8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المبادرة الفرنسية مستمرة حتى 21.. والأكثريّة المطلقة في 22 أو 23

لم يعد ثمّة شكّ في أنّ المحور السوري ـ الإيراني إتخذ قراره بألا يكون للبنان رئيسٌ للجمهورية بحلول 24 تشرين الثاني الجاري.
العرضُ الفرنسيّ المقدّم إلى النظام السوري لم "يُغرِه" كي يمتنع عن تعطيل الإستحقاق الرئاسي اللبناني. ذلك أنّ هذا العرض إذ يقترح تطبيعاً متدرّجاً بين المجتمع الدولي والنظام في دمشق في حال تسهيله حصول الإستحقاق، وإذ يتضمّن دعوة سوريا إلى مؤتمر أنابوليس إشارة إلى عدم إسقاط المشاركة السورية في عملية السلام، فإنّه لا يقدّم لنظام الأسد ما يريدُه بل ما يضمنه.
العرضُ الفرنسي يهدف إلى تكريس خروج النظام السوري من لبنان، في حين أنّ النظام السوري يريد تجديد عودته إلى لبنان. والعرضُ الفرنسي لا يتجاوز القرارات الدولية الخاصة بلبنان، لا سيما المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، في حين أنّ النظام السوري يريدُ إسقاط المحكمة أو صيغةً تكفل "تمويتها" مع الوقت.
النظام السوري والعرض الفرنسي والرهانات
ثم إنّ نظام الأسد يتوقّع فشل مؤتمر أنابوليس ويراهن على الفشل. وبالنسبة إلى إسرائيل فهي تخدمُه في الاتجاهين: إذا حصلت حرب يأمل أن يخرج منها "بطلاً" حتّى لو هُزم عسكرياً وكانت الخسائر فادحة، وإن لم تحصل حرب فإنّ إسرائيل لا تهدف إلى التخلّص منه بل تحميه من السقوط، وأول من أمس، وبالرغم ممّا يُحكى عن مناورات إسرائيلية على جبهة الجولان، كان وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك يمتدح النظام السوري داعياً إلى "حسن المعاملة" معه.
والأهمّ أنّ سوريا تحوّلت مع نظام بشار الأسد إلى قاعدة إيرانية "متقدّمة". ووجوده العسكري والاقتصادي في يد إيران. حتّى "دوره" السياسي هو جزء من الدور الإيراني. فهو بالإستناد إلى علاقته بطهران يُشاغب عربياً. وإذا كان يراهن على المواجهة الإيرانية ـ الأميركية والدولية في المنطقة فليس الآن، وتلك المواجهة تلوح في الأفق، ما يدعوه إلى إسقاط رهانه، هذا إذا كان قادراً أصلاً على "التميّز" عن إيران بعد أن صار مربّعاً إيرانياً.
والأكثر أهمية هو الآتي: الإستحقاق الرئاسي في لبنان يسبق سائر الإستحقاقات، والعرضُ الفرنسي يطالبُه بأن "يدفع" في هذا الإستحقاق، أي أنّ "الدفع" يسبق "القبض"، فكيف إذا لم يكن ثمّة "قبض" مُجزٍ في المباشر على الأقل، بالنسبة إلى "النظام ـ التاجر"؟. والحال أنّ الإستحقاق الذي يلي الإستحقاق الرئاسي في ما يخصّ النظام السوري هو المحكمة الدولية التي ستنشأ قبل نهاية العام الجاري.
إيران "السابقة"
على الجانب الإيراني من "الصورة"، لا بدّ من توضيح نقاط رئيسية.
بدأ التحرّك الفرنسي بشأن "الأزمة اللبنانية" بعد إنتخاب نيكولا ساركوزي رئيساً لفرنسا، بالتزامن مع مرونة فرنسية مرحليّة حيال الملفّ النووي الإيراني وتحت عنوان أولوية المساعي الديبلوماسية مع طهران في هذا المجال. في هذه الفترة حصلت إتصالات ولقاءات فرنسية ـ إيرانية حول لبنان وسارت على خطّ موازٍ مع الإتصالات السعودية ـ الإيرانية.
غير أنّ التحرّك الفرنسي إستمر في الشهور القليلة الماضية، وتحوّل إلى "مبادرة" شطرٌ منها على خطّ دمشق، في ظلّ تشدّد فرنسي متصاعد إزاء المسألة النووية الإيرانية وإتفاق فرنسي ـ أميركي على تصعيد الضغوط على طهران وإتفاق آخر حول العراق، وفي ظلّ قطيعة فرنسية ـ إيرانية.
خلال الفترة السابقة قبل القطيعة الفرنسية ـ الإيرانية، كانت أصداء الموقف الإيراني تصل إلى اللبنانيين على النحو الآتي: إنّ إيران "حرّمت" على النظام السوري إقليمياً وعلى "حزب الله" لبنانياً إشعال فتنة مذهبية شيعيّة ـ سنّية، وإنّها ضدّ إندفاع الصراع في لبنان نحوَ حكومتَين، وإنّها مع "التوافق" مفهوماً على أنّه التوافق الذي يضمن بقاء سلاح "حزب الله" من ناحية والذي يأتي برئيس "يدير" الوضع اللبناني بطريقة لا تحسُم شيئاً في هذه المرحلة الإقليمية من ناحية ثانية، وأنّها مع حكومة تلي الإستحقاق الرئاسي وفيها ما يسمّى "الثلث المعطّل" لحزب الله وحلفائه. هذا مع العلم أنّ إيران لم تتردّد في مرحلةٍ من مراحل إتصالاتها بالفرنسيين وغيرهم، في طرح "المثالثة" المسيحية ـ السنّية ـ الشيعيّة بديلاً من الصيغة الراهنة للطائف أي المناصفة الإسلامية ـ المسيحية.
