاً.. وقبل أن يكتشف أنه لن يكون مسموعاً كثيراً يوماً ما من قبل الأجيال الشابة.
لكن، أمري على الله، وأقول بضع كلمات.
على أيامي في الجامعة، أي بين أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، كانت الحياة الطالبية الجامعية "أرقى" في ظاهرها، بمعنى أن الجامعة التي كانت كليّاتها ومعاهدها في مبان موحّدة، مؤسسة على العمل الحزبي، أي كان "يبدو" أن الاستقطابات تتم على أساس "حديث"، ما فوق الطائفي والعشائري والعائلي الخ. وكانت "المنافسة" وكان "الصراع" يتمّان في نطاق "أيديولوجي"، بين "يمين" و"يسار" و"وسط" ليبرالي.. أي أنه كان "يبدو" أن الصراع لن يترك مخلّفات أو تداعيات طائفية. وكان جيلي يعتقد وبعضه لا يزال يعتقد اليوم أن الحركة الطالبية شهدت في تلك الأيام عصرها الذهبي.
هذا الاستنتاج صحيح بمعنى وخاطئ بمعانٍ.
صحيح بمعنى أن الحركة الطالبية كانت "طليعة" الحياة السياسية ومرآتها في آن، وصحيح بمعنى أن الحركة الطالبية كانت "ديموقراطية" أي أن خلافات تيّاراتها كانت تحسم بانتخابات "نزيهة" و"عادلة" وبقانون "ملزم" حتى للفئات التي تعترض عليه. وصحيح بمعنى أن أحداً لا يستطيع إنكار التاريخ ليركّب التاريخ بوعي "الحاضر" لـ"الماضي".
لكنه خاطئ بمعايير عدة: كان "التعسكر" بين يمين ويسار خاضعاً لمعايير أيديولوجية كان اليسار الأكفأ في تحكيمها، وكانت المعايير الأيديولوجية "فعلية" بمقياس عالم ذلك الزمان وتلك المرحلة. بيدَ أن ذلك لا يحجب حقيقة أن اليمين كان مسيحياً، وأن اليسار لم يستطع أن يمثّل استقطاباً عابراً للطوائف على الرغم من علمانيّته، وإن كان اليسار نجح في "الظهور" كأنه تعدّدي بمعنى الانتماء الطائفي لأعضائه.
ما لي أطيل؟
ألتقط أنفاسي كي لا أسترسل، فأقول باختصار شديد أن جيلي ـ من اليسار آنذاك ـ كان يتملّكه وهمٌ ربما بأنه إذ يمارس نفوذاً في الحركة الطالبية وعليها إنما يحكم البلد، وبأنه إذ يستطيع أن "يحتلّ" الشارع سيقود التغيير الذي كان يسمّيه اليسار "وطنياً ديموقراطياً"، لا بل اختلفت أجنحة اليسار مع بعضها حول المصطلحات.
الآن، لا يستطيع أحد أن يغيّر في مجرى ما حدث أو أن يقول "لوْ كذا لحصل كذا أو لما حصل"، ليس فقط لأن كلمة "لوْ" لا تنفع كما يقول الآباء والأجداد، بل تماماً لأن ما حصل قد حصل.
وما حصل أن جيلي ـ من اليمين واليسار ـ "اقتيد" الى حرب أهلية، لأن الجامعة "تلي" أحكام البلد ولو تصوّر طلابها أنهم يقودونه، وأحكام البلد كانت تقول إن الحرب الأهلية آتية لا محالة في ظل الأزمة السياسية والوطنية والاجتماعية وفي ظل الانقسام العميق.. والحرب الأهلية ـ من طبيعتها ـ تستحضر كل ما هو سيئ لأنها "قذرة" ككلّ الحروب التي يقتل فيها الإنسان.
وبما أن مساهمتي الآن لا يمكنها الاستطراد الى تقويم كل تلك المرحلة وبما أن شعار "اختصر" يطاردني أقول وقد قرأت معظم المقالات الواردة في محور اليوم، أن ما يشكو منه أبناء الجامعة، اللبنانية أو الخاصة، لكن اللبنانية باعتبارها تقسّمت وتفرّعت، ان ما يشكون منه هو مخلّفات الحرب وانقسامات الحرب وصراعاتها.
وعندما يقال مخلّفات الحرب، يُقال عدم استكمال المصالحة، ويُقال ضياع "الاستقلال والسيادة" بعد أن انكشف البلد على الخارج، ويُقال نزوح المركز اللبناني الى خارج لبنان في السياسة (الى سوريا) ويُقال غياب الديموقراطية الخ..
وإذا كان جيلي ـ أو بعضه ـ يفترض أن "قرار" كل التيارات على أيامي كان "في يدها" أي أن العمل السياسي لم تكن تحرّكه مخابرات لبنانية أو سورية أو أميركية أو سوفياتية الخ..، فلا شك أن عوامل خارجية لعبت دوراً في الحرب الأهلية. وبكلام آخر، ان استرجاع الجامعة أو الجامعات الى سياق حركة طالبية ديموقراطية "طبيعية" هو جزء من عملية استعادة لبنان الى سياق طبيعي أصلاً.
لذلك، أستطيع أن أقول إن الفارق بين جيلي في "القرن الماضي" وبين جيل اليوم.. اليوم تحديداً، هو ببساطة الآتي: جيلي كان ذاهباً الى الحرب وبعضه ربما بـ"سعادة"، بينما جيل اليوم عائد منها وبعضه ربما "نقّاق". وغنيّ عن القول أن الحركة السياسية التي تحدث في هذه الأيام هي التي تعزّز ذلك.. لأن لا اقتتال بين اللبنانيين خلافاً لما يقوله بعض الأبواق. والسبب يقع بالضبط هنا: ان المعارضة بتياراتها وتلاوينها تمثّل باختلاطها الطائفي ضمانة السلم الأهلي، هذه هي "الحقيقة" بينما البعض يبحث عن الظُهر في الساعة الثانية من بعد الظهر كما يقول المثل الفرنسي، أي أن هذا البعض يبحث في سوسيولوجيا المعارضة، يمينها ويسارها وما بينهما في حين أن الموضوع هو ديناميّتها: لنستعد البلد أولاً ثم نتصارع ديموقراطياً.
ومساهمة جيل اليوم كبيرة في هذا الإطار، أي أن عليه أن يشكّل كتلة وازنة في هذا الاتجاه. أما الإشكاليات فليست مستعصية... والشيعة طائفة غنيّة.. أو بالأحرى أن "الشيعية السياسية" الحالية هي التي "طيّفت" الشيعة الذين تكمن مشكلتهم في أنهم لا يعون أنفسهم كطائفة ولا يتصرفون على هذا الأساس كما يقول المرجع الكبير السيد محمد حسين فضل الله (أثرت هذه النقطة لأن أحد المقالات أتى على ذكرها).
"خلصنا".. أطلت كثيراً!
نعم. تبقى كلمة أخيرة: ثمة جهد كبير مطلوب لإعادة قراءة "التاريخ" ولإعادة تحديد المفاهيم، ولإعادة صوغ المواقع. إذ كيف لا يكون اليسار استقلالياً وسيادياً مثلاً وكيف لا يكون ديموقراطياً؟ وكيف لا يطوّر نظرته الاجتماعية؟ وكيف.. وكيف؟
أخيراً، لا يحاكمنّني أحد على عدم شمول المساهمة. أنا حرّ فاخترت هذه الزاوية ولا أقوم بدراسة ولا أصوغ مؤلفاً.

(*) نائب سابق للاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية ومسؤول طلابي يساري في السبعينات.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00