منذ اشتغاله في اتفاق الطائف ثمّ تولّيه رئاسة الحكومة نهاية 1992 وبعد ذلك، كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري مسكوناً بهمّ تحقيق إستقلال لبنان من سوريّا.
عمل لهذا الهدف على خطّين.
الخطّ الأوّل تعبّر عنه واحدة من صفحات العلاقة بين الرئيس الشهيد والقيادة السوريّة على زمن الرئيس الراحل حافظ الأسد. فعشيّة إنهيار الإتحاد السوفياتي وعلى مشارفه، وفي موازاة سقوط جدار برلين، زار الرئيس الحريري الأسد الأب ناصحاً. قال الحريري إنّ العالم يتغيّر وهو يشهد أوّل تحوّل من نوعه منذ ثلاثة أرباع القرن، وفي رأيي يا سيادة الرئيس أنّ ثلاثة قرارات إستراتيجيّة منتظرة منك: قرارٌ أوّل بالإنفتاح على العالم الغربيّ إذ لا يمكنك الإستمرار في الشرق المتغيّر، وقرارٌ بإجراء إصلاحات سياسيّة في النظام لتحديثه وعصرنته، وقرارٌ ثالث بإصلاحات إقتصاديّة تنقل الإقتصاد السوريّ إلى مرحلة جديدة.
وفي ردّه على نصائح الرئيس الحريري إستبعد حافظ الأسد فوراً الإصلاح السياسيّ لأنّ من شأنه أن يؤدّي إلى تغيير النظام السوريّ.. ووافق على أن يتسلّم من الحريري إقتراحات إصلاحيّة في الإقتصاد، الأمر الذي لم يحصل أبداً حيث إلتفّ الأسد طوال سنوات على الموضوع متخوّفاً من أن يفرض الإصلاح الإقتصادي إصلاحاً سياسياً معيناً.. لكنّه وافق في المقابل على ديبلوماسيّة انفتاح على الغرب وأميركا، الأمر الذي سيترجمه إنخراطاً في التحالف الدوليّ لتحرير الكويت وبعده الإشتراك في مؤتمر مدريد.
هذا الخطّ الأوّل يعكسُ إهتمام الرئيس الشهيد بديموقراطيّة سوريّا وحداثتها من أجل نفسها ومن أجل العلاقات اللبنانيّة - السوريّة.
أمّا الخطّ الثاني بعد أن فشلت محاولة النصح بالإصلاحَين السياسيّ والإقتصاديّ، فقد ركّز الرئيس الشهيد عليه بعد تولّيه الحكم وإستمرّ به حتّى العام 1998 تقريباً.
وهذا الخطّ هو محاولته بناء قاعدة واسعة من المصالح المشتركة بين لبنان وسوريّا. ونقطة الإنطلاق في هذا التوجّه لديه، كانت أنّ العلاقات بين الدول - أيّ دول - يفترض أن تكون على قاعدة مصالح أوّلاً، وأنّ المصالح والفوائد المشتركة تغني عن التدخّل السوريّ في لبنان طالما أنّ مصالحها مؤمّنة بينها وبينَه ثانياً، وأنّ العمل المشترك على أساس مصالح يؤسّس لعلاقات جدّية بين دولتين ولدور لهما في المنطقة والعالم ثالثاً.
المهمّ أنّ الخطّين المتوازيين اللذين حاول الرئيس الشهيد من خلالهما تطوير العلاقات اللبنانيّة - السوريّة والتأسيس - بالتراكم - لإستقلال لبنان عن سوريّا، أي خطّي ديموقراطيّة سوريّا وتحديثها من جهة وإرساء نظام مصالح مشتركة من جهة ثانية، تمّ إحباطهما من جانب النظام السوريّ. وإذا كانت مرحلة حافظ الأسد إتّسمت بـنظريّة الوصاية على لبنان وإستتباعه وإحلال المافيا والنهب قاعدةً للتعامل مع الإقتصاد اللبنانيّ بدلاً من الإصلاحَين في سوريّا ولبنان، فإنّ مرحلة بشار الأسد أقامت وصاية أمنيّة على لبنان وأعلنت الحرب على رفيق الحريري.. إلى أن قُتل في ظلّ القبضة البوليسيّة للنظام الأمنيّ اللبنانيّ - السوريّ المشترك على لبنان.
إنّ مناسبة الكلام عن نضال الرئيس الحريري في سبيل علاقات لبنانيّة - سوريّة سويّة، وهو هدفٌ بقيَ مقتنعاً به حتّى في ذروة إنتقاله إلى المواجهة السياسيّة المباشرة مع الوصاية الأسديّة، هي في الواقع مناسبتان. ذكرى إستشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط بعد مضيّ سبع سنوات على هذه الجريمة التي باتت في عهدة العدالة الدوليّة. والثورة السوريّة التي تقترب حثيثاً من إتمام عامها الأول.
لقد أدّت إنتفاضة الإستقلال اللبناني التي أعقبت إغتيال الحريري إلى طرد الوصاية السوريّة وجيشها من لبنان ليشكّل هذا الحدث أوّل مسمار يدقّ في نعش نظام الأسد. كانت دماء الرئيس الحريري ثمّ ثورة الأرز حدثاً تأسيسياً في ربيع سوريّا بعد ستّ سنوات. ولا شكّ أنّ ثورة الشعب السوريّ ضدّ النظام الديكتاتوري الفاشيّ هي فعل إرادة الشعب السوريّ بالتغيير، وهي تحاكي ما تطلّع الرئيس الشهيد إليه، أي أن تكون العلاقات اللبنانيّة - السوريّة علاقات بين دولتين متكافئتين وشعبين شقيقين يربط بينهما التاريخ والحاضر والمستقبل.
إنّ الدماء الغزيرة التي تراق في سوريّا في هذه الأيّام ستُسقط نظام الأسد بلا ريب وستحقّق التغيير الديموقراطي الذي يفتح صفحة جديدة بين لبنان وسوريّا دولتين وشعبين، بإعتبار هذا التغيير - في ضوء التجربة التاريخيّة - شرطاً ضرورياً لتجديد تلاقي البلدين وشعبهما.
رحم الله رفيق الحريري.. وعاشت الثورة السوريّة!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.