8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المرحلة الانتقالية تتمدّد من جديد.. ومسؤوليّة "الحلفاء" التقاط المبادرة

في وقت يشكل إعلان الرئيس فؤاد السنيورة نيّة المحقق الدولي ديتليف ميليس استهلاك كامل المدة المعطاة له في القرار 1595 "حديث الساعة"، وفيما يتخذ رافضو الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والراغبون في "تطويعها" لحساباتهم ومصالحهم من التمديد حتى 15 كانون الأول المقبل مادة لهجوم مضاد على المطالبين بكشف الحقيقة كاملة ويحاولون ان يجعلوا من هذا الموضوع عامل قوة واستقواء، توقف العديد من الأوساط السياسيّة خلال الساعات الماضية أمام هذا المعطى، أي التمديد، وسجلوا بشأنه مجموعة من الملاحظات الرئيسية:
التمديد السابق
أولاً ـ في المرة الماضية في شهر آب وقبل ان تنقضي مهلة الأشهر الثلاثة الأولى، وكان واضحاً يومئذٍ أنّ رئيس لجنة التحقيق الدوليّة سيطلب تمديد التحقيق فترة إضافيّة، عمد فريق المتضررين من التحقيق والحقيقة من جماعة النظام الأمنيّ السوريّ ـ اللبناني المشترك إلى ترويج أنّ ميليس لم يتوصل ضمن المهلة الأولى إلى أيّ نتيجة وأنّه لم يتمكّن من اكتشاف أيّ خيط، وانّ تقريره الإجرائيّ في أيلول لن يقول شيئاً بل سيكون روتينياً ينتهي إلى طلب التمديد.
جاءت النتيجة مختلفة تماماً. فالتقرير "الإجرائي" قال كلاماً محدداً واستدعى موقفاً من مجلس الأمن الدوليّ فرض على سوريّا التوقف عن المكابرة من جهة و"التشاطر" من جهة ثانية، فوافقت على "مبدأ" التعاون مع التحقيق الدوليّ وعلى السماح لميليس باستجواب عدد من المسؤولين السوريين في القضيّة. وبعد أيام قليلة من التقرير الاجرائي، كان توقيف الضباط الأربعة.
تمويه.. رسائل.. وفرصة
ثانياً ـ من هذه المقدمة تستدل الأوساط السياسيّة أن التمديد لا يعني أبداً أنّ التحقيقات لم تتوصّل إلى نتائج، أو أنّها تواجه مأزقاً أو أنّ الاجراءات القانونيّة التي تصاحب التحقيق ستتوقف.
ومن هذه الزاوية، تعتبر الأوساط أنّ ميليس بأسلوبه في التحقيق يستخدم المهل لـ"التضييع" تارة ولتوجيه رسائل معينة تارة أخرى، ولعله في إبداء نيته استهلاك المهلة حتى 15 كانون الأوّل المقبل، والإيحاء بأنّ الحقيقة ستحتاج إلى فترة أطول، إنّما يطلق قنابل دخانيّة لـ"تمويه" الأهداف، ومن ضمنها خطوات قانونيّة قد يفاجئ بها الجميع في لحظة معينة. وثمّة في الوسط السياسيّ من يرى أنّ المحقق الدوليّ بإعلان نيته التمديد يحاول إعطاء فرصة لدمشق لتبدي قدراً أعلى من التعاون بما في ذلك التجاوب مع ما يطلبه منها مّما هو غير معلن.
تحصين التقرير النهائي
ثالثاً ـ وفي هذا السياق حيث تشدّد الأوساط على أنّ استهلاك ميليس كامل المهلة المحدّدة في القرار 1595، ينطوي على حاجة في إطار التحقيق وليس إشارة الى "انعدام الرؤيا"، فإنها تؤكد انّ التمديد يساعده على تحصين تقريره النهائي وعلى تحصين اتهاماته. ذلك أنّه باستخدامه كامل المهلة يستطيع ان يشتّت الهجوم الذي يتعرض له التحقيق ويستطيع ان يحصل على مزيد من الأدلة والقرائن، ويستوعب التطورات في التحقيق ويحللها، ويسقط من يد معارضي الحقيقة ورقة اتهامه بأنّه استعجل بـ"دليل" أنّه قصر المهلة الممنوحة له. هذا مع العلم أنّ رئيس فريق التحقيق الدوليّ لن يمضي الفترة الفاصلة عن 15 كانون الأول بالتحقيقات "الورقية" او بمحاولة حلّ الكلمات المتقاطعة على جهاز الكومبيوتر الذي بحوزته والذي يتضمن "برامج" كاملة للقضيّة التي يحقق فيها.
اعتراف "إجماعي"
بالتقرير
رابعاً ـ وتلاحظ الأوساط أنّ إعلان ميليس نيّته تمديد مهمته الى منتصف كانون الأول المقبل، حوّل الهجوم إلى اعتراف بالتقرير الذي سوف يصدره، أو بالأصح اعتراف بأهمية التقرير كمحطة أساسيّة في الوضع اللبنانيّ.. أي بكلام آخر، ان معارضي الحقيقة الذين روّجوا ويروّجون وسيروّجون لمقولة ان ميليس لم يصل إلى نتيجة وأنّ ملفه "فارغ"، والذين يتوقون إلى استخدام أوهامهم حول التقرير ضدّ الآخرين.. إنّ هؤلاء باتوا يعترفون بـ "موقعيّة" التقرير الذي سيعده ميليس، سواء لمحطة 25 تشرين الأول الجاري أو لمحطة 15 كانون المقبل.
