ليس في إثارة مسألتي التسلّح والسلاح الفلسطينيين في الظروف اللبنانية الحالية أي افتعال. ذلك أن موجة التسلّح الجديدة بدأت قبل الانسحاب السوري من لبنان واستمرت اثناءه وتصاعدت بعده بحسب معلومات من مصادر فلسطينية بالدرجة الأولى.
وفي تقدير أوساط سياسية لبنانية متابعة ان التسلّح الفلسطيني من سوريا لفصائل موالية لدمشق، يثير المخاوف لدى اللبنانيين من زوايا نظر عدة:
أولاً ـ ان الفصائل الموالية لسوريا، شكّلت خصوصاً منذ التطورات التي طرأت على الوضع الفلسطيني في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ثم بعد حرب المخيمات في العام 1985، جزءاً لا يتجزأ من المنظومة السورية سياسياً وأمنياً ومخابراتياً، بمعنى انها شكلت في آن أداة سوريا في الصراع ضد القيادة الفلسطينية و"ورقة" بيد سوريا في لبنان قابلة للاستخدام في البازارات السورية ـ الدولية حول لبنان، و"آلة" تكلف بمهام "معينة" عند الاقتضاء.
فليس خافياً ان سوريا انتقلت بفعل تطورات عقد الثمانينات من القرن الماضي من الشراكة عبر فصائل موالية لها في منظمة التحرير الفلسطينية إلى النزاع المباشر مع السلطة الفلسطينية بواسطة محاولة فصل واقتطاع جزء من الشتات الفلسطيني في لبنان وسوريا عن مركز القضية الفلسطينية.
معطيات ومعلومات عن اللقاء السوري ـ الفلسطيني
ثانياً ـ وإذا كانت حال الفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا، وبعضها انشقاقات سورية عن فصائل رئيسية في ساحة العمل الفلسطيني، قد استقرت خلال عقد التسعينات ثم في السنوات الأخيرة، على هذا الأساس، أي على أساس كونها في اليد السورية، فمعنى ذلك ان استئناف تسليحها في الآونة الأخيرة، انما يندرج في إطار "سياسة" سورية محددة في المرحلة الراهنة ـ المقبلة، وذلك قياساً إلى المعطيات والمعلومات الآتية:
1 ـ قبل فترة وجيزة، دُعيت الفصائل الموالية لسوريا وتلك التي تقيم قياداتها في دمشق إلى اجتماع مع القيادة السورية والرئيس بشار الأسد بالذات، وهو أول اجتماع "مركزي" موسّع يعقد منذ سنوات. بعد أن كانت مهمة العلاقة بمعظم "فصائل الشام" موكلة الى الاستخبارات. وبعد هذا اللقاء عمّمت قيادات "مسورَنة" ان اتفاقاً حصل خلاله على اعتبار ان السلاح الفلسطيني في لبنان، أي سلاح هذه الفصائل، انما هو "سلاح مقاومة".. وهذا "تطور" نوعي بعد ان كان "السلاح المقاوم" محصوراً بسلاح "حزب الله".. حتى من وجهة نظر دمشق.
2 ـ وإذا كانت "نظرية" التسليح ترتكز إلى حيثية ان السلاح بيد الفلسطينيين في لبنان هو لضمان حق العودة ومنع التوطين، فليس خافياً ان الوظيفة السياسية المطروحة له هي من شقين: الأول هو معارضة السلطة الفلسطينية والمسار السياسي الذي تعتمده و"التمترس" خلف عناوين ظاهرها محق (العودة مثلاً) لتفكيك القضية الفلسطينية وتجزئتها ووضع اللاجئين في مواجهة مع السلطة، والثاني هو تحت عنوان استنفار "قوى المواجهة" في وجه الضغوط التي تتعرض لها سوريا. وبهذا المعنى، فإن الوظيفة السياسية للتسليح لاسيما في موجته الراهنة سوريّة بحتة ضد القيادة الفلسطينية ومشروعها السياسي من جهة وللتلويح ضد "الضغوط" بـ"سلاح" تجديد "الإنفلاش" الفلسطيني في لبنان من جهة أخرى.
"الفوضى" المرغوبة
3 ـ وفي المعطيات والمعلومات أيضاً، ان سوريا التي كانت "تضبط" الوضع الفلسطيني في لبنان خلال مرحلة وجودها العسكري، تعلن عبر هذا التسليح أن ما كان مضبوطاً في السنوات الماضية لم يعد مرغوباً بضبطه بعد الخروج السوري، وأن من يريد تنفيذ القرار 1559 الذي أخرج سوريا من لبنان، عليه أن يواجه "فوضى" معينة ومتاعب كبيرة.