إيران "الحاليّة"
إذاً، في مرحلة الإتصالات الفرنسية ـ الإيرانية والأوروبية ـ الإيرانية، كانت طهران "ترحّب" بتسوية، في "أحسن الأحوال" لا تنتج عنها متغيّرات. وكانت في هذا الاتجاه لأنّها كانت مطمئنة إلى أن ليس ثمّة تصعيد دولي حيالها، ولأنّها كانت مقتنعة بأن الولايات المتحدة لن تفتح جبهة تصعيد "ثانية".
هذه المعطيات تبدّلت. تلمسُ إيران أنّ التصعيد الدولي سيتكثّف إبتداءً من عقوبات مشدّدة، وتشعرُ بأنّ واشنطن قد تتّجه إلى ضربة عسكرية في وقت ما من السنة المقبلة. وإذا كانت في فترة سابقة "سايرت" الإتصالات الدولية ـ الإقليمية الباحثة عن "ضبط" الأزمة اللبنانية ضمن حدود معينة، فإنّها "اليوم" تسلكُ مساراً مختلفاً. هذا، فيما تلفتُ مصادر متابعة إلى أنّ للصراع داخل مراكز القرار الإيراني أثراً على مقاربة الوضع اللبناني من زاوية إقليمية "شاملة".
"الجناح السوري الصافي" يقصف المبادرة
على هذا التقاطع السوري ـ الإيراني، واكب النظام السوري المبادرة الفرنسية بالتصعيد في الأيّام الأخيرة بعد أن "تظاهر" أمام الوفد الرئاسي الفرنسي بالإستعداد لتسهيل مرور الإستحقاق. "الإعلام" السوري قصف المبادرة وصعّد حملته على الأكثرية. أمّا "الجناح السوري الصافي" من "المعارضة"، فجمع بين التهديد والتلويح بخطوة من جانب إميل لحود والحديث عن "حكومة إنتقالية". الجنرال ميشال عون صعّد في الاتجاه نفسه، فدعا إلى "حكومة إنتقالية" هو الآخر، وهدّد بما سمّاه "الشرعية الشعبية".
و"الجناح الإيراني ـ السوري" أيضاً
"الجناح الإيراني ـ السوري" أي "حزب الله" قصف المبادرة على لسان أمينه العام السيّد حسن نصرالله. صعّد النبرة حتى لا يترك أملاً ولو بنسبة واحد في المئة. قال الكلام الأقصى كي يفهم الفريق الآخر انّ الأمور مُحكمة الإغلاق. أعلن بصراحة ما بعدَها صراحة ليس فقط أنّه يرفض "البحث" في سلاحه، بل إنّ الدولة يجب أن تكون تحت سيطرته سياسياً وعسكرياً وأمنياً. ولو أنّ في الأمر مجرّد محاولةٍ لـ"تحسين شروط" التفاوض، ما كان نصرالله ليعلن الحرب على الأكثرية بعنوان "اللصوص والقتلة وأتباع المشروع الأميركي ـ الصهيوني"، إذ كان في إمكانِه أن يسلك "معبر" الرئيس نبيه بري. فما اضطرّ نصرالله إلى القصف مباشرةً وعلى لسانه، هو "أهمية" إعطاء الإنطباع الفعليّ للفريق الآخر بأنّ المسألة "لن تمرّ على خير". ثمّ ما كان نصرالله لـ"يبادر" إلى نسف المبادرة الفرنسية لولا أنّ في ذلك رسالةً إقليمية إيرانية "فـ"سورية. فكيف تعرف فرنسا أنّ إيران معترضة إن لم تكن على إتصال مباشر بها ما لم تسمعه من الأمين العام لـ"حزب الله" تحديداً؟.
كوشنير الشاهد
تترتّب على ما تقدّم إستنتاجات.
الإستنتاج الأول هو أنّ حصول الإستحقاق بالتوافق، أي الذهاب إلى المجلس النيابي لـ"الإنتخاب" هو أشبه باستحالة لا بل استحالة.
والإستنتاج الثاني هو أنّ الوزير الفرنسي برنار كوشنير الذي أعلن في ختام زيارته إلى بيروت أول من أمس أنّ إحتمال "الأسوأ" لا يزال قائماً، إنّما سيكون شاهداً حيّاً على التعطيل السوري ـ الإيراني للإستحقاق الرئاسي ولجلسة 21 الجاري.
والإستنتاج الثالث هو أنّ البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الذي يمثّل "العمود الفقري" للمبادرة الفرنسية المدعومة من المجتمع الدولي والشرعية العربية، و"العمود الفقري" لمجمل "مفاوضات التوافق" هو بين خياريَن: إمّا أن يقدّم لائحة إسميّة من أجل البرهنة على مصدر التعطيل، أو انّه سيصرّ على "ضمانات" للتسمية كي يتأكد أنّ الإستحقاق سيجري فعلاً، لكنّه سيقول كلمته إذا تبيّن له العكس.
...وما بعد 21 ت2
والإستنتاج الرابع هو انّ إنتخاب الرئيس لن يحصل في 21، لكنّه سيحصل بين 22 و23 بالأكثرية المطلقة في هذه الحالة.
أما الإستنتاج الخامس.. والأخير فهو أنّه لا يمكن "عادةً" التفاؤل بتسوية في لبنان، في أجواء تصاعديّة إقليمياً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00