آراء في المرحلة الانتقالية
خامساً ـ بيد أنّ الوسط السياسيّ توقف خلال الساعات الماضية أمام الأثر السياسيّ المباشر للإعلان عن نيّة ميليس تمديد مهمّته.
أ ـ ثمة فريق سياسي رأى أنّ من شأن هذا التمديد أن يمدّد المرحلة الانتقاليّة التي يمر بها لبنان، بكلّ سلبياتها. وليس خافياً أنّ هذا الفريق يعتبر التقرير النهائي لميليس إعلاناً عن انتهاء المرحلة الانتقاليّة وايذاناً بافتتاح مرحلة جديدة تبني على التقرير المقتضى السياسيّ أو المقتضيات السياسيّة.
ب ـ وثمة فريق سياسيّ ثان، رأى ان تمديد مهلة التحقيق الدوليّ لا يؤدي إلى تمديد المرحلة السياسيّة الانتقالية، لأن تقرير ميليس في 25 من الجاري سيقول كلاماً محدداً، وستسبقه أو تليه إجراءات وخطوات قانونيّة تؤكد الشبهة بالجريمة في دائرة سياسيّة ـ أمنيّة معينة، وأن لا داعي تالياً لانتظار إنقضاء المهلة بكاملها.
ج ـ وثمة فريق ثالث لم يرَ في هذا التمديد ما يستدعي هلعاً سياسياً، على قاعدة أنّ تحصين التقرير النهائي بالأدلة والقرائن سوف يعزز صدقية الموقف السياسي الذي سيُبنى على مضمون التقرير، ويجعل المعركة السياسّة أكثر وضوحاً وبمعطيات دامغة.
الهجوم المضاد
سادساً ـ على أنّ الوسط السياسيّ الذي تفاعلت ضمنه ثلاثة آراء على الأقل، لاحظ في المقابل أنّ الفريق الذي يتطلع إلى نهاية المرحلة الانتقاليّة وإلى افتتاح مرحلة جديدة من التغيير، من واجبه ان يعترف بأنّه وخصوصاً خلال الأسابيع الثلاثة الماضية أخلى "الساحة" لهجوم مضاد قاده جماعة النظام الأمنيّ اللبناني ـ السوري المشترك، وكان رأس حربته فريق رئيس الجمهوريّة، واشترك فيه من موقع آخر أطراف سياسيّون من خارج الغالبيّة النيابيّة.. ووظيفة هذا الهجوم إحباط الآمال في التغيير في حدّ أقصى وخفض التوقعات في حدّ أدنى وبينهما إحالة المسائل الرئيسية إلى تسويات إن عقدت أو إلى تنازلات أو إلى "الوقت" ولعبته.
وفي تقدير الوسط السياسيّ أنّ ذلك الهجوم المضاد الذي حاول أن يستفيد من "الفسحة" بين التحقيقات ونتائجها إنّما استفاد من غياب الرؤية الموحدة لدى "الحلفاء" بالنسبة إلى عناوين عدة سواء تعلق الأمر بـ"السياسة الأمنية" أي بأي أمن لأي سياسة، أوتعلق بالرؤية إلى رئاسة الجمهوريّة، أو اتصل بالدعم الخارجي بين "المطلوب" و "غير المرغوب". أو كان على صلة بقراءة التوازنات الداخليّة المستقبليّة وضماناتها.
المبادرة الغائبة
سابعاً ـ بهذا المعنى، وبصرف النظر عمّا إذا كان تمديد ميليس يمدد الفترة الانتقاليّة أو لا بحسب التقرير المنتظر في 25 الجاري، فإن أوساطاً سياسيّة عدّة تعتبر أنّه في الوقت الذي سيحاول معارضو الحقيقة الاستفادة لـ"التقاط الأنفاس" وللمضيّ في هجماتهم ومناوراتهم، فإنّ على قوى الغالبيّة مسؤوليّة المبادرة السياسيّة التي يجب ألا تسقط من أيديهم. والمبادرة السياسيّة هنا تقتضي استعادة التواصل "الحقيقي" أولاً، وتجميع الصفوف في لقاء سياسيّ جديد ثانياً وتكوين نظرة موحدة إلى مرحلة ما بعد تقرير ميليس على قاعدة أنّ هذا التقرير سيصدرُ ولو في 15 كانون ثالثاً، بحيث يستفيد الحلفاء من التمديد كما سيستفيد منه معادو الحقيقة. وتعرب الأوساط عن اعتقادها أنّ عدم إطلاق مبادرة سياسيّة سيكرس مع الأسف الصورة الراهنة حيث تبدو "الأقلية" مالكة للقرار وحاكمة به بينما الأكثرية في حال من الجمود، علماً أن مبادرة سياسيّة ستمكّن قوى الأكثرية من وقف التشتت في صفوفها ومن محاورة شركاء آخرين في آن في ظل ديناميّة مختلفة.
ثامناً ـ واذا كانت "الفسحة" بين التحقيقات ونتائجها "سمحت" بحصول تسوية حول التعيينات الأمنيّة والقضائيّة، تسوية لا يمكن القول أنّها أتت بكل من كان يجب أن يأتي إلى المواقع المعنية، لكنها في المقابل يصحُّ وصفُها بأنها "مقبولة".. فإن المطلوب من الحكومة على قاعدة أولوية القرار 1595 وأولوية المسألة الأمنية، أن "تستغل" فترة الشهرين ونصف الشهر لتنظيم الأمن وهيكلته ووضعه "تحت" الأمرة السياسيّة وتحقيق اختراقات مهمة لمصلحة الاستقرار الأمني، والسياسي تالياً، ومنع استفادة أعداء الحقيقة من "الثغرة الأمنيّة" التي ظلت قائمة حتى الآن.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00