ضحيتان: القضية الفلسطينية واللبنانيون
ثالثاً ـ ان ما يثير مخاوف اللبنانيين إذاً، ان الفصائل المعنية أكثر من غيرها بموجة التسليح الجديدة، انما تنفذ سياسة سوريا الفلسطينية وسياستها الإقليمية أي التهديد بالفوضى في مواجهة الضغوط. والحال أن لبنان هو مسرح تنفيذ هذه السياسة السورية، وهو مسرح الفوضى. وإذا أضيفت إلى ذلك حقيقة ان السياسة السورية الراهنة تجاه لبنان هي الانتقام من خروجه من تحت وصايتها ومضاعفة المتاعب أمام من يتولى الأحكام فيه وتدفيعه الثمن من استقراره، يصبح واضحاً ان التسليح الجاري ذو وظيفة لبنانية أيضاً، بما في ذلك دفع الفصائل المعنية بالتسليح نحو الدخول طرفاً ضد فرقاء لبنانيين.
رابعاً ـ وفي ضوء ما تقدّم تعرب الأوساط اللبنانية المتابعة عن اعتقادها أن لـ"السياسة" السورية الحالية والتي يأتي التسليح من ضمنها، ضحيتين في المباشر: الشعب الفلسطيني في المخيمات ومرجعيته السلطة الوطنية الفلسطينية التي تفاوض عنه لإنهاء معاناته، والشعب اللبناني واستقراره ومساره السياسي الديموقراطي السلمي. هذا إن لم يتجاوز الأمر التسليح ويطلب سوريّاً من فصائل معينة تقديم "خدمات استخباراتية".
لا وظيفة للسلاح الفلسطيني وهو ليس "سلاح مقاومة"
بالاستناد إلى هذه الخلفية المتكاملة، تنظر الأوساط اللبنانية إلى خطر التسلّح في موجته الجديدة. لكنها تعتبر أن موجة التسلّح هذه، أتت ليس فقط لتسلّط الضوء على "فائض التسلّح الفلسطيني" الراهن بل على ضرورة معالجة مسألة السلاح الفلسطيني نفسه. وفي هذا المجال، تسجّل النقاط الرئيسية الآتية:
أ ـ بالعلاقة مع ما تقوله القيادة الفلسطينية، فإن السلاح الفلسطيني في لبنان لم يعد ذا وظيفة سياسية فلسطينية عامة من جهة، ومن الطبيعي أنه لم يعد ذا وظيفة سياسية لبنانية من جهة ثانية، وذلك منذ التحول التاريخي في مسار النضال الفلسطيني بالانتقال إلى الداخل. وتعتبر القيادة الفلسطينية ان للسلاح وظيفة الآن تحددها بالدفاع عن المخيمات من اعتداءات إسرائيلية محتملة أو لـ"تحسين" شروط التفاوض بشأن اللاجئين في انتظار اتفاق لبناني ـ فلسطيني. لكن أحداً لا يصنّف السلاح على أنه "سلاح مقاومة فلسطينية" أو يطرح مهام قتالية على "الجبهة اللبنانية" مع إسرائيل.
ب ـ من الواضح ان السلاح الفسطيني في لبنان حصل على تمديد في الوقت والصلاحية منذ اتفاق الطائف في العام 1989 وحتى اليوم. ولهذا التمديد أسباب عدة منها أن سوريا لم تطبق الطائف في مرحلة وصايتها على لبنان، ومنها أن سوريا حالت باستمرار دون تكريس مصالحة تاريخية لبنانية ـ فلسطينية ودون إنتاج تفاهم لبناني ـ فلسطيني حول العلاقات بين الجانبين، بحيث تكون العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية علاقة بين شعبين و"دولتين" و"كيانين".. أي علاقة سياسية شعبية متكاملة.
الطائف والعلاقة
اللبنانية ـ الفلسطينية
ج ـ وبالنسبة إلى اللبنانيين، في المرحلة الراهنة بنوع خاص، فإن الانسحاب السوري من لبنان يفترض أو يجب أن يفترض إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف، أي للتسوية التي ينبغي أن ترتكز اليها عملية بناء الدولة.
وعلى هذا الأساس، فإن السلاح الفلسطيني المنتهية وظيفته في لبنان للأسباب المعروضة آنفاً بما فيها سبب إمكان استخدامه سوريّاً في اتجاه معاكس لسياسة القيادة الفلسطينية، كان يجب أن يكون مطروحاً، لا سيما بعد قيام الحكومة اللبنانية، على طاولة حوار أخوي لبناني ـ فلسطيني، بوصفه ـ أي السلاح ـ بنداً في ملف أوسع للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية.. لا أن تتفاقم مسألة السلاح بـ"تحريض" سوري.
والحال ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي زار بيروت مرتين العام المنصرم، مرة قبل انتخابه خلفاً للزعيم الراحل ياسر عرفات وثانية بعد انتخابه، أكد ان الفلسطينيين في لبنان وسلاح المخيمات تحت القانون اللبناني.. وكذلك قالت الوفود الفلسطينية الرسمية التي زارت لبنان. وإذا كان صحيحاً أن هذه الزيارات جميعاً لم تنتهِ إلى اتفاقات نهائية، فالصحيح هو أن المعايير التي جرى التحدث بها هي معيار مصلحة لبنان واستقراره ومعيار مصلحة العلاقة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني ومعيار دعم الفلسطينيين لعملية بناء الدولة في لبنان ودعم اللبنانيين للاستقلال الوطني الفلسطيني وفق المسار الذي يقرره الفلسطينيون ديموقراطياً.
أبو مازن والـ1559
د ـ هذه الأمور جميعاً كانت محددة قبل القرار 1559 واستمرت محددة على هذا النحو بعده. وللرئيس عباس موقف واضح أكد من خلاله ان للبنانيين أن يقرروا كيفية تعاطيهم مع القرارات الدولية وأن السلطة الفلسطينية ستدعم الخيارات اللبنانية. والحال ان اللبنانيين في أكثريتهم قرروا حيال البند المتعلق بسلاح المقاومة اللبنانية "لبننة" هذا الاستحقاق بمعنى إخضاعه لحوار لبناني ـ لبناني يرسم خارطة طريق لبنانية تحدد نقطة البداية ونقطة النهاية مع مراعاة مقتضيات المصلحة الوطنية. وقرروا أن يكون حوار لبناني ـ فلسطيني في ما يتعلق بملف العلاقة ومن ضمنه السلاح.
هـ ـ ان حديث بعض الفلسطينيين عن ان للسلاح وظيفة مواجهة التوطين ليس في محله، لأن حماية حق العودة ليست مهمة مسلحة، بل هي عملية سياسية وطنية فلسطينية متكاملة وهي عملية مشتركة لبنانية ـ فلسطينية أيضاً. أما قول بعضهم الآخر من جماعة سوريا خصوصاً أن السلاح هو للدفاع عن الفلسطينيين في وجه فئات لبنانية معينة، متخذين من بيان "حرّاس الأرز" ذريعة لذلك، فهو استخفاف بعقول اللبنانيين ليس فقط لأن "حرّاس الأرز" نُبذوا من قبل المجتمع السياسي اللبناني بأسره، بل لأن حماية الفلسطينيين في لبنان مسؤولية وطنية لبنانية، في مرحلة من التمسك اللبناني الإجماعي بـ"الدولة" وبالعلاقة مع الكتلة الشعبية الفلسطينية.
نداء إلى عباس
ان اللبنانيين متخوفون من التسليح السوري لفصائل فلسطينية موالية لدمشق، أي الفصائل التي تشكل جزءاً عضوياً من المنظومة الأمنية السورية. وإذا كانوا "يتفهمون" الأبعاد "العقائدية" لدى فصائل تتخذ من دمشق مقراً سياسياً لها، ولدى فصائل إسلامية ناشطة، فإنهم يأملون أن يبدّد هؤلاء المخاوف اللبنانية.
ومع ان اللبنانيين يعرفون مشاغل الرئيس محمود عباس والمتاعب التي يواجهها في قيادته للعملية السياسية الفلسطينية، ويدركون الحرج الذي تخلقه له سياسات إقليمية ذات إنعكاسات على الوضع الفلسطيني، فإنهم "يستنجدون" به مع ذلك ليجدّد الموقف الفلسطيني الرسمي.. وفي الساعات الأخيرة وصلت من أبو مازن رسائل سياسية تفيد ان الفلسطينيين لن يكونوا ضدّ إرادة اللبنانيين ومصالحهم وانهم لن يستخدموا وقوداً لزعزعة الاستقرار اللبناني.. وان "العهد هو العهد" كما كان الراحل أبو عمار يقول. وعلى أي حال، "حرام" أن يزجّ فلسطينيون في "جريمة" ضد لبنان كما تقول الأوساط السياسية اللبنانية المتابعة التي تختم بالقول أن ما عرضته من معطيات ومعلومات ليس سوى جزء مما يجب قوله في هذه المرحلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.